الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي …
بدعوة كريمة من مؤسسة بلاد الرافدين (ميزوبوتاميا ) ورئيسها الأستاذ محمد الأمين الكرخي وبالتعاون مع مؤسسة أوراسيا ومؤسسة West Den Haag الهولندية ذهبت يوم الخميس الموافق 5 مارس إلى مدينة دنهاخ التي أحبها وذلك للمشاركة في المهرجان الدولي للمرأة والسينما. ثمة سر يجذبني إليها
دنهاخ( لاهاي) إذ هي من المدن التي تمنيت زيارتها منذ زمن طويل لما يثره اسمها من صور وأخيلة حميمة في ذهني تتصل بمعاني الفلسفة الشريدة؛ فهي المدينة التي احتضنت الفيلسوف باروخ إسبينوزا 1632 و 1677 بعد قرار فصله من الطائفة اليهودية في أمستردام حيث جاء في مرسوم الحرمان الكنسي الذي اصدره المجتمع اليهودي، المسمى بـ”חרם” أو “herem” ما يلي “اللعنة عليه، اللعنة عليه في الصباح والمساء، اللعنة عليه في دخوله وخروجه، اللعنة عليه إلى الأبد، فليمسح اسمه من هذا العالم، وليجعل الإله منه معزولا عن اليهود، ولينزل عليه كل اللعنات.. وأنتم الذين تعلمون الإله وتعرفونه، اعلموا أنه يحرم عليكم أيّ علاقة به، لا كتابية ولا كلامية، لا يقدم له أحد خدمة ولا يقترب منه أحد أكثر من أربعة أمتار، لا يجالسه ولا يكون معه تحت نفس السقيفة، ولا أحد يقرأ كتاباته”
ذلك المرسوم البالغ القسوة والوحشة والإظلام الصادر من حاخامات يهود أمستردام عام 1670م يعد وصمة عار في وجه اللاهوت اليهودي، هو الذي دفع الفيلسوف إلى البحث عن ملجأ آمنا في دنهاخ وهي ذات المدينة التي لجاء اليها الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت ت 1650 وفيها يوجد مقر محكمة العدل الدولية وفيها أهم المنظمات الحقوقية والمدنية الدولية واشياء واشياء كثيرة أخرى تدفعني كل مرة إلى عدم التردد في طلبية الدعوة لزيارتها إذ اشعر في دنهاخ بألفة طيبة وأنسى فيها اغترابي المزدوج.
ومن محاسن الصدفة أنني في تلك الزيارة الأخيرة بصحبة الصديق محمد الأمين وجدتي نفسي بجانب بيت فيلسوف العدالة والحرية وطرق بابه برفق ثلاثة طرقات فقط وأقمت ليلتها بدات الحي الاسبينوزي الاثير. لم أنم ليلتها إذ سرح بي الخيال الى ليلة دخول الفيلسوف مدينة لاهاي في شهر مارس من عام 1670م فكيف واجه تلك البارد البحرية القارسة؟ وكيف عاش وفكر وكتب اهم كتبه على ضوء الشمع قبل اكتشاف الكهرباء بثلاثة قرون من الزمن؟ في ذلك الحي الاسبينوزي امضيت ليلتي بين اليقظة والخيال وعند الفجر نهضت من سريري لكي ارى المدينة قبل إن تتثاءب من نومها فليس هناك ما هو أجمل من المدينة في لحظة صحوها بنهار جديد. كنت مدعوا لإلقاء محاضرة عن صورة المرأة في الدراما في مهرجان لاهاي الدولي. أعددت بمحاضرتي بالاستعانة مع قرأتي السابقة وكتبت محاضرة في خمسة صفحاتي وجعلتها في شرايح توضيحية ( بوربوينت) وفي مؤسسة West Den Haag الثقافية منحتي لي الفرصة لمناقشة مع نخبة من المثقفين والمثقفات والمبدعات والمبدعين من مختلف دول العالم لمدة خمسة عشر دقيقة في مناقشة تفاعلية وتكرمت الشاعرة العراقية المبدعة وئام السوادي في ترجمة الفكرة الرئيسية التي مؤداها التالي:
سيداتي سادتي، الحضور الكريم كل عام وأنتم بخير وسلام واسمحوا لي إن أناقش معكم فكرتي في صورة المرأة في بعض تجارب الدراما الشرقية:
نقف اليوم معكم لنتأمل مشهداً ثقافياً يتجاوز الحدود الجغرافية، مشهداً يتشكل في الوعي الجمعي لمجتمعاتنا عبر شاشة الدراما، حيث تتجلى صورة المرأة في مرآة الفن السابع والدراما التلفزيونية في الشرق. وإذا كان للدراما في منطقتنا قطبان بارزان في التأثير والانتشار، فإننا نتحدث تحديداً عن مصر، التي ظلت لعقود طويلة “أم الدراما العربية” ومركز إشعاعها التاريخي، وعن تركيا التي أصبحت خلال العقدين الأخيرين قوة درامية صاعدة أعادت تشكيل الذائقة البصرية والتمثلات الاجتماعية في البيت الشرقي.
إننا حين نقارن بين التجربتين المصرية والتركية نلحظ بلا شك تطوراً تقنياً هائلاً في أدوات الصناعة الدرامية؛ من حيث الصورة، والإخراج، وبناء السرد البصري. غير أن هذا التطور التقني لم يكن دائماً مصحوباً بتطور مماثل في تمثيل المرأة داخل الحكاية الدرامية. فما تزال كثير من الأعمال، رغم حداثة أدواتها، محكومة بإرث ثقافي عميق من الصور النمطية التي تشكلت عبر قرون طويلة من التاريخ الإنساني.
لقد حُصرت المرأة تاريخياً في وظيفة رمزية يمكن وصفها – إن استعرنا لغة الأنثروبولوجيا الثقافية – بالوظيفة “الترويضية”. ففي ملحمة جلجامش، على سبيل المثال، نرى كيف أُرسلت المرأة الحسناء من قبل عشتار لترويض إنكيدو المتوحش وإدخاله في عالم الحضارة. وتتكرر هذه البنية الرمزية في حكايات ألف ليلة وليلة حين تتحول شهرزاد إلى مروّضة للملك شهريار، حيث يوكل إلى الجسد الأنثوي، أو إلى أنوثته الرمزية، مهمة تهذيب العنف الذكوري وإعادته إلى النظام الاجتماعي. هذه الصورة الميثولوجية القديمة أسست عبر الزمن تصوراً ثقافياً ظل يرافق تمثيل المرأة في الفنون، ومنها السينما والدراما وهكذا ترسخت في المخيال الجمعي صورة الرجل بوصفه “صانع التاريخ” وفاعل الأحداث، بينما ظلت المرأة تدور في فلكه داخل منظومة بطريركية استمرت آلاف السنين حتى بدت وكأنها جزء من النظام الطبيعي للأشياء. وهنا يمكن استحضار مفهوم “الهابيتوس” عند عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، الذي يفسر كيف تتحول أنماط التفكير والسلوك إلى استعدادات مستقرة داخل الوعي الاجتماعي، بحيث يمارسها الناس دون وعي بكونها نتاجاً تاريخياً قابلاً للتغيير. فحين تتجذر تصورات خاطئة حول طبيعة المرأة أو قدراتها العقلية – كما نجد في بعض الموروثات الفلسفية القديمة لدى اليونان، أو في بعض الثنائيات الرمزية مثل أسطورة “الين واليانغ” – فإن هذه التصورات تتحول إلى أنماط ثقافية تعوق التقدم الإنساني.
من هنا يمكننا أن نفهم لماذا لا تزال الدراما الشرقية – سواء في مصر أو تركيا – تتأرجح بين صورتين متناقضتين للمرأة: صورة الضحية المستسلمة أو الجميلة التي تُستهلك بصرياً داخل الحكاية، وصورة أخرى أكثر حداثة تحاول تقديم المرأة كفاعل اجتماعي مستقل. فبين هاتين الصورتين يتشكل الصراع الرمزي داخل الدراما المعاصرة.
وإذا عدنا قليلاً إلى تاريخ السينما نفسها، فإننا نجد أن التكنولوجيا لعبت دوراً حاسماً في نشأتها وتطورها. فقد بدأت السينما كفكرة عرض صامت يعتمد على تتابع الصور بالأبيض والأسود لتكوين قصة، ثم تطورت مع تطور العلم والتكنولوجيا البصرية والسمعية حتى أصبحت أحد أكثر الفنون قدرة على التأثير في الوعي الإنساني. ومع ذلك ظل العنصر السردي – أي القصة – هو الركيزة الأساسية في بناء العمل السينمائي منذ بداياته، وهي ركيزة تعود جذورها إلى التاريخ الحضاري القديم، حيث عرف الإنسان القصة منذ الحضارات الشرقية الأولى بوصفها وسيلة لتفسير الكون والحياة والتعبير عن الخبرة الإنسانية.
ومن هذا المنظور يصبح اللقاء بين السينما والفلسفة لقاءً بين الصورة والمفهوم. فالفلسفة تنتج المفاهيم، بينما تنتج السينما الصور. لكن الصورة السينمائية قادرة على أن تحمل داخلها تحولات الفكر الإنساني، وأن تترجم المفاهيم المجردة إلى خبرة بصرية قابلة للإدراك. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يرى بعض الفلاسفة المعاصرين، مثل جيل دولوز، أن السينما يمكن أن تكون مجالاً خصباً للتفكير الفلسفي، لأنها تفتح أفقاً جديداً لفهم الزمن والذاكرة والحركة من خلال الصورة ومع ذلك ظل هناك جدل طويل حول علاقة الفلسفة بالسينما. فبعض النقاد، متأثرين بالتقليد الأفلاطوني، نظروا إلى السينما باعتبارها فناً ينتج الأوهام والخيالات، أي نسخاً مشوهة من الواقع. بينما رأى آخرون أن التدخل الفلسفي قد يفسد التجربة الجمالية للفيلم إذا حُوّل العمل الفني إلى مجرد وعاء للأفكار المجردة. وقد عبّر الفيلسوف ميرلوبونتي عن هذا القلق حين قال إن الفن ليس “جعبة لعرض الأفكار”، لأن العمل الفني لو كان مجرد فكرة لكان من الأسهل كتابتها في مقال أو كتاب بدلاً من إنفاق كل تلك الجهود التقنية في إنتاج فيلم غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن السينما، على الرغم من كونها فناً جماهيرياً، أصبحت أحد أهم أدوات تشكيل الوعي في العصر الحديث. وخلال إقامتي في مصر لمست بوضوح الأثر الثقافي العميق الذي تركته السينما في الوعي الشعبي؛ فقلما تجد مواطناً مصرياً من جيلي لا يستحضر أسماء نجوم السينما الذين أسهموا في تشكيل الذائقة الثقافية العامة. لقد تحولت السينما، إلى جانب وسائل الإعلام الأخرى، إلى أحد أهم المصادر التي يتلقى منها الإنسان المعاصر معارفه وتصوراته عن العالم.
ومع ثورة المعلومات والاتصالات تراجعت أدوار بعض المؤسسات التقليدية في تشكيل الوعي، مثل الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية، بينما تقدمت وسائل الإعلام – وفي قلبها الصورة السينمائية – لتصبح أحد المصادر الأساسية لتشكيل الرأي العام. ولهذا أصبحت الصورة التي تقدمها السينما لأي قضية من القضايا موضوعاً مهماً للبحث في علم الاجتماع وعلوم الاتصال، لأن هذه الصورة تسهم بشكل مباشر في تشكيل المواقف الاجتماعية تجاه تلك القضية.
ومن بين القضايا التي احتلت مكانة مركزية في السينما والدراما العربية قضية المرأة. فقد كانت المرأة – وما تزال – أحد أهم موضوعات الفرجة البصرية في السينما العربية منذ زمن الأبيض والأسود وحتى زمن الصورة الرقمية فائقة الدقة. ظهرت المرأة على الشاشة في صور متعددة: العاشقة، الزوجة، الأم، المضطهدة، الخائنة، المتسلطة، الراقصة، أو الضحية. غير أن هذه الصور في كثير من الأحيان لم تكن سوى انعكاس لنظرة المجتمع الذكورية، الأمر الذي حوّل الجسد الأنثوي إلى أداة لترويج الإنتاج السينمائي عبر مشاهد الإغراء أو الإثارة التي تستهدف غرائز المشاهدين لكن الصورة ليست قدراً ثابتاً. فخلال العقود الأخيرة بدأت بعض التحولات تظهر في الدراما المصرية تحديداً، حيث ظهرت نماذج نسائية أكثر استقلالاً وحضوراً في الفعل الاجتماعي. ومع ذلك ما زالت هذه المحاولات بحاجة إلى تعميق وتوسيع. فالمرأة في عالمنا المعاصر لم تعد مجرد جسد داخل الحكاية، بل أصبحت فاعلاً حقيقياً في بناء المجتمع: الطبيبة في مستشفاها، القاضية في منصة العدالة، الباحثة في مختبرها العلمي، الفيلسوفة في كتاباتها، والمهندسة في مشاريع التنمية.
إن سؤالنا الجوهري اليوم ليس مجرد سؤال جمالي أو فني، بل هو سؤال حضاري: كيف يمكن للدراما الشرقية، بمحوريها المصري والتركي، أن تعيد بناء صورة المرأة بما يعكس حضورها الحقيقي في عملية التنمية المستدامة؟ كيف يمكن للصورة الدرامية أن تنتقل من استهلاك الجسد إلى تمثيل العقل والإنجاز والمعرفة؟
إننا بحاجة إلى دراما ترى المرأة بوصفها قوة اجتماعية خلاقة، لا مجرد موضوع للفرجة. دراما تعكس حضورها في العلم والقانون والفكر والسياسة، وتقدم نماذج إنسانية ملهمة للأجيال الجديدة. ومن مصر – بتاريخها الثقافي الطويل وتأثيرها العميق في الوجدان العربي – يمكن أن يبدأ هذا التحول الكبير، لأن الفن حين يغير صورته عن الإنسان فإنه يغير في الوقت ذاته صورة الإنسان عن نفسه.
نحتفي نحن في عيدهن
نحتفي بالحياة
والوانها الزاهية
نحتفي بالحنان
نحتفي بالجمال
نحتفي بالسلام
بالحبيبة وبالحانية
نحتفي بالخصوبة
نحتفي بالولادة
بكينونة البذر والحامية
بأول وأمن مكان
نحتفي بالمطر
والشجر والثمر
كما يحتفي الغيم بالغيث
كما تحتفي الأرض بالماء
كما يحتفي البحر بالموج
نحتفي نحن في عيدهن
بحواء هنا نحتفي
تحتفي حوريات البحار
تحتفي شهرزاد
بمن روضت
وحش إنساننا
ونصف الكيان
بأجمل كلام
ونبض المعاني
وهدل الحمام
بجداتنا نحتفي
وأخواتنا والمدام
بولداتنا نحتفي
بفلذات أكبادنا
شفيعاتنا بالمقام
بهن كلهن نحتفي
لمن تحت أقدامهن
كل جناتنا نحتفي
بأزكى تحياتنا
وأطيب سلام
معاهن بهن النساء
ننسي الحرب وأحزانها
ففي وحشة الليل
هن ملاذاتنا
وفي طلعت الفجر
هن نهاراتنا
فهن كل أعيادنا
وفيهن ومعهن تتجد أحلامنا
باقات ورد وأطيب سلام
لهن امهات النساء والرجال
سلام عليهن سلام
قاسم المحبشي
منشور برس موقع اخباري حر