ضع اعلانك هنا

من أم الدنيا إلى أم الإنسانية وصلتني هدية …

الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي…

من القاهرة إلى أمستردام، يتنقّل الكتاب الورقي اليوم كما لو كان كائنًا حيًّا، يمشي على قدمين من محبةٍ وذاكرة، ويعبر الحدود لا بوصفه سلعةً ثقافية فحسب، بل بوصفه “حدثًا” إنسانيًا كامل الدلالة في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وحين يتهاداه أشخاص من ثقافات ولغات مختلفة، في “أم الدنيا” التي بزغ فيها فجر الضمير الإنساني—على حد عبارة المؤرخ الأمريكي جيمس هنري برستد—فذلك يفيض بألف معنى ومعنى. وقد زاد هذا المعنى بهاءً حين وجدتُ كتابي في مكتبة الدكتورة مارينا دي ريخت: (مقاربات نقدية في فلسفة العلوم والتربية) بمقدمة المفكر العراقي الكبير بروفيسور طه جزّاع متعه الله بالصحة والعافية، وإلى جواره “مجموعة شعور سنة” لحفيدتي الأديبة الواعدة هبة مسعد الحيدري الخارجة لتوّها من المطبعة؛ وما أجمل الثقافة حين يتهادَى المثقفون أغلى منجزاتهم، إذ لا تبقى لنا في أزمنة الضيق والمحن إلا الثقافة حيلةً كبرى للنجاة من العتمة، ووسيلةً لتأجيل اليأس، وصيانة المعنى من الانطفاء.

ومن هذا المناخ ذاته وصلني من القاهرة كتاب (في الثقافة الإفرويمنية) للباحثين الأستاذ الدكتور نزار غانم والأستاذ محمد سبأ؛ كتابٌ يشتغل على منطقة تماسّ حضارية ظلت تتشكل قرونًا على ضفتي البحر الأحمر والمحيط الهندي: تماسٌّ لا يختزل اليمن في “صفاء” متخيَّل، ولا يذيب أفريقيا في “ظلٍّ” تابع، بل يفتح أفقًا معرفيًا يرى الهوية بوصفها تاريخًا حيًا من الحركة والتبادل والتداخل، ويضع الفنون والطقوس والعادات في قلب السردية التاريخية بوصفها وثائق لا تقل شأنًا عن وثائق السياسة والحرب. يبدأ الكتاب ببحثين للدكتور نزار غانم حول التراث غير المادي، فيستند إلى مدخل تاريخي يؤطر العلاقة القوية التي تربط أفريقيا باليمن، ثم يمضي إلى الآلات الموسيقية والأغاني والرقصات الشعبية التي تبرز أوجه التشابه بين الثقافتين، ويضيف—مستفيدًا من تخصصه الطبي—مدخلًا لافتًا عبر الحديث عن علم الجينوم بما يعضد وجود بعض الأصول الإفريقية لسكان بعض المدن الساحلية اليمنية. ثم يتطرق الأستاذ محمد سبأ في أربعة مباحث إلى التراث المادي وغير المادي معًا: ملابس وحناء وتقاليد أعراس، وإشارات إلى العلاقة الحضارية المصرية منذ عهد حتشبسوت ببلاد بونت واليمن وأفريقيا، ورؤية فنية-بحثية للشواهد المرئية، مثل “الجنبية” التي يراها على خصر ملك بلاد بونت، وتشابه تصميم البيوت في اليمن مع بعض الطرز المعمارية في بلاد المغرب العربي، بما يؤكد التواصل الحضاري وتبادلية التأثير والتأثر بين الحياة في اليمن وعدد من الدول الإفريقية. ومع أن هذه النتائج قد تتفاوت درجات يقينها بحسب طبيعة الشاهد وطريقة الاستدلال، إلا أن قوة الكتاب—كما بدا لي من بنيته—أنه لا يكتب على مزاج “الانطباع” ولا يسقط في تعصبٍ أو ادعاءٍ سهل، بل يسند أطروحته إلى صور ومراجع أكاديمية ودلالات تراثية، ويقدم نفسه بوصفه توثيقًا منهجيًا للعادات والتقاليد والفنون والأزياء، في مواجهة محاولات الطمس وسط سيول العولمة الهادرة، وفي مواجهة تيارات مغلقة تحاول النيل من هوية المجتمعات عبر تجفيف منابع الفن وتغريب الذاكرة الجمعية. ومن هنا يكتسب الكتاب بعدًا تنويريًا واضحًا: الإيمان بالفنون كقوة ناعمة، وبالتعددية وقبول الآخر—ذلك الآخر الذي مهما اختلفنا معه أو فصلتنا عنه الحدود الجغرافية تبقى هناك أواصر مشتركة تدفعنا نحو المحبة والإخاء والسلام.

ولكي يكون استقبال هذا الكتاب قراءةً لا احتفالًا فقط، تداعت إلى ذهني تلك الفكرة القديمة التي قلما نلتفت إليها في زحمة اليوميّ: كثيرة هي الأشياء والأفعال التي نمارسها في حياتنا دون أن نتوقف عندها بالسؤال والتأمل في معناها؛ الشعائر والطقوس والعبادات والعادات والتقاليد والفنون الأدائية، ومنها الرقص والبرع والموسيقى والغناء، والأفراح والأتراح… نحن نعيشها بوصفها ممارسة بديهية، “هابيتوس” بالمعنى البورديوي؛ ذلك المركب من العادات والمواقف والقيم والميول التي تتشكل فينا عبر النشأة والتجربة، وحين يتكرر السلوك الاجتماعي يصير عادة، وحين تترسخ العادة تصير ثقافة، وإذا تكيف الناس مع الثقافة واندمجوا في بنيتها تحولت إلى عطالةٍ تقاوم كل تغيير وتجديد. لكن الإنسان—كما يذكرنا هايدغر—هو الكائن الوحيد الذي يقلق بحثًا عن المعنى؛ الكائنات الأخرى تحضر في العالم ولا تسأل عن معنى حضورها، أما الوجود الإنساني (الدزاين) فهو القادر على التفكير في معنى وجوده، والتمييز بين الوجود المبتذل الذي يختزل الإنسان إلى رقم قابل للتبديل (das Man) والوجود الأصيل الذي لا يُنال إلا عبر القلق، ذلك القلق الذي يزيح الغطاء عن حياتنا المعتادة ويجعلنا نرى ما نمارسه كل يوم وكأنه يُرى للمرة الأولى. وبهذا نفهم نصيحة روسو حين قال إن أكثر الأشياء حميمية بالنسبة لنا هي أكثرها بعدًا عن فهمنا، وإن الحاجة إلى الفلسفة هي الحاجة إلى رؤية اليوميّ الذي نسكنه دون أن نفهمه.

ومن هنا، فإن “قراءة” كتاب (في الثقافة الإفرويمنية) ليست استعراضًا لمعلومات عن الرقصات والآلات والأزياء فحسب، بل هي تدريب على النظر إلى الثقافة باعتبارها معنىً متجسدًا: معنى يتحرك في الجسد قبل أن يستقر في العبارة، ويتكرر حتى يغدو بداهة، ثم لا نكاد نرى جذوره، ولا طرق عبوره، ولا شبكات تبادله. ما الذي يفعله البحر الأحمر بوصفه “جغرافيا”؟ وما الذي يصنعه بوصفه “زمنًا”؟ وكيف تتحول الموانئ إلى معامل لصناعة الهويات المختلطة؟ وكيف تستقر الأصداء الإفريقية في مدنٍ يمنية ساحلية حتى لا تعود غريبة، بل تصير جزءًا من التراث المحلي نفسه؟ هذه الأسئلة—وإن جاءت بألف صيغة—هي روح الكتاب، وهي أيضًا روح ما أسميته ذات يوم: “أفريقيا واليمن جوار جغرافي وتلاقح فني وثقافي”.

وأنا أعرف الرقص منذ طفولتي الباكرة. كانت تشدني الديوك الحميرية، من أجمل الرقصات الشعبية اليمنية وأصعبها؛ رقصة ذكورية شاقة لا يجيدها إلا من خضع لمسار طويل من التأهيل والتدريب، تحتاج إلى لياقة جسدية وذائقة موسيقية مرهفة للتمييز بين الإيقاع والكلمة وتنغيم الناي وتناسق القدمين مع الضربات والانتقالات الرشيقة بين التوازي والتقابل واللف والدوران والتبطيء والتسريع بما يوافق تنويعات اللحن. كنا نحاول محاكاة الرجال وتقليدهم بتشجيع من الأهل، وقلما نجحنا لصعوبتها وطبيعتها المعقدة التي تعكس قسوة شروط الحياة في تلك الأزمنة. وكانت—في عمقها الاجتماعي—وسيلة فنية ثقافية لهندسة الهوية الذكورية وترسيخها ضمن نظام تمييز جندري صارم. ولئن بدت المرأة غائبة عن المشهد، فهي حاضرة حضورًا رمزيًا في الأغاني والحلم والتمني والغزل العفيف، وحين تجيء فرصة مشاهدة الرقصات النسائية في أفراح التزاوج تبدو وكأنها الفتحة الوحيدة على الفرح والترفيه، ثم تأتي الخدمة العسكرية الإجبارية وليالي القمر التي كنا نغتنمها للغناء والرقص، فأتعرف على أنواع الرقص الشعبي بمسمياته المختلفة: اللحجي والحضرمي والعدني والصنعاني والقبائلي والصوفي والعسكري… وتلك التجارب، من حيث لا أشعر، منحتني بعض “الرأسمال الثقافي الرمزي” الذي يجعل الرقص جزءًا من برستيج اجتماعي تكميلي، تمامًا كما يرى بورديو أن المنتجات الثقافية—ومنها الرقص—محصلة لعلاقات تاريخية مرتبطة ببناء القوة وامتلاك أشكال من رأس المال الاجتماعي أو الثقافي أو الرمزي أو الجسدي، وأن “حقل الرقص” مجالٌ تتجسد فيه عمليات التمايز الطبقي والاجتماعي على نحو واعٍ أو غير واعٍ.

لكنني، مثل كثير من الناس، كنت أعرف الرقص وأمارسه دون أن أتوقف طويلًا عند السؤال: لماذا يرقص الناس؟ والسؤال العلمي النافذ في الظواهر الإنسانية ليس ماذا يفعل الناس أو يقولون، بل لماذا يفعلون ويقولون ويعتقدون كما يفعلون. وحين تتسع عين المرء بفلسفة التاريخ والحضارة يكتشف أن تاريخ الإنسان ليس فقط تاريخ دول وملوك ومعارك، بل تاريخ حياةٍ كاملة: اقتصاد واجتماع وذائقة ولباس واحتفال وحزن وطقس وفن. ومن هنا تأتي مدرسة التاريخ الجديد (La Nouvelle Histoire) وما تفرع عنها في مدرسة الحوليات (Annales) التي حررت كتابة التاريخ من ضيق السرد السياسي والعسكري، ودعت إلى شمولية تلتقط كل ما في الإنسان وله علاقة بالإنسان: اللغة، العلامات، نظم الحقول، الأساور والقلائد، وأن تكون الوثيقة ليست ورقًا فقط بل كل أثرٍ إنساني قابل للقراءة. وحين نتذكر الأزمنة الثلاث عند بروديل—الزمن الجغرافي، والزمن الاجتماعي، والزمن الحدثي—نفهم لماذا يحق لنا أن نقرأ البحر الأحمر نفسه كشخصية تاريخية، وأن نقرأ المدن الساحلية اليمنية بوصفها موضعًا تتراكم فيه الأزمنة الطويلة عبر التجارة والهجرة والحروب والاستعمار وتبدلات الاقتصاد وتبدلات الذائقة.

وفي هذا السياق يتعين أن نضع مشروعًا معرفيًا آخر يُضيء الخلفية الكبرى التي يتحرك فيها هذا النمط من الكتابة التاريخية: ذلك التحول المنهجي الذي عرفته الكتابة التاريخية في العقود الأخيرة، حيث لم يعد التاريخ يُقرأ بوصفه سردًا سياسيًا محليًا، بل بوصفه شبكة من العلاقات العابرة للقارات. لقد صار التاريخ—في هذا الأفق—تاريخًا عالميًا جديدًا، تتقدم فيه حركة البشر والسلع والمعرفة عبر البحار على حدود الدول، وتغدو فيه الموانئ عقدًا مركزية لا هوامش بعيدة. وضمن هذا التحول، جاءت أعمال الباحث الهولندي رودولف براور محاولة لإعادة إدراج اليمن في خريطة التاريخ العالمي، لا كأطراف هامشية، بل كعقدة مركزية في حركة التجارة والثقافة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، بما يجعل من البحر الأحمر والمحيط الهندي مسرحًا لتشكّل العالم الحديث، لا مجرد جغرافيا مائية صامتة.

فمن أبرز مؤلفاته «العلاقات الهولندية-اليمنية 1600–1900» (1994)، وهو عمل تناول التفاعل التجاري والسياسي بين اليمن والجمهورية الهولندية، مقدمًا قراءة مزدوجة تتناوب فيها زاويتان: أوروبية ويمنية، بحيث لا يعود اليمن موضوعًا للخطاب الأوروبي وحده، بل شريكًا تاريخيًا يُقرأ من داخله كما يُقرأ من خارجه. ثم جاء «وثائق هولندية عن اليمن في القرن السابع عشر» (1997)، فجمع وترجم مصادر أرشيفية نادرة تتناول مدنًا يمنية متعددة مثل المخا وعدن وصنعاء وتعز والشحر، وأسهم بذلك في إتاحة مادة تاريخية أولية للباحثين العرب، وإعادة وصل السرديات المحلية بأرشيفات بحرية كانت حبيسة اللغة والمؤسسات. أما «المخا: صورة لميناء يمني كما رسمها موظفو شركة الهند الشرقية الهولندية (1614–1640)» (1998)، فيُعد من أهم الدراسات الحديثة عن تاريخ الموانئ اليمنية، إذ كشف من خلال الوثائق التجارية كيف تحولت المخا إلى مركز عالمي لتبادل السلع والأفكار واللغات، وكيف كانت الموانئ—في زمن الرأسمالية المبكرة—مقاطع طرق للثقافة قبل أن تكون منافذ للبضاعة.

وتكمن أهمية هذه الأعمال في أنها تجاوزت التاريخ الوطني الضيق نحو ما يُعرف اليوم بـ«التاريخ العالمي» و«التاريخ الجديد»؛ أي التاريخ الذي يدرس حركة البشر والسلع والمعرفة عبر البحار، ويرى في الموانئ نقاط التقاء الحضارات لا مجرد حدود جغرافية. فالمخا، في قراءة براور، لم تكن ميناءً لتصدير البن فحسب، بل فضاءً عالميًا التقت فيه لغات متعددة وشبكات تجارية امتدت من الهند والبنغال إلى مصر وشمال أفريقيا وأوروبا. وهو في ذلك لم يكتفِ بتحليل الأرشيف الاستعماري لشركة الهند الشرقية الهولندية بوصفه مصدرًا للأحداث، بل أعاد توظيفه بوصفه نافذة على حركة اقتصادية وثقافية عالمية طويلة المدى، تُعيد إدخال المخا واليمن في قلب التاريخ البحري، كعقدة محورية ضمن شبكة عالمية من التبادل التجاري والحضاري حيث تتقاطع الإمبراطوريات الأوروبية والآسيوية والعربية.

ومن اللافت أن مشروع براور ينهض بمهمة مشابهة—على مستوى البحر—لتلك التي قام بها فرنان بروديل للبحر الأبيض المتوسط: الانتقال من سرد الأحداث إلى تحليل البنى التاريخية والأنظمة الاقتصادية والثقافية التي تشكّل التاريخ في أفق طويل المدى. فالبحر هنا لا يعود خلفيةً محايدة، بل “فاعلًا تاريخيًا صامتًا” يفرض إيقاعه على التجارة والسياسة والثقافة، ويحوّل الرأسمالية المبكرة من ظاهرة أوروبية محلية إلى نظام بحري عالمي تشارك في بنائه مجتمعات متعددة. بهذا المعنى لا يعيد براور كتابة التاريخ المحلي فحسب، بل يعيد تصور التاريخ العالمي نفسه من منظور بحري متعدد الإيقاعات ومتقاطع الثقافات، مؤكدًا أن التاريخ ليس مجرد مسار خطي للأحداث، بل شبكة حية من التفاعلات والتحولات التي تشكل عالمنا الحديث.

بهذا المعنى أيضًا يتبدّى كتاب (في الثقافة الإفرويمنية) امتدادًا طبيعيًا لما يمكن تسميته—بحق—“المشروع السوماني” الذي أسسه الدكتور نزار غانم في كتابه (جسر الوجدان بين اليمن والسودان). فذلك الكتاب لم يكن توثيقًا لوشائج اليمن والسودان وحسب، بل كان إعلانًا ضمنيًا عن منهجٍ يكتب “تاريخ الوجدان” لا تاريخ الوقائع وحدها؛ يكتب تاريخ البحر الأحمر بوصفه حقلًا للتبادل الثقافي والرمزي، ويستخرج من الأغنية والرقصة والمفردة والطقس مادةً تاريخيةً صلبة. وقد أدهشني يومها—ولا يزال العجب قائمًا—كيف لأستاذ طب أن يستلهم روح التاريخ الجديد بهذه الكفاءة، دون أن يلوّح بما يثبت اتصالًا مباشرًا بمدرسة الحوليات، وكأن المنهج يصل أحيانًا إلى الباحث المخلص عبر حسه العلمي ونزاهته وفضوله لا عبر الشعارات. ومن هنا أفهم (في الثقافة الإفرويمنية) بوصفه حلقةً جديدة في هذا المسار: نقل بؤرة الضوء من “السودان واليمن” إلى “أفريقيا واليمن” في أفق أوسع، وتثبيت الفنون—خاصة الفنون الأدائية—كنافذة لفهم التاريخ الاجتماعي للمدن الساحلية اليمنية.

ولعل الرقص الشعبي، بوصفه أحد أقدم عناصر الفولكلور، هو المدخل الأخصب لهذا النوع من التاريخ. لقد مثّل كتاب Anya Peterson Royce (Anthropology of Dance, 1977) منعطفًا في تحليل الرقص أنثروبولوجيًا حين أكد أن الرقص لا يفهم مستقلًا عن البنية الثقافية التي يوجد فيها، وأن تشابه الحركات بين ثقافتين لا يعني التطابق في الدلالة؛ فالدلالة تُصنع محليًا داخل الشبكات الاجتماعية والرمزية. والرقص في جوهره متواليات حركية وإيقاعية غير لفظية منتظمة هادفة، تختلف عن الأنشطة البدنية العادية، وتملك حمولة رمزية عميقة، وهو لغة الجسد الأولى وأقدم الفنون في تاريخ الحضارة البشرية؛ لا شيء يمنح الإنسان إحساسًا بالحرية كالرقص، ولا وسيلة أجود من الفرح لمقاومة الضيق واليأس والموت. وحين تظل رقصة الديوك، بكل صعوبتها، مشتهاة حتى في المنافي والشتات، فذلك يذكرنا بأن الثقافة هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء، وأن الجسد يحمل ذاكرته كما يحمل الاسم وطنه.

ومن أفريقيا إلى اليمن تتضح هذه الحقيقة بأشد صورها. فأفريقيا بحق مهد الرقص والحياة، حيث ترتبط الفنون والرقص والموسيقى بروح الحياة اليومية، وحيث الرقص ليس مجرد ترفيه بل جزء من الاجتماع والروح والطقس والمناسبة، وتكاد الإيقاعات الأفريقية—بما فيها من طبول وأدوات إيقاع—تكون سردياتٍ مكتوبة على الهواء. وإذا كانت بعض التقاليد ترى حتى الموت مناسبةً للرقص، فذلك لأن دورة الحياة عند كثير من المجتمعات الأفريقية تُقرأ بوصفها انتقالًا إلى عالم السلف لا فناءً عبثيًا؛ وهذه النظرة تمنح الفن وظيفةً أخلاقية في ترميم الفقد لا مجرد زخرفة للفرح.

وعلى الضفة الأخرى، كانت المدن الساحلية اليمنية—عدن والحديدة والمخا والشحر والمكلا وغيرها—مراكز تفاعلت تاريخيًا مع موجات بشرية وثقافية عبر التجارة البحرية والهجرة والاستقرار، بل وعبر اقتصاديات قاسية مثل تجارة الرقيق التي استمرت حتى العصر الحديث ثم خفّت تدريجيًا في القرن العشرين، وما يصاحب ذلك من تعقيدات اجتماعية وطبقية ونوعية. ومن الطبيعي أن تكون السواحل جسرًا تمر عبره المؤثرات الفنية في الاتجاهين معًا: موسيقى ورقص وغناء وطقوس وعادات. ومن هذا الباب يمكن قراءة كثير من الرقصات والآلات والأنماط الإيقاعية التي انتقلت إلى المدن الساحلية اليمنية بحكم القرب الجغرافي واحتكاك الموانئ، حتى صار بعض الوافد جزءًا من المحلي، وصار بعض المحلي يحمل أثر الوافد دون أن يشعر أهله.

وقد كان من اللافت—في ما عرضه الدكتور نزار غانم ضمن أعماله وبحسب ما أشرتُ إليه سابقًا—تتبُّعُ مصادر التأثير الأفريقي بعين الباحث الأنثروبولوجي، واستناده إلى مراجع عربية وأجنبية متعددة، من مؤرخين ورحالة ومستشرقين وباحثين يمنيين تناولوا فئات اجتماعية، وفنونًا شعبية، وطقوسًا مثل الزار، وأثر الإيقاع النوبي، وأصول “الطنبرة” وغيرها. هذه المقاربة، حين تُقرأ بعين التاريخ الجديد، لا تعني جمع الأسماء فقط، بل تعني أن الفن يصبح دليلًا على حركة الناس، وعلى طبقات التبادل، وعلى طرق عبور الرموز. ومن الرقصات التي تظهر في هذا الأفق “اليوا” المنسوبة إلى قبيلة اللو الكينية في مومباسا بوصفها رقصة شهيرة في عدن، و“البامبيلا” في الشحر والمكلا، و“الدحيف” في شُقرة أبين، و“الحجور/شرح الصبيان” في حضرموت، و“الدربوكة” وغيرها من الرقصات الساحلية التي تتعدد بتعدد الجغرافيا اليمنية نفسها؛ فكما أن لليمن جبالًا وسهولًا وسواحل وصحارى، فلها أيضًا أجسادٌ ترقص على مقامات مختلفة: رقصة أهل الجبل تميل إلى صورة المحاربين والفرسان بإيقاع محتشد وحركة حادة، بينما بيئة الساحل تميل إلى الألفة والدعة والحركة البطيئة الغنائية المتماشية مع إيقاع الفرح والبساطة والغرام، وبينهما تنوع داخلي يجعل كل منطقة تُعرف برقصة كأن الرقص بطاقة هوية ثانية.

وإذا أردنا أن نُحكِم المعنى في هذا كله، أمكن القول إن الكتاب الذي وصل من القاهرة، وما أثاره فيّ من تأمل، يتجاوز مجرد سرد “أوجه تشابه” بين اليمن وأفريقيا؛ إنه يستأنف مشروعًا معرفيًا يرى في البحر الأحمر والمحيط الهندي فضاءً لصناعة المعنى عبر الفنون، ويرى في الرقص والموسيقى والأزياء والعمارة والطقوس “أرشيفًا” حيًا للذاكرة المشتركة. وفي هذا السياق بالذات تتجلى قيمة “المشروع السوماني” عند نزار غانم: تحويل الوجدان إلى مادة بحث، وتحويل الفن إلى وثيقة، وتحويل الجسر—بين اليمن والسودان أولًا ثم بين اليمن وأفريقيا أوسع—إلى منهج في التفكير لا إلى استعارة إنشائية. فالثقافة هنا ليست ترفًا، بل مقاومة ناعمة ضد محو الهوية، وضد قسوة اليوميّ التي تجعل الإنسان يعيش ولا “يوجد”، وضد النزعات التي تخاف الاختلاف فتجرّم الفرح وتستعدي الإيقاع. وإذا كان الوجود الأصيل—هايدغريًا—يُنال عبر القلق الذي يكشف الحقيقة، فإن الفن، في أزمنة الضيق، قد يكون أحد أشكال هذا الكشف: يفتح نافذة للروح كي تتنفس، ويعلّمنا أن الآخر ليس تهديدًا، بل مرآة بعيدة لشيءٍ فينا، وأن المشترك الإنساني أوسع من الحدود، وأعمق من السياسة، وأبقى من الضجيج العابر…

ضع اعلانك هنا