ضع اعلانك هنا

أمريكا تعاقب إيران بسلاح أكثر فتكاً من الحرب

لن يتوقف تأثير العقوبات الأمريكية على إيران لوحدها، بل الأمر يهم دولاً أخرى، خاصة في الشرق الأوسط. فبين من يعادي إيران، ومن يتحالف معها، يدرك دونالد ترامب أن قراره قد يغيّر معادلاتٍ كثيرة لن تتوقف عند ما هو اقتصادي فقط.

كما كان متوقعاً، أعادت الولايات المتحدة الأمريكية فرض دفعة ثانية من العقوبات الاقتصادية على إيران، بعد الدفعة الأولى التي فُرضت في وقت سابق. ويقضي القرار الأمريكي بمنع كلّ من يتعامل اقتصادياً مع إيران من دخول السوق الأمريكية، مع وجود استثناءات مؤقتة لبعض الدول. ونظراً لأن الأمر يهمّ دولة مثيرة للجدل في الشرق الأوسط هي إيران، فمواقف الدول المحيطة بها ستتنوّع، بين من يكنّون لها الود أو قليلاً منه، وبين من يرونها عدواً خطيراً على مَصالحهم.

وإذا كان العداء واضحاً بين إيران من جهة وعدد من الدول الخليجية كالسعودية والإمارات والبحرين لأسباب متعددة منها الاتهامات المستمرة بين الطرفين بمحاولة التدخل في الشؤون الداخلية وتمديد النفوذ في الشرق الأوسط، فالعداء ذاته يربط بين إيران وإسرائيل، وتتفق عدد من الدول الخليجية مع إسرائيل في اعتبار إيران العدو الأوّل بالمنطقة. بيدَ أن الأمر يختلف بالنسبة لدول وكيانات أخرى ترتبط بحلف وثيقٍ مع إيران، خاصة حزب الله وسوريا، كما يختلف بالنسبة لدول لها مصالح اقتصادية أو سياسية مع إيران خاصة تركيا والعراق، وبنسبة أقل قطر التي اتجهت مؤخراً نحو إيران بعد الأزمة الخليجية.

مواقف منتظرة

 

وفي علاقة ببعض مواقف الأطراف، لم تُخف السعودية سرورها بالعقوبات الأمريكية على إيران، وقد عبرت سابقاً عن تأييدها لانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران، بينما كانت إسرائيل من المبادرين الأوائل للترحيب بالخطوة الأمريكية الجديدة. في الجهة المقابلة، يظهر موقف العراق متذبذباً، إذ سبق وأن أعلن حيدر العبادي، رئيس الوزراء السابق أن بلاده ملتزمة بالعقوبات الأمريكية على إيران رغم معارضته لها، لكنه عاد لاحقاً ليقول إن الالتزام سيكون فقط في شق التعامل بالدولار، فيما لم يتجاوز خلفه عادل عبد المهدي، التأكيد على ضرورة احترام الشؤون الداخلية للدول.

من جهته، كان الموقف التركي واضحاً عندما أعلنت منذ مدة رفضها للعقوبات الأمريكية، وصرّحت أنها لن تُجاري واشنطن في إجراءات لا تخدم سوى مصالح هذه الأخيرة، بينما لم تعلن قطر بعد موقفها في القضية. في الجانب الآخر، بدأت دول بالمنطقة الاستعداد لمرحلة جديدة في عالم النفط، ومنها الإمارات التي أعلنت أنها اعتمدت استراتيجية شاملة لزيادة السعة الإنتاجية للنفط تدريجياً إلى 5 ملايين برميل يومياً، وهو ما يضاف لموقف السعودية التي رفعت قبل أسابيع  معدلات إنتاجها النفطي.

 

ويتحدث عماد أبشناس، رئيس تحرير مجلة إيران ديبلوماتيك، عن أن هذه الحزمة الجديدة من العقوبات لا تختلف عن العقوبات القديمة التي لم يلغها الاتفاق النووي. ويُضيف أبشناس لـDW عربية أن إيران استطاعت التأقلم من العقوبات المستمرة منذ عقود، ومن مظاهر ذلك تنامي قوتها التكنولوجية ونفوذها الإقليمي، غير أنه في حالة ازدياد الضغط على طهران، فالجناح المتشدد داخل البلاد سيتقوى أكثر، ما يعني أن التصعيد سيزداد في المنطقة، خاصة وأن المتشددين يعتبرون أن السبيل الوحيد لدفع واشنطن إلى التراجع عن سياساتها هو رفع التصعيد في المنطقة.

 

أيّ أثر على الخصوم؟

 

تملك إيران أوراق ضغط في المنطقة، وهي مستعدة للدفاع عن مصالحها الاقتصادية في وجه كل المحاولات التي ترمي لتقويض اقتصادها القائم على النفط، خاصة عندما تقوم بهذه المحاولة الدول التي تعاديها. يعطي عماد أبشناس المثال بالسعودية، إذ يقول إن إيران قد تتخذ إجراءاتٍ أكبر للرد بالمثل، ومن ذلك منع تصدير البترول السعودي من مضيق هرمز، أو الزيادة في دعم الحوثيين اليمنيين حتى يشتد الضغط على السعودية. أما بخصوص إسرائيل، فيقول الخبير إن إيران “قد تلجأ إلى تقوية دعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطينية، وهو ما من شأنه أن يزيد من التوتر في المنطقة”.

غير أن خصوم إيران لم يكونوا ليرّحبوا بالخطوة الأمريكية لولا استفادتهم منها، وهو ما يؤكده حسين رويوران، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، الذي يقول في حديث لـDW عربية، أن هذه العقوبات قد تكون لصالح مناوئي إيران، ومنهم السعودية التي ستستفيد في زيادة إنتاج النفط ورفع سقف الإنتاج، وإن كانت لا تستطيع تعويض النفط الإيراني بكامله.

 

وهناك استفادة سعودية أخرى من العقوبات، حسب حديث يوشن هيبلر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة إيسن –دويسبورغ، لـDW، ويتعلّق الأمر بتحويل الانتباه من قضية مقتل خاشقجي إلى الملف الإيراني. ويتحدث الأستاذ كذلك على أن إسرائيل ستستغل العقوبات الأمريكية لأجل تقوية حلف غير معلن عنه يضمها إلى جانب الإمارات والسعودية.

 

ماذا عن الأصدقاء؟

 

ساهم الدعم الإيراني في استمرار نظام الأسد في سوريا وفي تحقيقه لانتصارات متتالية على المعارضة المسلحة. كما تعدّ إيران أكبر المُموّلين لحزب الله، ذراعها القوي في لبنان. ومع إعلان العقوبات الأمريكية الجديدة، تنبأت الكثير من التقارير بتضرّر نظام الأسد ولبنان من هذه العقوبات، خاصة وأن حزب الله ممتد كذلك في النسيج الاقتصادي للبنان. لكن حسين رويوران، يرى أن العقوبات لن تؤثر في تمويل حلفاء إيران بالمنطقة، لافتاً أن مثل هذا التأثير السلبي لم يحدث حتى مع العقوبات الماضية، إذ خلالها، نجحت إيران “في الحرب ضد الإرهاب في سوريا والعراق” على حدّ قوله.

 

في الجانب الآخر، تجد دولة العراق نفسها أمام تحدٍ صعب في التعامل مع العقوبات الأمريكية، فالولايات المتحدة وإيران تُعدان من الشركاء الأساسيين للعراق سياسياً واقتصادياً. يرى عماد أبشناس أن واشنطن وعت بصعوبة الموقف العراقي، لذلك يتوقع أن يكون العراق من البلدان المعفاة من الالتزام بالعقوبات، أو أن يتوقف عند الالتزام بعدم التعامل بالدولار الأمريكي مع إيران. الأمر ذاته ينطبق نوعاً ما على تركيا، خاصة على ضوء الاتفاقيات الاقتصادية الضخمة بين أنقرة وطهران، وإلى قوة العلاقات التاريخية بين الجانبين، إذ استمرت حتى في عزّ العقوبات الأممية على إيران.

 

ويبقى قرار مجاراة العقوبات الأمريكية صعباً بالنسبة لبعض دول المنطقة التي تحاول إمساك العصا من الوسط في الأزمة. المثال الأكبر يخصّ قطر، ففي وقت سابق، كان موقفها قريباً من الموقف السعودي، لكن بعد الأزمة الخليجية الأخيرة، لوحظ تقارب بين الدوحة وطهران. يشير عماد أبشناس إلى أن قطر ستحاول النأي بنفسها عن الصراع الأمريكي-الإيراني، لأنها ” ترى في العلاقات مع إيران بوابة للخروج من الحصار”. ويُشبه الباحث هذا الموقف بمواقف معروفة لدول أخرى خاصة عمان التي تتفرّد سياستها الخارجية عن دول الخليج.

 

الكاتب: إسماعيل عزام

عربية DW 

ضع اعلانك هنا