الكاتب / الدكتور المفكر قاسم المحبشي..
تعد الكتابة الأكثر قدرة على إنقاذ ما يتناثر فينا من انفعالات وآمال وأفكار، وما يتبدد حولنا من معانٍ. في زمن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي فالأفكار تشغلنا حقًا، تداهمنا في تدافعها، تتزاحم في الذهن بلا نظام، والحوار يؤطّرنا حين نحاول أن نمنح تلك الفوضى شكلاً أوليًا عبر التفاعل مع الآخر، غير أن الكتابة وحدها هي التي تتكفل بجمع هذا الشتات، وإعادة ترتيبه في بنية قابلة للفهم والتداول. من هنا، لا تعود الكتابة مجرد وسيلة تعبير، بل تصبح فعل تنظيم للوعي ذاته، ومحاولة لإقامة توازن بين الداخل المضطرب والعالم الخارجي المتغير ففي العالم الأرضي تستهويني المدن البحرية والنهرية، حيث الماء يجمع ما تفرّق من مجارٍ ويمنحها مسارًا واحدًا، وفي العالم الافتراضي تهمّني المنصات الفكرية والثقافية الحوارية التي تؤدي وظيفة مشا بهة؛ تجمع العقول كما تجمع الأنهار روافدها. وربما لم يكن هذا الانجذاب اعتباطيًا، بل مدفوعًا بانشغالي بفلسفة التاريخ والحضارة واهتمامي بالدراسات الثقافية والتاريخ الجديد، حيث لا تُفهم الظواهر في انعزالها، بل في ترابطها وتشابكها. في هذا الأفق، تعرّفت أثناء تجوالي الرقمي على ندوة “غرفة 19”، تلك المنصة التي تنعقد أسبوعيًا مساء كل يوم اثنين، بوصفها فضاءً حرًا يُعنى بالشأن الثقافي في تنوعه وتعدده، دون تحزّب أو انحياز، كما تصفه مديرتها الأديبة إخلاص فرانسيس. ومنذ لحظة الانخراط في ندواتها، أدركت أنني أمام تجربة تتجاوز مجرد لقاءات عابرة، إلى شكل من أشكال التشكّل المعرفي الحي.
وحين أعلنت الغرفة عن تنظيم ملتقاها الدولي الثالث تحت عنوان “نظريّات ومناهج النقد التاريخي في القضايا الثقافية: أسئلة المنهج وتحولات الوعي”، الذي انعقد في نوفمبر 2025 بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية مرموقة، لم أتردد في المشاركة بورقة بحثية حول “التاريخ الجديد والدراسات الثقافية”. يومها، عبر شاشة صغيرة في غرفة هولندية باردة، وعلى مدى خمس عشرة دقيقة، كنت أقدّم خلاصة فكرة، لكنني في الحقيقة كنت أدخل في حوار أوسع، في نسيج من الأسئلة والمقاربات التي لا يمكن لعقل واحد أن يحتكرها. كان التفاعل الذي تلقيته من الباحثين والباحثات مؤشرًا واضحًا على أن المعرفة لا تُنتج في فراغ، بل في فضاء مشترك، حيث تتقاطع الرؤى وتُختبر الأفكار.
على مدى ثلاثة أيام، جمعتنا غرفة 19 في ملتقى فكري راقٍ، ناقشنا فيه تاريخ المناهج النقدية الكبرى، من التقليدية إلى ما بعد الحداثية، وتوقفنا عند أسئلة المنهج في زمن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتأملنا تحولات الوعي والهوية في عالم يتقلص فيه الزمان والمكان. لكن ما كان لافتًا حقًا، لم يكن فقط عمق الموضوعات، بل طبيعة التفاعل نفسه: ذلك الشعور بأننا، رغم اختلاف بلداننا وثقافاتنا، ننتمي إلى فضاء معرفي واحد، بلا توترات ولا حساسيات، حيث يجمعنا العقل، وتربطنا اللغة، وتوحدنا الثقافة.
في جوهر هذه التجربة، يتأكد أن المعرفة لا تولد في عزلة، ولا تنضج داخل عقل منفرد مهما اتسع أفقه، بل تتشكل في فضاء حواري تتقاطع فيه التجارب وتتصادم فيه الرؤى ثم تتآلف. الثقافة، بهذا المعنى، كائن جمعي، يتغذى من اختلاف الأصوات لا من تطابقها، ومن التفاعل لا من الانغلاق. وما شهدناه في غرفة 19 لم يكن مجرد نقاشات، بل كان نموذجًا حيًا لهذا المعنى: حيث يتحول الحوار إلى أداة للفهم، وتتحول الكتابة إلى وسيلة لتثبيت هذا الفهم.
ولعل صدور كتاب الملتقى، الذي تزامن مع اليوم العالمي للكتاب، يمنح هذه التجربة بُعدها الأعمق. فالكتاب الجماعي ليس مجرد تجميع لأوراق بحثية، بل هو تجسيد لفعل “الجمع” الذي تقوم عليه الكتابة في أصلها. حين نكتب معًا، لا نضيف نصوصًا إلى نص، بل نفتح المعنى على احتمالاته، نحرّره من ضيق الرؤية الواحدة، ونمنحه حياة أوسع عبر تعدد الزوايا التي يُرى منها. التأليف الجماعي ليس تقاسمًا للصفحات، بل اشتغال مشترك على بناء معنى مركّب، يتجاوز حدود الفرد إلى أفق الجماعة التفاعلية التشاركية.
لا ريب إن المعرفة الرشيدة في جوهرها العميق، لا تولد في عزلة، ولا تنضج داخل عقل منفرد مهما اتسع أفقه، بل تتشكل في فضاءٍ حواري تتقاطع فيه التجارب وتتصادم فيه الرؤى ثم تتآلف. الثقافة، بهذا المعنى، كائنٌ جمعيّ، يتغذّى من اختلاف الأصوات لا من تطابقها، ومن التفاعل لا من الانغلاق. وحين نكتب معًا، لا نضيف نصوصًا إلى نص، بل نفتح المعنى على احتمالاته، نحرّره من ضيق الرؤية الواحدة، ونمنحه حياةً أوسع عبر تعدد الزوايا التي يُرى منها. التأليف الجماعي ليس مجرد تقاسم للصفحات، بل هو اشتغال مشترك على بناء معنى مركّب، يتجاوز حدود الفرد إلى أفق الجماعة؛ حيث تصبح الكتابة فعل جمع حقيقي: جمعٌ للأفكار، وللخبرات، وللأسئلة، وحتى للاختلافات. وهنا بالذات تتجلى قيمة الكتابة بوصفها نقيض التبعثر، لأنها لا تكتفي بتدوين ما هو قائم، بل تعيد تشكيله في بنية أكثر اتساعًا وثراءً، كأنها تقول لنا إن المعنى لا يُمتلك، بل يُبنى معًا
وبهذا المعنى تكون وظيفة الكتابة بوصفها نقيض التبعثر؛ فهي لا تكتفي بتدوين ما هو قائم، بل تعيد تشكيله في بنية أكثر اتساعًا وثراءً. وكأنها تقول لنا إن المعنى لا يُمتلك، بل يُبنى معًا. في هذا السياق، يصبح الكتاب الجماعي فعلًا ثقافيًا مقاومًا للنزعة الفردية التي ما تزال تهيمن على جزء من المشهد الثقافي العربي، حيث يُنظر إلى الكتاب بوصفه إنجازًا شخصيًا مغلقًا. غير أن تعقيد أسئلة العصر، وتشابك قضاياه، لم يعد يسمح بهذا الانغلاق؛ فالمعرفة اليوم تحتاج إلى عقول متعددة، وإلى حوار مستمر، وإلى كتابة تتسع للاختلاف بدل أن تقصيه.
لقد أدهشني في هذا الملتقى، إلى جانب قيمته المعرفية، ذلك التنظيم الراقي الذي قادته الأستاذة إخلاص فرانسيس، بحضورها الذهني المتقد، وأسلوبها الإنساني الرفيع، وقدرتها على إدارة الحوار بسلاسة وأناقة. وربما كانت هذه الإدارة الرشيدة أحد أسرار نجاح الملتقى، حيث امتلأت الجلسات بحضور نوعي، حتى ضاقت به مساحة المنصة الرقمية. لكن الأهم من ذلك، أن هذا النجاح لم يكن نجاح تنظيم فقط، بل نجاح فكرة: فكرة أن الثقافة يمكن أن تكون فضاءً مشتركًا، وأن الحوار يمكن أن يكون طريقًا للارتقاء.
كانت تلك الأيام الثلاثة فرصة للتعرف على باحثين وباحثات من مختلف الأقطار، بلا حواجز ولا اصطفافات، وكأننا نستعيد في لحظة نادرة إنسانيتنا المشتركة. في زمن تتكاثر فيه الانقسامات، وتضيق فيه مساحات الحوار، تبدو مثل هذه المبادرات بمثابة فسحة أمل، تذكّرنا بأن الثقافة ما تزال قادرة على جمعنا، وأن المعرفة يمكن أن تكون ملاذًا في أزمنة الضيق.
لهذا، فإن الاحتفاء بصدور هذا الكتاب في اليوم العالمي للكتاب ليس مجرد احتفاء بمنتج ثقافي، بل هو احتفاء بفكرة أعمق: فكرة أن الكتابة يمكن أن تكون فعل جمع، وأن الحوار يمكن أن يكون أساسًا للمعرفة، وأننا، حين نلتقي لنتحاور ونكتب معًا، لا ننتج نصوصًا فحسب، بل ننتج معنى، ونبني أفقًا مشتركًا للفهم.
لقد سعدت كثيرا بصدور كتابنا الجماعي عن ملتقى غرفة 19 بالتزامن مع اليوم العالمي للكتاب أمس الموافق 23 إبريل 2026م فالكتاب الجماعي ليس مجرد تجميع لمقالات متفرقة، بل هو شكل جديد من أشكال الإنتاج الثقافي، يعكس تحولًا في طريقة التفكير والمعرفة. لم يعد المثقف ذلك الفرد المعزول الذي ينتج معرفة مكتفية بذاتها، بل أصبح جزءًا من شبكة من العلاقات الفكرية، حيث تتقاطع الرؤى وتتكامل أو تتعارض داخل فضاء واحد.
إنني ارى في الكتاب الجماعي تعبيرا فلسفيا عن روح عصرنا الراهن؛ عصر الحوار والتعدد والتشارك. إذ هو تجسيدا فعليا لمعنى الثقافة والمشترك الثقافي واعتراف ضمني بأن الحقيقة ليست ملكًا لفرد، وأن الفهم يتشكل عبر الحوار بين عقول متعددة، لا عبر صوت واحد يدّعي الاكتمال. في هذا النمط من الكتابة، تتجاور المناهج، وتتقاطع المقاربات، ويصبح الاختلاف قيمة مضافة لا عائقًا. إنه انتقال من منطق “أنا أكتب” إلى منطق “نحن نفكر”، ومن مركزية الذات إلى أفق الجماعة.
شكراً غرفة 19، شكراً لكل من أسهم في هذا العمل، ولنجعل من شعار “نلتقي لنرتقي” ليس مجرد عبارة، بل ممارسة ثقافية مستمرة، لأن الأفكار تشغلنا، والحوار يؤطرنا، والكتابة وحدها قادرة على أن تجمعنا…
منشور برس موقع اخباري حر