الكاتب / الدكتور علي عفيفي الاهدل ..
ليست القضيّةُ التهاميّةُ شعارًا عابرًا، ولا خطابًا انفعاليًّا يُستَحضَرُ عند الأزمات، بل هي في جوهرها امتحانُ العدلِ في إدارةِ الوطن، ومعيارُ الإ نصافِ في توزيعِ الثروةِ وممارسةِ السُّلطة. إنّها قضيّةُ أرضٍ أثقلت الوطنَ بخيراتها، ثم حُمِّلَت وحدها أوزارَ التهميش، فغدت العدالةُ فيها ضرورةً أخلاقيّةً قبل أن تكون مطلبًا سياسيًّا.
تهامةُ ليست هامشًا في الجغرافيا، بل ركيزةٌ في الاقتصاد؛ سَلَّةُ الغذاءِ لعمومِ الجمهوريّة، وبوّابةُ البحر، ومفصلُ الموانئ، ومجالُ الإنتاجِ الزراعيّ والسمكيّ. وحين تكون الأرضُ بهذا الثقل، فإنّ إخراجَها من معادلةِ القرار، أو إدارةَ ثرواتها من خارجها، خللٌ بنيويٌّ يُناقض منطقَ الدولة العادلة.
فالعدالةُ تقتضي أن تُدارَ الثروةُ بمن يعرفها، وأن تُمسكَ السُّلطةُ بأيدٍ نبتت من ترابِ الأرض، لا بعقولٍ ترى المكانَ رقمًا في دفاتر النفوذ. أبناءُ تهامةَ أدرى بأرضهم، وأصدقُ في حراسةِ خبزها وموانئها، لأنّ نجاحَها من نجاحهم، وخسارتَها خسارتُهم. ومن هنا، فإنّ تمكينَهم من إدارة شؤونهم ليس امتيازًا، بل تصحيحٌ لمسارٍ مختلّ.
والقضيّةُ التهاميّةُ، في هذا السياق، ليست دعوةَ انفصالٍ ولا تمرّد، بل مطالبةٌ صريحةٌ بالشراكة العادلة في القرار، وبتوازنٍ حقيقيّ بين المركز والأطراف. وهي، من حيث المبدأ، قضيّةُ حقٍّ في التمثيل والإدارة، كما هي القضيّةُ الجنوبيّةُ في أصلها: صوتُ أرضٍ يريد أن يُسمَع، لا أن يُستَخدَم.
إنّ تجاهلَ هذه القضيّة لا يُنهيها، بل يُراكم اختلالًا مؤجَّلًا، ويؤسّس لغضبٍ صامت. أمّا الاعترافُ بها، فهو مدخلُ الحكمة، وبوّابةُ الاستقرار، وبدايةُ بناءِ دولةٍ تحمي وحدتَها بالعدل، لا بالقهر، وتُحصِّنُ قرارَها بالشراكة، لا بالوصاية.
تهامةُ لا تطلبُ أكثرَ من حقّها في الثروة التي تنتجها، وفي السُّلطة التي تُدارُ فوق أرضها. لا ترفعُ رايةَ خصومة، ولا تُساومُ على الوطن، بل تنشدُ دولةً ترى في إنصافها قوّةً، لا تهديدًا، وتدركُ أنّ الأوطان لا تستقيمُ إذا اختلّ ميزانُ العدل في أطرافها.
إنّ القضيّةَ التهاميّةَ قضيّةُ عدالةٍ في الثروة، وعدالةٍ في السُّلطة،
وما قام على الحقِّ لا يزول،
ومهما طال الزمن… فإنّها لا تسقط.
منشور برس موقع اخباري حر