الكاتب / بروفيسور / قاسم المحبشي …
موتُ من نعرفهم صادمٌ دائمًا، لكن رحيل بعض الأشخاص يتجاوز حدود الحزن الشخصي ليصبح تجربةً وجودية تُعيد طرح سؤال الموت ذاته. فالموت — على نحوٍ مفارق — يبدو أحيانًا أكثر حضورًا في معنى الحياة من الميلاد نفسه؛ إذ لا يبدأ الإنسان في مساءلة وجوده إلا عندما يفقد آخرين كانوا جزءًا من عالمه.
في حضرة الموت تسقط الانفعالات الصغيرة والخلافات العابرة، ويتعرّى الإنسان من أقنعته الاجتماعية، فنفهم مغزى القول المأثور: «اذكروا محاسن موتاكم». فالموت لا يذكّرنا بنهاية الفرد فقط، بل يكشف هشاشة الحياة نفسها، ويعيد ترتيب سلّم القيم والمشاعر والأفكار داخل وعينا.
بهذه المشاعر المختلطة بين الحزن والفخر بالإنجاز استمعتُ إلى الدكتورة مارينا دي ريخت وهي تحدثني عن رحيل المؤرخ الهولندي Kees Brouwer، تمد لي بمؤلفاته التي تحتفظ بها في مكتبتها العامرة في منزلها الجميل جدا الذي احسسنا صديقي وأنا وكأننا في صنعاء القديمة وهذا ما سوف تكون لنا معه وقفة اخرى. أخبرتني الدكتورة إن الراحل كيس براور يعد أهم الباحثين الأوروبيين في تاريخ اليمن البحري إذ توفي في أمستردام في 18 يناير 2026 بعد حياة علمية طويلة وحافلة بالعطاء. وُلد براور في أمستردام في 9 أكتوبر 1936، وكرّس مسيرته الأكاديمية لدراسة تاريخ البحر الأحمر والمحيط الهندي، مركزًا بصورة خاصة على ميناء المخا ودوره في الاقتصاد العالمي خلال العصر الحديث المبكر.
ينتمي مشروعه العلمي إلى ذلك التحول المنهجي الذي عرفته الكتابة التاريخية في العقود الأخيرة، حيث لم يعد التاريخ يُقرأ بوصفه سردًا سياسيًا محليًا، بل بوصفه شبكة من العلاقات العابرة للقارات. ولهذا جاءت أعماله محاولة لإعادة إدراج اليمن في خريطة التاريخ العالمي، لا كأطراف هامشية، بل كعقدة مركزية في حركة التجارة والثقافة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
من أبرز مؤلفاته:
• «العلاقات الهولندية-اليمنية 1600–1900» (1994)، وهو عمل تناول التفاعل التجاري والسياسي بين اليمن والجمهورية الهولندية، مقدمًا قراءة مزدوجة من منظورين أوروبي ويمني.
• «وثائق هولندية عن اليمن في القرن السابع عشر» (1997)، وهو كتاب جمع وترجم مصادر أرشيفية نادرة تتناول مدنًا يمنية متعددة مثل المخا وعدن وصنعاء وتعز والشحر، وأسهم في إتاحة مادة تاريخية أولية للباحثين العرب.
• «المخا: صورة لميناء يمني كما رسمها موظفو شركة الهند الشرقية الهولندية (1614–1640)» (1998)، وهو عمل يُعد من أهم الدراسات الحديثة عن تاريخ الموانئ اليمنية، حيث كشف من خلال الوثائق التجارية كيف تحولت المخا إلى مركز عالمي لتبادل السلع والأفكار واللغات.
تكمن أهمية هذه الأعمال في أنها تجاوزت التاريخ الوطني الضيق نحو ما يُعرف اليوم بـ«التاريخ العالمي» و«التاريخ الجديد»؛ أي التاريخ الذي يدرس حركة البشر والسلع والمعرفة عبر البحار، ويرى في الموانئ نقاط التقاء الحضارات لا مجرد حدود جغرافية. فالمخا، في قراءة براور، لم تكن ميناءً لتصدير البن فحسب، بل فضاءً عالميًا التقت فيه لغات متعددة وشبكات تجارية امتدت من الهند والبنغال إلى مصر وشمال أفريقيا وأوروبا.
وهنا يلتقي التاريخ بالموت على نحوٍ رمزي: فالمؤرخ، في جوهر عمله، يقاوم الفناء بطريقته الخاصة. إنه يمنح الماضي حياة ثانية، ويعيد إلى الذاكرة أصواتًا وأماكن كادت تختفي. ولعل هذا ما يجعل رحيل المؤرخ حدثًا مزدوجًا؛ نهاية حياة فردية، واستمرارًا لحياةٍ أخرى داخل المعرفة التي تركها.
رحل كيس براور، لكن أعماله تبقى شاهدًا على أن التاريخ ليس مجرد سجلٍّ لما انتهى، بل هو شكل من أشكال مقاومة النسيان. فكما بحث جلجامش عن معنى الحياة في مواجهة الموت، بحث المؤرخون — ومنهم براور — عن معنى الإنسان في حركة التاريخ، حيث تتحول المدن الصغيرة مثل المخا إلى مفاتيح لفهم العالم بأسره وبذلك يعد مشروعه في دراسة البحر الأحمر واليمن من أهم المساهمات المعاصرة في إعادة رسم خريطة التاريخ العالمي، إذ لم يكتفِ بتحليل الأرشيف الاستعماري لشركة الهند الشرقية الهولندية كمصدر للأحداث، بل أعاد توظيفه بوصفه نافذة على حركة اقتصادية وثقافية عالمية طويلة المدى. من خلال هذا العمل، أُعيد إدخال المخا واليمن في قلب التاريخ البحري، كعقدة محورية ضمن شبكة عالمية من التبادل التجاري والحضاري، حيث تتقاطع الإمبراطوريات الأوروبية والآسيوية والعربية. بهذا، ينهض مشروع براور بمهمة مشابهة لتلك التي قام بها فرنان بروديل للبحر الأبيض المتوسط: الانتقال من سرد الأحداث إلى تحليل البنى التاريخية والأنظمة الاقتصادية والثقافية التي تشكّل التاريخ في أفق طويل المدى. ويكشف مشروعه كذلك عن دور البحر كفاعل تاريخي صامت، يفرض إيقاعه على التجارة والسياسة والثقافة، ويحوّل الرأسمالية المبكرة من ظاهرة أوروبية محلية إلى نظام بحري عالمي تشارك في بنائه مجتمعات متعددة. إن براور بذلك لا يعيد كتابة التاريخ المحلي فحسب، بل يعيد تصور التاريخ العالمي نفسه من منظور بحري، متعدد الإيقاعات ومتقاطع الثقافات، مؤكدًا أن التاريخ ليس مجرد مسار خطي للأحداث، بل شبكة حية من التفاعلات والتحولات التي تشكل عالمنا الحديث…
منشور برس موقع اخباري حر