كتب دكتور علي عفيفي الاهدل ..
في مشهدٍ مهيبٍ لفَّه الحزن، وارتفعت فيه الدعوات والدموع، شيَّعت تهامة والوطن جثمان الشهيد القائد العميد الركن يحيى وحيش، ورفيق دربه البطل عبدالكريم الشامي، وقد خيَّم الأسى على القلوب، إذ ترجل فارسٌ من فرسان الميدان، ورجلٌ من الرجال الذين سطَّروا بمداد التضحيات صفحاتٍ خالدةً في سفر المجد والبطولة.
منذ انطلاق مسيرته الجهادية في كتاف، مرورًا بإسهامه في تأسيس المقاومة التهامية، ثم التحاقه بصفوف العمالقة الأشاوس، وصولًا إلى قيادته للفرقة الأولى مشاة، ظلَّ العميد يحيى وحيش ركنًا من أركان الثبات، وأسدًا من أسود الوغى، ممرغًا أنوف المليشيات الحوثية في التراب، منتصرًا في معارك الساحل التهامي، وحيس، وجبل رأس، لم يخسر موقعًا، ولم يتراجع عن جبهة، بل كان صنديد المعارك، وعنوان الإقدام والبأس.
وكان، إلى جانب بسالته العسكرية، شيخًا محب للعلم والعلماء والدعوة والحتساب، اتخذ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة منهاجًا ودستورًا، يربي جنوده على الإيمان، ويشحذ هممهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فجمع بين السيف والمصحف، وبين البطولة والهداية.
ولم يكن عطاؤه مقصورًا على ميادين القتال، بل امتدت يداه بالخير والإحسان إلى الفقراء والمساكين والنازحين، بعيدًا عن ضجيج الإعلام وبهرجة الأضواء، فكان آخر أعماله الإنسانية توزيع ما يقارب ثمانية آلاف بدلة للمحتاجين، فكان أبًا للفقراء، وسندًا للضعفاء، وملاذًا للمكروبين.
أحب الله فأحب لقاءه، فرحل جسدًا، وبقي ذكره الطيب وسيرته العطرة ومآثره الخالدة. وبفقده انطلقت دعوات الأمهات من كل بيت، وتعالت أكف المصلين في كل مسجد، وارتفعت دعوات المقاتلين في ملكوت السماء، تسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يرفع درجاته في عليين.
ومات يحيى… لتحيا العقيدة، وتحيا تهامة.
ودفنوا الجسد، ولكنهم لن يدفنوا القضية التهامية التي كان يحملها في قلبه، ويذود عنها بروحه ودمه، ولن يواروا تحت التراب المبادئ التي عاش من أجلها، فالقضايا العادلة لا تموت برحيل أصحابها، وإنما يزداد وهجها بدمائهم الزكية.
سلامٌ على يحيى وحيش يوم حمل السلاح مدافعًا عن دينه وأرضه، ويوم جاد بروحه شهيدًا، ويوم يُبعث حيًّا.
نم قرير العين أيها القائد الفارس، فقد كتبت اسمك بحروفٍ من نورٍ في ذاكرة تهامة، وفي سجل الخالدين من الرجال، وستظل سيرتك أنشودة وفاء، وراية عز، وقصة مجد تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.
رحم الله الشهيد القائد العميد الركن يحيى وحيش، ورحم رفيقه البطل عبدالكريم الشامي، وجعل دماءهما نورًا يهدي الأحرار، ومنارًا يوقظ الهمم، وجزاهما عن تهامة والوطن خير الجزاء..
منشور برس موقع اخباري حر