ضع اعلانك هنا

مدارات الهوية ؛ فيما يشبه الخاتمة …

الكاتب :
استاذ دكتور / قاسم المحبشي …

لقد شهدت بنفسي تجربة انزيحات الهوية واستراتيجياتها الصراعية المدمرة في اليمن والعراق, فعلى مدى نصف قرن فقط غير الناس هوياتهم في اليمن شمالا وجنوبا مرات عدة، وها نحن اليوم نشهد جدلا صاخبا وصراعا متقدا بشأن الهوية اليمنية، وهوية الجنوب: أهي عربية أم يمنية؟ فضلا عن احتدام أوار الهويات الطائفية, الزيدية والشافعية والحوثية والسلفية وغير ذلك من خطابات الهويات الفرعية الكثيرة وهي خطابات أخذت تستقطب جموع واسعة ومتزايدة من الناس في الجنوب والشمال؛ ليس لأنهم يرغبون في ذلك بل بسبب الممارسات السياسية التي دفعتهم إليها . وقد أذهلني ما شهدته في بغداد من تبدل سريع وعنيف في صراع الهويات الطائفية قبل الاجتياح الأمريكي وبعده, إذ سنحت لي فرصة الدراسة العليا في جامعة بغداد في تلك المدة الفاصلة, التعرف عن حقيقة المعضلة الهويات الطائفية في العراق التي نشهد اليوم أهوالها ، ففي عام 2004وجدت العراق بصورة مختلفة كليا عن تلك التي عرفته بها في الثلاث السنوات السابقة . كانت حمى الطائفية هي ابرز ملامح العهد الجديد على الرغم من أنها في تلك السنة مازالت في طور التفقيس البريمري (نسبة إلى الأمريكي بريمر) الذي حكم العراق بعد احتلالها مباشرة. وكما دفعت حرب صيف 1994م التي شنتها القوى التقليدية المهيمنة في الشمال ضد الجنوب, تحت رايات دينية وإيديولوجية وسياسية مختلقة وما تلاها من ممارسات تعسفية تدميرية لكل مؤسسات دولة مواطني الجنوب: (السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والقانونية..الخ) نقول كما_ دفعت تلك الغزوة التكفيرية الظالمة_ الجنوبيون إلى التعرف على ذاتهم الجنوبية المهزومة, وجعلتهم يتغنون بها ليلا ونهارا ويضحون بحياتهم في سبيلها, على نحو لم يكن بالحسبان, بل ومثير للدهشة! فكذلك فعلت غزوة أمريكا للعراق في إيقاد نار الهويات الطائفية التي كانت هامدة تحت رماد الطغيان السياسي الجمهوري الرهيب, وزادتها اشتعالا بمنحها المزيد من الزيت الصهيوني الأمريكي الشديد الاشتعال, في سبيل تحقيق إستراتيجية (الشرق الأوسط الجديد) التي ستكون فيها دولة الاحتلال الإسرائيلي إنطاكيا الجديدة,( جنة الله في بلاد العرب الخراب)! ألا تلاحظون اليوم كيف تبدو صورة دولة إسرائيل بالمقارنة مع دول الجوار العربي؟! فما الذي يدفع الناس إلى تبديل هوياتهم وإنشاب مخالبهم في بعضهم البعض تحت راياتها وبتحفيز منها كسراطين البحر حتى الموت؟! انه العنف المقدس الذي يكتسب طبيعة مفارقة لاعقلانية إذ تتحول العلاقة الاجتماعية بين الذوات المتصارعة من صيغة حرب بين أنا _أنت أو ذات_ أخر , (نحن ـــ هم) إلى حرب بين الملائكة والشياطين! وهذا هو ما شهدناه في ومازلنا نشهده في الحروب الطائفية في سوريا والعراق وما تميزت به من قسوة وفظاعة تقشعر لها الأبدان وتذهل لهولها العقول والقلوب ! وتلك هي صفة العنف حينما يكون مقدساً إذ يتحول إلى ثأر مزدوج جاهلي وعصبوي ديني. ويعد الثأر المقدس من بين جميع مظاهر العنف هو أخطرها على الإطلاق ، ذلك لان ( الثأر الحر ) يشكل حلقة مفرغة وعملية لامتناهية ولا محدودة ، ففي كل مرة ينبثق منها من أي نقطة ما من الجماعة مهما تكن صغيرة ، يميل إلى الاتساع والانتشار (كالنار في الهشيم ) إلى أن يعم مجمل الجسد الاجتماعي ويهدد وجوده بالخطر . وهذا ما نراه ماثلا اليوم في العراق, حيث يصف (المالكي حربه مع داعش بثارات الحسين) ومن المعروف في مثل هذه الحالات كيف أن اقل عنف يمكن أن يدفع إلى تصاعد كإرثي ، ومشهد العنف له شيء من ( العدوى ) ويكاد يستحيل أحيانا الهروب من هذه العدوى ، فاتجاه العنف يمكن بعد التمحيص يظهر التعصب مدمرا كالتسامح ، وعندما يصبح العنف ظاهرا ، يوجد أناس ينساقون اليه بحرية وحماس ، ويوجد آخرون منهم يعارضون نجاحاته ولكنهم أنفسهم ، غالبا الذين يتيحون له النصر وفي ظل غياب مؤسسة محايدة للعدالة, اقصد الدولة الحديثة القائمة على الفصل بين السلطات الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية) واستقلال المجالات, (السياسي والديني والمدني والاقتصادي والثقافي والعلمي ..الخ) فيستحيل إيجاد وسيلة ناجعة يمكنها السيطرة على ظاهرة الحروب الطائفية المشتعلة, وكل المحاولات الراهنة المعتمدة على المدخل الأمني في ضبط ظاهرة العنف في المجتمعات العربية بالقوة العسكرية العارية المحلية أو الخارجية, من المؤكد انها تزيده اشتعاله, بل أن تلك الوسيلة العنفية الرسمية تشبه (اللهب الذي يلتهم كل ما يمكن ان يلقي عليه بقصد إطفائه) حسب جيرار.
الخلاصة :
من ما تقدم يمكننا أن نخلص إلى النتائج الآتية:
أولا. أن التعددية الهوياتية بمختلف صيغها ليست مشكلة في ذاتها, بل ربما تكون مصدر قوة وثراء وخصب ونماء للمجتمع التي توجد فيه.
ثانيا. أن السياسة وعلاقات الهيمنة ربما تكون الفاعل المحفز لاستثارة النعرات الطائفية والعشائرية والجهوية في المجتمعات العربية الإسلامية.
ثالثا. لا وجود لهويات ثابتة , هناك إستراتيجيات هوية بوصفها رهانات صراع اجتماعي من أجل تحقيق مكاسب سياسية .
رابعا. هناك قوى دولية وإقليمية تستخدم ورقة الطائفية في المنطقة العربية من أجل أطماع توسعية ورغبة في الهيمنة والسيطرة على مقدرات المنطقة لأطول وقت ممكن, إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وإيران وغيرها.
خامسا. أثبتت التجربة أن الطريق الممكن لضبط المسألة الطائفية وصراع الهويات هو وجود مجال سياسي مدني مستقل عن مجالات الحياة الأخرى, مجال يقوم على أسس دولة العقد الاجتماعي المدني , التي تستند على شرعية وقوة الحق لا حق القوة.
ولا تدوم الدول إلا بعدل صحيح وأمن راسخ وأمل فسيح!..

ضع اعلانك هنا