ضع اعلانك هنا

زخيخة.. حين يتحول المكان إلى ذاكرة والذاكرة إلى معنى…

مقال للكاتب :
استاذ دكتور قاسم المحبشي ..

ينفتح سؤال الذاكرة على مدى متزايد الاتساع من المفاهيم والآفاق؛ فهو لا يقف عند حدود التذكر بوصفه استعادة للماضي، بل يتشابك مع منظومة كاملة من المفاهيم المؤسسة للوجود الإنساني: الهوية، واللغة، والزمن، والمكان، والتاريخ، والسرد، والخيال، والمعرفة، والنسيان، والحنين، والندم، والحضور والغياب. فالذاكرة ليست مخزناً للأحداث فحسب، بل هي الفضاء الذي تتشكل فيه الذات وتعيد عبره إنتاج علاقتها بالعالم وفي عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم تعد الذاكرة مرتبطة بالجسد البشري وحده، بل امتدت إلى الأرشفة الرقمية والبيانات الضخمة وأنظمة الحفظ الذكية. غير أن هذا التحول لا يلغي الوظيفة الوجودية القديمة للذاكرة، بل يعيد طرحها بصورة أكثر تعقيداً. فمنذ أقدم الحضارات سعى الإنسان إلى مقاومة الفناء عبر بناء أشكال مختلفة من الذاكرة. ويمكن النظر إلى تحنيط الجسد في الحضارة المصرية القديمة بوصفه محاولة لإبقاء الذات حاضرة بعد الموت، فالمومياء ليست جسداً ميتاً فحسب، بل مستودعاً للهوية ووعاءً للذاكرة الطقسية والدينية. وكذلك الأهرامات لم تكن مجرد مقابر ملكية، بل تعبيراً مادياً هائلاً عن الرغبة في البقاء الرمزي والانتصار على النسيان.

وعلى الرغم من طابعها الفردي والوجودي إلا إن الذاكرة بوصفها تجربة الذات الفاعلة هي ظاهرة جمعية تخضع لشروط المجتمع والثقافة والسلطة. فلا وجود لذاكرة فردية خالصة؛ إذ يولد الإنسان داخل شبكة من العلاقات واللغات والرموز والتقاليد والسرديات السابقة عليه. نحن لا نأتي إلى العالم فرادى كما تنبت النباتات الشوكية في الصحراء، بل كما تُغرس الشتلات في تربة مهيأة ومعدة سلفاً، تحمل في أعماقها شروط النمو وإمكانات الثمر. ولهذا فإن ما نسميه ذاكرتنا الشخصية ليس سوى طبقة من طبقات أعمق تشكلها ذاكرة العائلة والجماعة والتاريخ.
وبهذا المعنى نفهم ميشيل فوكو حين نظر إلى الذاكرة بوصفها نتاجاً للخطابات والمؤسسات وآليات السلطة التي تقول دون أن تتكلم! . فالسلطة لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تسعى إلى إدارة الماضي أيضاً، فتقرر ما ينبغي تذكره وما ينبغي نسيانه. إنها تصنع أرشيفها الخاص، وتنتج سردياتها الرسمية، وتفرض عبر التعليم والإعلام والمؤسسات أنماطاً معينة من التذكر الجماعي. وهكذا تتحول الذاكرة من مساحة حرة إلى مجال للصراع الرمزي. بل إن الجسد نفسه يصبح، كما يرى فوكو، أرشيفاً للسلطة، تُحفر عليه آثار الانضباط والمراقبة والعقاب، فتغدو الذاكرة جزءاً من آليات الهيمنة وإعادة إنتاج الطاعة.

من الأفق الواسع لفهم الذاكرة يجعلنا نقترب بصورة أعمق من كتاب «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» للدكتور طه جزاع الذي عرفته في جامعة بغداد استاذنا للفلسفة ورئيس قسمها في كلية الآداب بجامعة بغداد، باب المعظم.
ومن محاسن الصدف أن تتاح لي قراءة زخيخة وانا بصدد التحضير لندوة منبر حوار التنوير عن
الاستاذ مدني صالح فيلسوف العراق المتميز.
زخيخة ذكرتني بما كنت قد قراته في مقامات مدني صالح عن هيت الفراتية لم تكـن زخيخـة قرية عابرة في سرية الطفولـة، ولا ظاًل خفيفاً من ظالل المراهقـة، ولم تكـن محطة جغرافيـة أقمت فيهـا عاماً دراسـياً ثم غادرتهـا كما تغـادر الأمكنة بال التفات. كانـت، منـذ اللحظـة الأولى، عقـدة زمـن تكاثـف فيهـا العمـر، وموضعـاً اسـتقر في الذاكـرة قبـل أن أعـرف للذاكـرة اسماً ومعنـى. هنـاك، في أعـالي الفرات، وعلى بعد نحو خمسـة وعشريـن كيلومتراً من قضـاء هيـت، باتجـاه ناحية البغـدادي وقضـاء حديثـة، بـدأت أتعلم، مـن دون وعـي صريـح، أن المـكان لا يقـاس بالأميـال، بل بما يزرعه في الداخـل مـن أثـر لا يُمحـى. كانـت الطبيعـة في تلـك القريـة تفتـح في روحـي بابـاً خفيـاً نحـو الجمال، وتوقـظ في نفسي ذلـك الانفعـال العميـق الـذي يهبـط عىل القلـب فجـأة كنعمـة. وكنـت وأنـا في تلك السـن، أتلقـى دهشـتي الأولى من العالم عبر تفاصيل صغرية بدت لي يومهـا كأنهـا سر الوجود كله، صفـاء الماء في السـواقي، صعود النخيل” ( ينظر, طه جزاع, زخيخة_الخيال_وذاكرة_المكان, 2026) من هنا يمكن لنا الاطلال على الراحل العظيم الذي حمل مدينته هيت في قلبه وعقله اينما حل وارتحل، رغم أنه ابا أن يلقب بها كما درجت عادات العرب عبر الأزمنة “كان مدني صالح يرفض أن يلقب ب(الهيتي) ويأنف من هذه التسميات والالقاب التي تكرس سياسة التميز وتزيد التفرقة وتثير الضغينة، وفي راي أخر يرى أن رفض الأستاذ مدني صالح للقب الهيتي ليس لأنه يأنف من التسمية والتلقب بمدينته هيت لكنه كان له لقبا عائليا مسجلا في بطاقته الشخصية ودوائر الاحوال المدنية لم يرد أن يلقب به ولم يرد أن يتركه ويلقب بالهيتيلانه لقب عائلته المثبت في السجلات الرسمية، ولقد سئل يوما من أنت؟ فأجاب أني ابن مدينة طلي من قيرها سفينة نوح” (ينظر, ناجح فلاح الهيتي، الفيلسوف مدني صالح ومدينته الفاضلة، موقع إيلاف، 22 يناير2008) عرفت هيت ونواعيها من الأستاذ مدني صالح رغم أنه لم يحدثني كثيرا عنها ولكنني بعد ملازمته والاستماع اليه دفعني الفضول إلى معرفة كل ما يتصل بحياته. في البدء كان الحب وكان الفرات ومن المياه الاولى انبثقت هيت ومن شواطئها السخيةصدرت الموجودات وجرى على أرضها نهر الجنة ومن هيت لا من غيرها حملوا (هٌبل) وسارت به وبالهوى الإبل، ومن هذه المدينة لا غيرها خرج البناة الذين شادوا الاهرامات في مصر والسور العظيم في الصين والبرج البابلي المعلق في العراق وقيل إنها قامت وازدهرت قبل أن يكون أحد من السومريين في الوجود؛ نقلوا منها الطابوق والحجارة والأكار والجص وجذوع النخيل. وأن المعماريين قد سافروا منها الى (اريدو) فتفضلوا على أهلها وعلموهم بناء الزقورات أنها مدينة الحب، لا قاتل ولا مقتول، الا قتيل الهوى في اسفار العشاق الفقراء”( ينظر، هادي نعمان الهيتي، مدني صالح بأقلام مصنفيه، الناقد العراقي، 19/8/2015). وفي ذات السياق يذهبناجح فليح الهيتي إلى أن مدينة هيت هي مدينته الفاضلة التي ذكرها في كثيرمما كتب وأن هيت كانت معه اينما حل واينما رحل وقد كتب مفضلا اياها عن بغداد على لندن وباريس وغيرها من المدن الاخرى، فكتب عن معلميه فيها وسماهم الأعمدة السبعة مع ثامنهم مرشدهم وكتب عن نسائها ورجالها وذكر بساتينها وقراها واستعمل لهجة أهلها والفاظهم في كتاباته حتى في كتبه التي الفها للأطفالوالجدات والحكايات والاساطير.. لقد كانت هيت في قلبه دائما يقضي فيها جميع العطل الدراسية حتى سنة زواجه في 1972 وسفره الى الجزائر منتدبا للتدريس في جامعتها وكان كثير التردد على المدينة بعد رجوعه وقد ابقى السجل المدني له ولعائلته بعد زواجه في هيت ولم ينقله الى بغداد بعد استقراره الدائم فيها، أنها هيت (الرحيق) الذي يغذي قلبه.نفسه,عقله ووجدانه فذاكرته المتقدة دوماً.
وهكذا جاءت زخيخة لتضئ تلك الذكريات وتمنحها تغذية جديدة فالكتاب، وإن بدا للوهلة الأولى سيرة مكانية لقرية صغيرة على ضفاف الفرات، إلا أنه في جوهره تأمل فلسفي وجمالي في معنى الذاكرة ودورها في تشكيل الهوية. إنه لا يكتب قرية بقدر ما يكتب العلاقة المعقدة بين الإنسان ومكانه الأول، بين التجربة الحسية الأولى والصورة التي تظل حية في أعماق الوعي حتى بعد غياب المكان ذاته فزخيخة لا تظهر هنا باعتبارها نقطة جغرافية على الخريطة، بل باعتبارها صورة مكانية مؤسسة للذات. هي المكان الذي سبق اللغة، والذي تشكل فيه الإدراك الأول للعالم، فصار مرجعاً خفياً تقاس عليه الأمكنة اللاحقة جميعها. ” الاسـم نفسـه، زخيخـة، ظـل طويلا محتفظـاً بوقعـه الصـوتي قبل معنـاه. ليـس الاسـم هنـا علامـة لغويـة فحسـب، بـل نغمـة. بعـض الأمكنـة تسـكننا بأسمائها قبـل أن نسـكنها بأشـكالها. وحين يسـتعاد الاسـم لاحقـاً، يعود معه الإحسـاس الأول، لا الوصف. كأن الاسـم مفتـاح سري يفتـح بـاب الصـورة دفعـة واحدة”
واذا كان محمود درويش يقول إن الحنين وجع الذاكرة ف الكاتب هنا لا يقع في فخ النوستالجيا الساذجة أو الحنين الرثائي. بل يسعى إلى استعادة الماضي ليعيد فهمه. إنه لا يسعى إلى إعادة بناء القرية كما كانت، وإنما إلى اكتشاف الكيفية التي ظلت بها فاعلة في أعماقه. ولذلك تبدو زخيخة في النص أقل شبهاً بقرية واقعية وأكثر شبهاً ببنية تخييلية تستمر في تشكيل الرؤية إلى العالم ” لا أسـتعيد زخيخـة بوصفهـا مكاناً مثاليـاً، ولا أضعهـا في مواجهة
الحـاضر بوصفهـا زمنـاً جمياًل ضائعاً. مـا يعنينـي هو أنها شـكلت، في
تلـك السـنة القصرية، بنيـة خياليـة ظلـت تعمـل بصمـت. الصـورة
الأولى لا تحتـاج إلى تكـرار كـي تبقى، لأنهـا لا تنتمي إلى الزمـن القابل” ( ينظر ، طه جزاع، زخيخة الخيال وذاكرة المكان ص25)

وتتجلى براعة الكاتب في قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى صور ذات كثافة شعرية عالية. فالماء، والنخيل، والسواقي، وأسراب الزرازير، والغدير، والمدرسة النظامية، كلها تتحول إلى علامات دالة على تجربة جمالية أولى. إن المكان هنا لا يوصف بوصفه منظراً طبيعياً، بل بوصفه مصدراً للدهشة ومختبراً أولياً للحس الجمالي. ولهذا تكتسب اللغة طابعاً شعرياً واضحاً يجعل النص أقرب إلى التأمل السردي منه إلى الدراسة النقدية أو السيرة التقليدية. في وصفه للمدرسة النظامية التي أسست عام 1944م كتب :

” مـا يميـز المدرسـة عـن البيـت هـو أن البيـت يسـمح لنا أن ننسـى
الزمـن، بينما المدرسـة تذكرنـا بـه باسـتمرار. الجـرس، بدايـة الحصة،
نهايتهـا، الامتحـان، الانتظـار. الزمـن هنـا ليـس خلفيـة، بـل عنصراً
فاعاًل. ومـن هنـا يبـدأ وعـي الطفل بـأن الحيـاة ليسـت مكانـاً فقط ،
بـل تنظيماً للوقـت داخل المـكان. وحني نغـادر المدرسـة، لا نغادرها
حقـاً. تظـل صورتهـا الأولى كامنـة فينـا، وتعـود كلما واجهنـا نظامـاً
جديـداً، أو سـلطة جديـدة، أو مكانـاً يطلـب منـا الامتثـال. المدرسـة
الأولى تظـل نموذجـاً داخليـاً لكل مدرسـة لاحقة في الحيـاة، الجامعة”

أهمية استدعاء السياق الفلسفي في قراءة «زخيخة» ليس لأن كاتبها فيلسوفا فحسب بل في كونها تبدو تجسيداً حياً لكثير من تلك التصورات النظرية الفلسفية عن المكان والزمان والذاكرة . فالقرية ليست حدثاً في الماضي، بل بنية حية في الحاضر. وهي لا تعود بوصفها وقائع مؤرخة، بل بوصفها صوراً شعورية كثيفة. فالذاكرة هنا ليست أرشيفاً زمنياً، وإنما قوة تخييلية تعيد إنتاج العالم باستمرار. كتب طه جزاع:
” المـكان الأول لا يعلمنـا كيـف نعيـش فيـه فقـط ، بل يعلمنـا كيف
ننظـر إلى الأمكنـة الأخـرى لاحقاً. من عـاش مكاناً مفتوحـاً، يصعب
عليـه التكيـف مـع الأمكنـة الخانقة. ومـن عرف الأفـق مبكـراً، يبقى
حساسـاً تجـاه الجـدران العاليـة. زخيخة، بهـذا المعنى، لم تكـن ذكرى،
بـل معيـاراً داخليـاً. كل مـكان عرفتـه بعدهـا كان يُقـاس، مـن دون وعـي، على تلـك الصـورة الأولى.
لا أسـتعيد زخيخـة بوصفهـا مكاناً مثاليـاً، ولا أضعهـا في مواجهة
الحـاضر بوصفهـا زمنـاً جمياًل ضائعاً. مـا يعنينـي هو أنها شـكلت، في
تلـك السـنة القصرية، بنيـة خياليـة ظلـت تعمـل بصمـت. الصـورة
الأولى لا تحتـاج إلى تكـرار كـي تبقى، لأنهـا لا تنتمي إلى الزمـن القابل

للتلـف. إنهـا تقيـم في منطقة لا يطالهـا التغيري المباشر.
الطفـل الـذي جـاء إلى زخيخـة لم يكن يعـرف أنه سـيغادرها، ولم
يكـن يحتـاج إلى هذا الوعـي. فالمكان، حني يُعاش ببراءة، لا يُشرتط
فيـه الـدوام. يكفـي أن يُعـاش بعمـق. بعـض الأمكنـة لا تطلـب منا
البقـاء، بـل تطلـب فقـط أن ترتك أثرهـا. وهـذا الأثـر هو مـا يبقى، لا المكان نفسـه”

وكما جعل باشلار من البيت المنزل أو تجارب الكينونة إذ تكمن قوة باشلار في أنه يعيد الاعتبار إلى أشياء ظلت طويلة خارج دائرة التفكير الفلسفي الجاد: البيت، الخزانة، الدرج، الزاوية، العلية، القبو، العش، القوقعة. وهي أشياء قد تبدو هامشية أمام القضايا الكبرى التي شغلت الفلاسفة من قبيل الحقيقة والوجود والمعرفة. غير أن باشلار يقلب هذا الترتيب رأسًا على عقب، ويجعل من هذه التفاصيل الصغيرة مداخل إلى فهم الإنسان نفسه. إنه يذكّرنا بأن الوجود لا يُختبر أولًا في المفاهيم المجردة، بل في تلك الأماكن التي احتضنت طفولتنا وأحلامنا ومخاوفنا الأولى وهكذا وجدنا طه جزاع وهو يبتدي بوصف بيت العائلة ”
يقـع البيـت – المضيـف على ضفـة الفـرات، قريبـاً إلى المـاء بالقدر
الـذي يسـمح لـه أن يـراه كل يـوم، لا بالقـدر الـذي يغامـر فيـه. هذه
المسـافة الدقيقـة بني البيت والنهر ليسـت صدفـة، إنها حكمـة مكانية
قديمـة. فالنهـر في الذاكـرة الريفيـة ليـس منظـراً جمالياً فقط، بـل قوة،
صديقـاً حني يهـدأ، وعـدواً حني يغضـب. وبيت الجـد، كما يبدو في
الصـورة، يعـرف هـذه الحقيقة جيـداً، يقـف قريبـاً من الفـرات، لكن بثبـات مـن لا يثق ثقـة عميـاء بالماء.
الجـدران سـميكة، النوافـذ طويلة، والفتحـات محسـوبة بيتـاً منفتحـاً عىل الخـارج، بل بيـت يحمـي الداخـل. في لغة باشالر،
نحـن أمـام بيت يؤكـد وظيفة الحمايـة قبـل أي شيء آخـر. الداخل هنا
ليـس مسـاحة هندسـية، بـل مجال أمـان. بيت الجـد لا يسـتقبل الضوء
كلـه، ولا يسـمح للريـح أن تعبـث فيـه كما تشـاء. إنـه يختار مـا يدخل
إليـه، تمامـاً كما كان الجـد يختار كلماتـه، ومواقفه، ومسـافاته مع الناس” ( ينظر ، طه جزاع، زخيخة الخيال وذاكرة المكان ص29)

وهكذا يتحول البيت من بناء معماري إلى رمز أخلاقي واجتماعي وروحي إذ لا يعود المضيف مكاناً للسكن أو الضيافة فقط، بل يصبح مركزاً للمعنى ومخزناً للقيم ومرآة لشخصية صاحبه. وهنا تتجسد إحدى أهم أفكار باشلار حول البيت بوصفه أول كون يعرفه الإنسان، وأول صورة للطمأنينة والانتماء.
ولا تخفى قدرة الكاتب على الربط بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية من خلال استعادة الوثائق والحكايات الشفوية والأساطير المحلية. فالقرية لا تُبنى بالحجر والطين وحدهما، بل تُبنى أيضاً بالقصص التي يرويها الناس عن أنفسهم. ومن خلال هذه القصص تتشكل هوية المكان وتستمر عبر الأجيال.
وحينما قرأت حادثة الغرق التي كادت تطفئ حياة الطفل طه جزاع في مياة الفرات احسست بالفزع إذ جاء “كنـت بينهم أطفالا لم أتجـاوز العـاشرة. فجأة بـدأت أغرق. كنـت أحاول يائسـاً أن أطلـق صرخـة اسـتغاثة كلما طفا رأسي لحظـة فوق الماء قبـل أن يغطس بينما ظل ثانيـة، كما يفعـل الغريـق عادة، غري أن الميـاه إنغلقـت عليَّ الآخـرون لاهني بضحكهـم وصخبهـم، لا يلتفتـون إلى أن جسـداً صغرياً كان ينسـحب إلى الأعماق بصمـت. لامسـت قـاع النهـر العميـق، حيـث الرمـل والحصى والحجـارة
الصغرية، وأحاطنـي ضـوء ضبـابي مـن كل جانـب، كأننـي عدت إلى الرحـم الأول. إلى ذلـك »الداخـل« الـذي تحـدث عنـه باشالر حني
يجعـل المـاء ذاكرة ثانيـة، وكوناً سريـاً يحتضننا ثـم يهددنـا في آنٍ واحد.
بـدأت أشـعر بالاختنـاق، واقتربـت مـن لحظـة انطفـاء النفـس، لولا
أن يـداً إمتـدت إلّي فجـأة، وانتشـلت جسـدي الصغري بقـوة مـن فـم
الغـرق. كانت يد أخي الأوسـط فرحـان . افتقدني، فـراح يضرب الماء
بقدميـه يمنـةً ويسرة، حتى تعثـر بجسـدي في عمق النهر، فأمسـك بي
ورفعنـي، ثـم ركـض بي إلى الجـرف، يهـزّني بعنف كـي تخـرج المياه من جـوفي، فأعـود شـيئاً فشـيئاً إلى التنفـس والحياة.
ومنـذ ذلـك اليـوم لم تعـد الميـاه في مخيلتـي مجـرد مـاء، صـارت
ذاكـرة تلاحقنـي، وصـار النهـر يعـود إلّي في جواثيم النوم لسـنوات
طويلـة، كأنـه لم يكتـف بمحاولة ابتلاعـي مرة، بـل أراد أن يحتفظ بي في أعماقـه إلى الأبـد”

وربما تكمن القيمة الكبرى للكتاب في أنه يحرر المكان من حدود الجغرافيا ليجعله جزءاً من التكوين الداخلي للإنسان. فزخيخة ليست زخيخة وحدها، بل هي رمز لكل مكان أول يسكننا مهما ابتعدنا عنه. وكل قارئ يستطيع أن يعثر فيها على قريته أو مدينته أو بيته الأول، لأن الكتاب يتجاوز خصوصية التجربة ليصل إلى بعدها الإنساني العام.

في النهاية، يمكن القول إن «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» ليس كتاباً عن قرية عراقية فحسب، بل هو كتاب عن الذاكرة بوصفها مصيراً إنسانياً، وعن المكان بوصفه شكلاً من أشكال الهوية. إنه نص تتجاور فيه الفلسفة مع السرد، والتأمل مع الحكاية، والحنين مع النقد، ليقدم تجربة جمالية ناضجة تؤكد أن الأمكنة لا تغادرنا حين نغادرها، بل تظل تسكننا بصمت، وتواصل تشكيل رؤيتنا إلى العالم حتى آخر العمر.

ضع اعلانك هنا