ضع اعلانك هنا

اليمن حالة انثروبولوجية بدون انثربولوجيين . (أنهم عاجزون عن تمثيل أنفسهم ينبغي أن يمُثلوا) كارل ماركس …

الكاتب : استاذ دكتور قاسم المحبشي…

حينما طلب مني الصديق العزيز دكتور مبروك بوطقوقه رئيس مركز فاعلون للدراسات في الجزائر ورئيس وحدة الدراسات الانثربولوجية في المعهد العالمي للتجديد العربي أن أرشح له أكاديمي يمني للحديث عن تاريخ الانثروبولوجيا في اليمن للحديث في ندوة (الانثروبولوجيا في العراق واليمن والخليج .. إنجازات وتحديات) التي عقدتها الوحدة مساء يوم الجمعة الموافق ٢٠ مايو ٢٠٢٢م تحمست للفكرة وأبديت استعدادي لذلك. لكنني بعد ذلك الوعد وقعت في حيرة من أمري إذ تذكرت عدم وجود قسم علمي للدراسات الانثروبولوجية في الجامعات اليمنية التي يفوق عددها على الأربعين جامعة. تواصلت مع بعض من اعرفهم في أقسام العلوم الاجتماعية فلم أجد أحد راقت له الفكرة والمهمة بوصفهم غير متخصصين بالانثربولوجبا البحتة وبعد مداولات عدة بيني وبين الدكتور مبروك بوطقوقه قال لي عليك أن ترشح لي أحد وإلا سجلت أسمك إذا لم تجد ولما كنت قد تابعت الندوة السابقة المكرسة الانثروبولوجيا في المغرب العربي والشمال الافريقي عن وحدة الدراسات الانثربولوجية في المعهد العالمي للتجديد العربي بما احتوته من مداخلات أكاديمية زاخرة بالمعلومات المتخصصة. فضلت البحث عن من يشبع هذه المهمة فاهديت إلى الباحث اليمني الشاب أحمد العرامي إذ سبق لي وأنا قرأت كتابيه عن ديانة اليمن السرية والمعتقدات والخرافات الشعبية. تواصلت معه ورحب بالفكرة فانقذني من الورطة وكان عند حسن الظن والاختيار. إذ تمت الندوة على خير وسلام.
وسنحت لي الفرصة بالتداخل المقتضب.
تلك الندوة الانثربولوجية الرائعة جعلتني أعيد التفكير في الحالة اليمنية وعجزها عن إنجاب من يمثلها أكاديميًا في الفضاءات المعرفية العربية والعالمية بعكس الحال في بعض البلدان العربية الكبيرة مثل مصر والعراق والشام ودول المغرب العربي التي تشكلت بها عبر تراكم تاريخي طويل نخب مثقفة ومدارس فكرية عقلانية ولاهوتية مهمة وفاعلة منذ ما عرف بمرحلة اليقظة العربية قبل قرنيين من الزمن. بينما لازال اليمن التي كانت موطنا لأهم حضارات شبه الجزيرة العربية إذ شهدت اليمن قبل الإسلام عدة حضارات متزامنة ( حمير وحضرموت ومعين وريدان وقتبان واوسان وسبا) وفي اليمن خمسة مراكز ثقافية تليدة هي( حضرموت وزبيد وعدن وصنعاء وتعز) وفي اليمن خمسة ألوان غنائية هي ( اللون الصنعاني واللون اللحجي واللون الحضرمي واللوان اليافعي والألوان التهامي) وفي اليمن أنماط متعددة من الفنون المعمارية الفريدة في العالم منها: النمط الحضرمي والنمط الصنعاني والنمط العدني والنمط اليافعي. وفي اليمن أساليب متنوعة من الفنون الشعبية والأزياء والأطعمة واللهجات والحكم والأمثال الشعبية وتمثل الصناعات الحرفية والمشغولات اليدوية والصناعية الصغيرة في اليمن رافداً حيوياً للشعب اليمني ,منها: الفخار، البخور، الزباد، والحصير، الجنابي، آلات العزف، المشغولات الفضية، والعقيق اليماني، والمشغولات الجلدية، والنسيج، والنحت على الخشب الذي يتضمن زخرفة، ونحت اللوحات، والأبواب، والشبابيك الخشبية، والكراسي، وبعض الطاولات بتصميمات يمنية ذات طابع تراثي وتاريخي ومعماري أصيل، وعمل الجصيات وغيرها. هذا التنوع الطبيعي والتاريخي والثقافي فضلا عن الثروة البشرية التي تتميز بها اليمن إذ تعد أكثر الدول كثافة بالسكان في شبه الجزيرة العربية وبمعدل نمو سنوي يبلغ 5.3 ، %وفي حالة بقاء معدل النمو على حاله فإن عدد السكان سيبلغ ٣٨ مليون نسمة بحلول عام 2026م وهي بذلك اكبر من المملكة السعودية ودول الخليج مجتمعةوسكان اليمن بحكم الطبيعة الجغرافية الشديدة الوعورة ة متذذرين في ( 133000) تجمع سكاني كبير وصغير في السواحل وبطون الودان وقممها والهضاب والجزر. فالتنوع الطبوغرافي أسهم في وجود تنوع حيوي ومناخي ساعد في ظهور بيئات متنوعة لعبت دورا هام في التنوع الحيوي الزراعي والاستقرار البشري و الحفاظ على نوعية الهواء وضمان بيئة صحية للسكان، آما أن غنى التنوع الحيوي وآثافة الغطاء النباتي ساعد على حماية التربة من الانجراف. ووفقاً للمعهد الدولي للموارد فإن الأنظمة البيئية تعتبر “آليات الإنتاج المضمون” حيث توفر الغذاء والماء والمواد المستخدمة في الملابس والورق والخشب للبناء (عام 2000 وقد مارس اليمنيون ومنذ فجر التاريخ مهنة الزراعة والفلاحة واصطياد الحيوانات وصيد الأسماك وبرعوا في استخدام المنتجات النباتية والحيوانية لسد حاجاتهم اليومية من الغذاء والملبس والبناء وغيرها من الاستخدامات المختلفة والتي لازالت تمارس حتى اليوم. يصف برايان وينكر اليمن-في كتابه The Birth of modern yemen (ميلاد اليمن الحديث)- بأنه بلد ذو تاريخ طويل للأرض وقصير للدولة. وهو توصيف يحتمل الكثير من الدقة فالتاريخ السياسي للبلاد تاريخ جهوي تمحور حول الجغرافيا والصراع على السلطة في ظل الندرة. والمتتبع للتاريخ اليمني سوف يجد أن الصراع على السلطة والثروة قد شكلا العامل الأساسي في الصراع بين العصبيات والقوى التقليدية المتنازعة على الاستئثار بعناصر وأدوات القوة (السلطة والحكم والثروة والأرض والعقيدة والهوية وكل فرص العيش الممكنة)وفي سياق ذلك المحور الملتهب للعصبية الجهوية بمعناه الخلدوني كان ومازال يجري توظيف الدين والطائفية لاسيما في الشمال ولأن اليمن بلد فقير وإمكانياته محدودة جدا فإن الحصول على الثروة قد تطلب أن يقوم على قهر وسلب الفئات المنتجة وحرمان الفئات الضعيفة والمهمشة، وبهذا أصبحت (السلطة) تسلطية عنفية تستخدم أداة للقهر والظلم والحرمان وبؤرة للصراع الدائم. واذا كانت الجغرافيا هي محور الاستقطاب في اليمن فإن السياسية عجزت عن ترويض وترشيد الجغرافيا لتأسيس دولة عادلة ومستقرة لليمنيين. وهذا هو ما جعل النزعة المحلية هي الحاضر الوحيد في الحالة اليمنية
الذي لازال يرين عليها الجهل والظلام من كل الجهات ومعظم نخبها محلية الثقافة والتفكير الدائر في افلاك المناطق والجهات اليمنية الكثيرة جدا. ثمة قلة من الأفراد الذين يجيدون التحليق والتغريد خارج أسراب المحليات المستديمة. فمتى تعرف النخب اليمنية المثقفة أن العالم قد صار اليوم فضاءا علوميا مفتوحا؟ ثمة إرادة ممنهجة لجعل اليمن متحفا تاريخيا ومختبرا أنثروبولوجيا للحياة البدائية القديمة. وهكذا مازلت اهم الكتب عن اليمن هي كتب السواح والمستشرقين ومنها كنت طبيبة في اليمن للطبيبة الفرنسية كلودي فايان وكتاب بول دريش عن تاريخ الأممة وكتاب اليمن من الباب الخلفي وكتاب اليمن كما يرأه الأخر وكتاب هيلين لاكنر ، أزمة اليمن؛ الطريق إلى الحرب٢٠١٩م. وكتاب فلاج مللر ، رسائل عابرة : الشعر والأشرطة السمعية والدور الأخلاقي لوسائل الإعلام في اليمن “تلك الكتب وغيرها من الكتابات الاجنبية هي اجودها في فهم وتمثيل حياة اليمنيين وهناك رواية كمان عن صيد السلمون في اليمن للانجليزي بول توردي. وهكذا هي اليمن السعيدة بعد كل حساب؛ لا وحدة تحققت ولا دولة بقيت ولا جمهورية نبتت ولا ثورة أثمرت ، كل ما بقي مجرد عصابات وملشيات وانقلاب وقرآن ناطق وشرعية ورقية ضالّة في مهب العاصفة وادارة ذاتية انتقالية لا تدير أي شيء وحروب وتفجيرات وقتلى وجرحى واشلاء ضحايا ومشاورات مطّولة ودعم دولي غير محدود واخبار عاجلة ! والايمان يماني والحكمة يمانية! وهكذا هو صيد السلمون في اليمن !من منكم شاهد الفلم -أقصد – فلم صيد السلمون في اليمن؟! أما الكتب فاجزم أن معظم النخب اليمنية المثقفة أو التي تدعي الثقافية لم تعرف عنها.فمتى يكون لليمن من يمثلها في التخصصات الأكاديمية المتنوعة؟ ومتى تتحول اليمن من موضوع إلى ذات ومن مفعول به إلى فاعل؟ ومن حالة انثربوجية فجة إلى معرفة انثروبولوجية ذاتية واعية؟ واخيرا متى يكون الانثربولوجيا اقساما علمية في الجامعات اليمنية؟
وتجدر الإشارة ونحن بصدد الدراسات الانثروبولوجية إلى مشروع المشترك الثقافي العربي نحو دراسات ثقافية مقارنة الذي عقد مؤتمره الأول في القاهرة عن المشترك الثقافي بين مصر وتونس وقد أخبرني الدكتور حاتم الجوهري صاحب الفكرة والمشروع ورئيس اللجنة التحضيرية أن المؤتمر سوف يستمر في السنوات القادمة نحو دراسات ثقافية مقارنة…

ضع اعلانك هنا