الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي…
حينما تعجز السياسة عن تأسيس مؤسستها العامة وإدارتها الرشيدة والقيام بوظائفها الأساسية في تنظيم الشأن العام وضبطه بقوة القانون والنظام تحدث أزمة فاذا عجزت النخب السياسية عن ادارة الأزمة وحلها وتجاوزها بالطرق السلمية والدبلوماسية تندلع الثورة – (بوصفها أخر العلاج الكي!) حسب المثل الشعبي. وحينما تعجز الثورة عن استعادة السياسية إلى بيتها التنافسي السلمي بل قل حينما تعجز إن تقعدها في مجالها المستقل بحسب بيير بورديو بمعنى تأسيس الدولة المدنية العادلة تنشب الحرب وتضيع الثورة والدولة والسياسية والوطن والسيادة وكل شيء تقريبا ورغم الترابط بين الثورة والسياسة إلا إن ثمة فرق كبير بينهما، اذ إن حضور الأولى يعني غياب الثانية. الثورة حلم جماعي وفعل اجتماعي جماهيري عفوي أو هادف ضد وضع سياسي لا يطاق بينما السياسة وممارستها على العكس تماما من الثورة وقيمها هي فن الممكن. السياسة نشاط نخبوي عقلاني تحكمه قواعد لعبة مختلفة عن قواعد لعبة الثورة. الفعل السياسي يعني العيش المشترك للناس في كيان مدني منظم سياسيا بالدستور والقانون سيد الجميع وفق مبدأ قوة الحق لا حق القوة وهذا هو ما تخفيه الثورة والسياسة دائما بحسب روجيس دوبريه في كتاب نقد العقل السياسي. في عالم السياسة والممارسة السياسية, لا شيء خلف الستار , كل ما هو ممكن الحدوث لابد له ان يظهر ويبان ويعلن عن حضوره ووجوده أمام الاسماع والأعيان اذ ان السياسة بوصفها علاقات قوة واستراتيجيات مصالح ليس فيها مجال للأوهام والتوقعات والأحلام والأمنيات وبهذا المعنى جاء المثل و(ما نيل المطالب بالتمني ولكن تأخذ الدنيا غلاب ) بل ويجوز فيها الشطارة والمكر والخداع والكذب والترهيب والترغيب والتهديد والوعيد والحرب والتفاوض في حقل الفعل السياسي فقط (الغاية تبرر الوسيلة ) والعبرة بالنتائج لا بأي شيئا أخر , للسياسة قواعد لعبتها الخاصة وقيمها وأخلاقها المستقلة , انها فن الممكن. فاذا استطاعت السياسة ضبط الشأن العام بما يؤمن الحياة الكريمة للإنسان ؛ العدالة والحرية وتكافؤ الفرص والعيش الكريم والأمن والأمان والتنمية والسعادة ، فمن المحتمل أن يكف الناس عن الثورات والخروج والعصيان ، ويحل بدلا عنها اتساع الامال والبحث عن الدعة والنماء والأعمار، ولا تدوم الدول الا بعدل صحيح وأمن راسخ وأمل فسيح . كما كتب ابو الحسن. والخلاصة أن الثورات ليست غاية بحد ذاتها بل هي وسيلة الضرورة القصوى لإعادة السياسية إلى بيتها وتأسيس الدولة في مجالها المستقل. والدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات الوطنية الجامعة هي البيت السياسي المشترك للموطنين القاطنين في مكان وزمان متعينيين بينما السياسية هي اللعبة التي يمارسها سكان البيت في الصراع على عناصر القوة؛ السطلة والثروة والوظيفة العامة والجاه والتمثيل . الخ. فاذا لم تأسس الدولة على أساس تعاقدي دستوري مدني يكفل حق متساوي لجميع المتعاقدين في العيش الكريم والوصول والحصول على الفرص فمن العبث الحديث عن السياسة ونتائجها.
لكن مشكلة تأسيس الدول ليست بالمسألة التي يمكن حلها بالحوارات والتوافقات والنوايا والرغبات والامنيات والسحر ، بل هي اولا وقبل كل شيء شأن التاريخ بلحمه وسداه وعملية صيرورة تطورية تاريخية عميقة الجذور للقوى الاجتماعية الفاعلة
لا يمكن لها ان تتحقق الا بتحولات مادية واقعية فعلية محسوسة ملموسة تطال كل البناء والانساق والقيم والرموز والعلاقات ,وبالأساس الفاعلين والأفعال اي السلوك قبل الوعي قانون التقدم البشري منذ الازل ، انها شروط وعوامل يستحيل مغالطتها او إشباعها ، باي طريقة من الطرق وكيفما اتفق ، ثمة استحقاقات تاريخية لا تكون الدولة الا بها ، الا بإشباعها وحلها، ودونها خرط القتاد، وليس بمقدور النوايا والإرادات والرغبات والاسماء والصفات ، مهما كان صدقها وحجمها وسعتها واخلاصها ان تحل محلها ، حتى وان اجتمع العالم بجنه وأنسه وبكل هيئاته وقواه وخبراته وخبرائه ولا جدوى من طلب المزيد طالما وان الشجرة لم تنضج بعد! وهذا الذي كنا نقوله ونردده ونكتبه منذ زمن طويل ، كل شيء بأوانه ، ولم يكتشف العالم بعد طريقة فعالة يتم بها تحقيق هذا الإنجاز التاريخي الأهم _اقصد _إنجاز تأيسي وبناء الدولة الوطنية من اي نمط او شكل بما هي مؤسسة وجامعة الدولة الحديثة دولة الدستور والمؤسسات والنظام والقانون والمواطنة المتساوية سوى كانت بسيطة او مركبة مركزية او كنفدرالية او فيدرالية رئاسية او برلمانية …الخ. والسياسة بوصفها فن إدارة الشأن العام هي (فارماكون Pharmakon ) حسب أفلاطون بمعنى ( السم والترياق ) فإذا خربت خرب كل شيء في هذا العالم وإذا صلحت صلح كل شيء في هذه الدنيا ، وليس هناك شيء آخر يؤثر في حياة الناس بإشد مما تفعله السياسة؛ حتى الكوارث الطبيعية وتقلبات المناخ؛ ك البراكين والزلازل والفيضانات والعواصف والجفاف والجدب والخصب والبرد والحر والأوبئة والجوائح هي أخف وطئة على حياة الناس في كل المجتمعات من أثر الشرور السياسة ومداراتها الفاجعة. فما حدث في فلسطين وسوريا وليبيا والعراق واليمن والصومال وافغانستان منذ أكثر من سبعة عقود من الزمن ولازال يتنضد الآن أمام الأبصار من عذابات وجرائم يشيب لهولها الولدان وما أنجبته من أزمات وتصدعات سياسية وحروب وخرابات في السنوات الماضية لا يمكن مقارنة أثرة الفاجع في حياة المجتمعات مع ما يمكن أن تفعله أي كوارث طبيعية واقعية أو محتملة. فما الذي ورثناه من الساسة الذين حكموا بلادنا منذ أكثر من ستة عقود؟ زعامات صعدت من قاع المجتمع وانفعالاته دون إن تمتلك إي ميزة أو مؤهل أو قدرة ذاتية تبرر استحقاقها للقيادة السياسية وهي أخطر أنماط القيادات وأكثرها حساسية ومسؤولية في كل الفعاليات التي يمارسها البشر إذ القائد السياسي مثله مثل كابتن الطائرة المدني لا يجب إن يغط أبدا لعدم وجد فرصة اخرى للتعلم من الخطأ إلى الحد الذي جعل
الفيلسوف اليوناني أفلاطون في كتاب الجمهورية وهو عمدة مراجع الفلسفة السياسية- جعله يشترط على من يريد أن يكون سياسيا إن يخضع لعملية تربية وتعليمية وتنمية وتأهيل لمدة خمسن عاما فيما سماه الملك الفيلسوف. داعك من أفلاطون ومعاييره العسيرة وتعالى نشوف مصادر السلطة عند عالم الاجتماع السياسي الشهير؛ ماكس فيبر الذي حددها بثلاثة مصادر أساسية هي: مصدر السلطة التقليدية بحكم الغلبة والقوة؛ قوة السيف والساعد( قوة القبيلة أو الجماعة) أو بالاعتقاد الديني أو بالوراثة البيولوجية وقانونية عبر الديمقراطية ومؤسساتها العامة المعروفة ( أحزاب وقوى وبرامج ومنافسات وشعارات وانتخابات ومجالس نيابية .الخ) أو كاريزمية وهي السلطة التي يقودها شخص غير عادي “خارق” يملك صفات وكارزمية مثل حقيقية أو وهمية مثل الرسل والأنبياء الذين تمكنوا من جعل الناس ينصتون إليهم ويؤمنون بما يقولونه لهم. وحينما نلاحظة معظم من صعدوا إلى هرم السلطة في الجمهوريات العربية لم يأتوا عبر هذه المسالك المعروفة بل صعدوا باسم الشعب والجماهير الشعبية معظمهم من صادم إلى الاسد وما بينهما مثل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أو الرئيس الليبي معمر القذافي الذي أسسا وهما في السلطة أحزاب باسم الشعب أو الجمهور ( المؤتمر الشعبي العام) أو حزب الجماهيرية العربية العظمى وهناك نماذج كثيرة استخدمت الشعب والجماهير العريضة ولازالت تستخدمها لغرض الصعود إلى السلطة وأول ما تتمكن من تسحق الشعب وتذيقه ما لم يخطر على باله من التنكيل والعذاب. كما قال نائب السفير الألماني ذات امسية ثقافية في عدن عام 2010م لازلت اتذكرها – كانت أمسية حوارية مع نشاطا الحراك الجنوب السلمي في فندق ميركيل بخور مكسر إذ قال فيما يشبه التعاطف مع الجنوبيين بعد إن اسمع اليهم قال عبارة ذكية ” علينا التفكير فيما بوسعنا فعله بعد ان (طردنا من الباص الى الشارع) أي بعد ان بتنا وامسينا واصبحنا واضحينا واصبح الملك لله , كلنا ضحايا بلا دولة ولا سيادة ولا حرية ولا كرامة ولا مؤسسات ولا خدمات ولا ماء ولا مرعى.الخ وذلك بسبب اخطاء القيادات السياسية التاريخية وقد كتب في مخاطر الاخطأ التي يرتكبها القادة السياسيين عديمي التأهيل (إذا اخطأ الانسان العادي اضر نفسه , اما القائد السياسي فأبسط خطأ يقترفه فإنه يضر شعبه ووطنه ودولته لامحالة), اما حين تكون الأخطأ فادحة وكبيرة وقاتلة كما هو حالنا , فمن الاولى بنا ان نعيد النظر الكلي في تاريخنا؛ تاريخ الذات الفردية والجماعية وتاريخ الثورة والنظم السياسية التي مرت على اليمن والوحدة والحروب وكل ما أفضى بناء إلى هذا الحال والمآل.
حينما تعجز النخب السياسية عن تأسيس المؤسسة الوطنية العامة أي الدولة العادلة ( مؤسسة المؤسسات كلها ) بحسب اكتون المؤسسة الجامعة التي تحفظ حياة الناس وتصون حقوقهم وكرامتهم في نظام وطني دستوري جمهوري عادل ومستقر ؛ تزدهر المشاعل والمشاعر والشعارات الرومانسية الحالمة بذكراها تعبيرا عن العزاء والسلوى بفقدها. فمن لم يجد في الواقع الحاضر الفوري المباشر ما يشبعه ويرويه ويكفيه يضطر مجبرا إلى الحلم تعويضا استيهاميا عن الإنجاز التاريخي الذي لم يتحقق وذلك هو حال معظم اليمنيين مع وفاة رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية التي كانت دولة سيدة في عدن الجنوبية علي سالم البيض نائب رئيس الجمهورية اليمنية التي أعلنت في ٢٢ مايو ١٩٩٠م لاحظت موجة عاصفة من مشاعر العزاء والتعزية للمناضل الوحدي المبدئي الوطني الذي تم الغدر. رحمة الله عليه وعظم الله أجركم.
الأشخاص يأتون ويذهبون والمؤسسات وحدها هي التي تدوم كما إن المشاعر والانفعالات هي بنت لحظتها ويومها مثل الغيوم العابرة في صيف قائض. ومنه العوض وعليه العوض. والناس هم الذين يقومون بتشكيل مؤسساتهم العامة ثم تقوم هي بتشكيلهم فكيفما كانت مؤسساتهم يكونون ولا سحر في التاريخ ولا مصادفة في الطبيعة. لا الأخلاق ولا المواعظ ولا التقوى ولا الدين ولا الثقافة ولا الحب ولا الانتماء ولا النوايا الطيبة يمكنها أن تصنع الدولة بوصفها المؤسسة التي تحمي وتحفظ جميع مواطنيها بقدر متساوي بالقيمة والاهمية والإعتبار. النظام والانضباط المنشود هو ابن الدولة الذي يجب إن يكون فيها القانون بلا قلب ولا عيون! سيد الجمع بلا استثناء. ولا وحدة ولا اتحاد ولا اجتماع ولا اندماج بدون مؤسسة دستورية قانونية جامعة وعادلة ومستقرة إلا في قلوب القوى الناعمة فقط التي لم تستوعب بعد حقيقة الكارثة التي حلت بصنعاء العاصمة. والناس بدون قانون ومؤسسات وعيونهم الى الأرض أشد فوضى وانحطاط من الحيونات. والأشخاص يأتون ويذهبون بينما المؤسسات هي وحدها التي يمكنها أن تدوم إذا وجدت من يتعهدها بالحفظ والحماية والصون والتنمية. أن بناء وتأسيس الدول لا يقوم ولا يدوم إلا على أساس قوة الحق؛ حق كل مواطن في أرضه ووطنه بغض النظر عن مواقفه واتجاهاته السياسية والأيديولوجية، والدين لله والوطن للجميع! وسبب خراب اليمن يكمن في أن النخب السياسية الغبية جعلت من حق القوة قاعدتها الاساسية، إذ أن كل من استولى على السلطة أقصى الآخرين منذ ١٩٦٢ في صنعاء منذ ١٩٦٧ في عدن بنِسَب متفاوتة من العنف والقسوة والإقصاء والتهميش إلى أن جاء من يقصي جميع الإقصائيين، جاء من غياهب التاريخ وأعلن نفسه (مالك اليمن) وما عليها تحت رأية طائفية من خارج التاريخ،. اسمها ( أنصار الله) والحق اللهي والبطنيين والمسيرة القرآنية والصرخة الإيرانية….
منشور برس موقع اخباري حر