نائب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني _ أ.د. محمد أحمد علي المخلافي
«صحيفة الثوري» – (دراسة):
أ.د. محمد أحمد علي المخلافي
مدخل:
لقد حقق المشروع الإيراني التدميري عن طريق الحركة الحوثية العنصرية غايته وتدمير كل ما أنجز في القرن العشرين في اليمن، وتشريد الملايين في الداخل والخارج، وتحطيم البنية التحتية، وأعيد بالأجيال الحالية إلى زمن الخرافة والاستسلام الذي زاد من تأثيره الفقر والبطالة التي جعلت الطبقات الفقيرة وقودًا للحرب وخارج التعليم والتطبيب، وبذلك فقدت ثورتي سبتمبر واكتوبر منجزاتهما، وفقد اليسار منجزات نضاله في تحقيق بعض من العدالة الاجتماعية.
لقد أدت الحرب التي أشعلتها مليشيات الحوثي وبدعم إيران في اليمن إلى تدهور حاد وغير مسبوق ترتب عليها صيرورة 80% من السكان تحت خط الفقر ويحتاجون إلى مساعدات إنسانية، ويعاني ما يقرب من نصف السكان من شح الغذاء والجوع، وشرد ما يقرب من خمسة ملايين إنسان في الداخل والخارج بفعل استمرار الحرب لأكثر من 11 سنة والتي يغذي استمرارها التدخل الخارجي والانقسامات السياسية الحادة وتعدد الأطراف المسلحة الممولة والمسلحة من الخارج وخاصة مليشيات الحوثي غير القابلة للتعايش، وتقودها حركة عائلية صنعتها إيران ابتداءً وانتهاءً.
لقد أحلت الحركة الحوثية اقتصاد الحرب محل الاقتصاد الوطني وتوقفت التنمية، الأمر الذي ترتب عليه فقدان أي مستوى عادل لتوزيع الموارد والثروات، وتمكن أمراء الحرب في الحركة من احتكار سلطات الأمر الواقع والثروة، مما زاد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وبين المدن والأرياف، وأجبر الفقراء لأن يجعلوا من أبنائهم وقودًا للحرب بما في ذلك التجنيد الواسع للأطفال، وبالتالي فُقد الحد الأدنى من تكافؤ الفرص في مجال التعليم والتطبيب، وفقد التعليم جودته بصورة مطلقة خاصة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، وصار في هذه المناطق أكثر من مليوني طفل سنويًا خارج التعليم، ودمرت العملية التعليمية بأكثر من طريقة، مثل استبدال المناهج الحديثة بتعليم تقليدي، وحرمان المعلمين وأساتذة الجامعات ومراكز الأبحاث من المرتبات، وفقد النظام الصحي في هذه المناطق كل مقوماته، وإمعانًا في حرمان المجتمع من كل إمكانية للعيش شن الحوثي حملات اعتقالات استهدفت من يقومون بجهود أساسية لخدمة المجتمع شملت العاملين في مجال حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية، والتنمية، والتعليم وبناء السلام، لأن الفقر والبطالة يحققان مصالح المليشيا بتغذية الصراع بالمقاتلين وتشمل الاعتقالات كل العاملين في مجال الإغاثة وحقوق الانسان، بما في ذلك العاملين في منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية المحلية والخارجية.
ترتكب ميلشيات الحوثي كل الجرائم الجسيمة، بما في ذلك، جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومصادرة الحريات واعتقال والإخفاء القسري لكل معارض، بما في ذلك، الصحفيون والنساء ويستخدم العنف الجنسي ضد النساء في السجون لدوافع سياسية أو للتربح، ولأول مرة في اليمن يوجد جهاز خاص لممارسة العنف ضد المرأة، هو جهاز الزينبيات، وحُرم المواطن اليمني الواقع في مناطق سيطرة الحوثي من كافة حقوق الانسان المدنية، بالاعتداء على الحق في الحياة والقتل العمد وتفجير المنازل والإخفاء القسري والتعذيب، وتُحرم المرأة من حق التنقل بصفة خاصة، اذ لا يمكن للمرأة الانتقال إلا بموافقة رجل من محارمها، وحُرم المواطن أيضًا من الحقوق السياسية ويشمل ذلك الحرمان من حق التنظيم والتجمع وحرية الرأي والتعبير، وحُرم المواطن اليمني من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بحرمان المواطنين من الحق في العمل أو العمل دون أجر مثل الاستيلاء على رواتب موظفي الدولة وعلى الأموال العامة والخاصة.
تحاول هذه الورقة أن تلفت الانتباه إلى أن مساعي السلام ومنها ما تسمى بخارطة الطريق منفصلة عن الواقع؛ لأنها لن تحقق السلام لغياب شروطه، وفي المقدمة، عدم أهلية الحركة الحوثية للسلام، والمتمردين الحوثيين غير مؤهلين للسلام في الوقت الراهن بالمطلق، فحركة الحوثي ليست مؤهلة بالمطلق للسلام إذا لم تجبر عليه أو يصير ضرورة لها؛ ومرد ذلك أسباب كثيرة ولعل أهمها: السبب الإيديولوجي المتمثل في عقيدة الاصطفاء الإلهي والحق في الحكم دون سائر البشر، السلطة المطلقة التي تمارسها الجماعة في المناطق التي تسيطر عليها منذ أكثر من ثمان سنوات، ومن ذلك العاصمة صنعاء، واستخدام العنف المفرط ضد السكان، واستحداث أجهزة عنف، بما في ذلك، جهاز عنف خاص ضد المرأة، وهي أجهزة تعمل خارج القانون دون رادع من الأخلاق أو القانون أو الدين ودون ضغط حقيقي محلي أو دولي، وثالث هذه الأسباب التمكن في ظل الحرب من استخدام اقتصاد الحرب، والاستيلاء على الأموال العامة والخاصة والسوق السوداء والتربح لصالح قيادات المليشيات وعلى أسس سلالية، ولهذه الأسباب وغيرها صارت الجماعة المتمردة قوة قاهرة في المجتمع لا بد من أن تزول بتحقيق السلام الدائم والمستدام؛ وهذا لن يتحقق مالم تحظ السلطة الشرعية بدعم الأسرة الدولية لتحقيق الأمن والسلام الدوليين ومالم يبذل التحالف العربي الدعم اللازم لتسليح الجيش الوطني والذي منع على السلطة الشرعية شراء أسلحة ولم يُمكن السلطة الشرعية من امتلاك طيران حربي ولا مدفعية حديثة ولا صواريخ دقيقة ولا سفن ولا غواصات بحرية، الأمر الذي يستوجب إنجاز هذه المهمة بالاعتماد على الذات والسعي لدى الأشقاء والأصدقاء للحصول على الدعم في السلاح المتقدم، وذلك حتى تتسلح السلطة الشرعية بالقدرات الفعلية لإنهاء المشروع الامامي والمشاريع الإقليمية الأخرى وعلى رأسها مشروع الطموح الإيراني في استعمار اليمن واستعادة مؤسسات الدولة وسيادة القانون على كل الأرض اليمنية وتمكين الحكومة اليمنية من استقلال وسيادة اليمن وسلامة أراضيه.
حركة أصولية متطرفة:
كان عام 2011 فاتحة تاريخ جديد لليمن بإحداث انتقال ديمقراطي سلمي وإقامة دولة مدنية حديثة قوامها المواطنة والديمقراطية وحقوق الانسان وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية وتحديث الدولة والمجتمع.
وكاد اليمنيون أن يتجاوزوا التعثر بإنجاز مهام الفترة الانتقالية خلال الأعوام 2012-2014، من خلال نجاح مؤتمر الحوار الوطني الشامل، والبدء بخطوات تحقيق ما تبقى من مهماتها بإعداد مسوَّدة الدستور على ضوء المبادئ والأسس التي وضعها مؤتمر الحوار الوطني، وكانت الخطوة الثانية طرح مسوَّدة الدستور للنقاش، والاستفتاء عليه من الشعب، ثم وضع التشريعات اللازمة للانتقال إلى الدولة الاتحادية وإجراء الانتخابات العامة: الرئاسية والنيابية. وأمام هذا التحول أنتقلت قوى الثورة المضادة المتمثلة في تحالف الحركة الأصولية المتطرفة الحوثية من أعمال التخريب وضرب المنشآت والمصالح الحيوية، خاصة منشآت الطاقة، إلى التمرد الشامل وإخراج اليمن من العملية الانتقالية للعودة إلى مرحلة الصراع والعنف والحروب التي لم تتوقف حتى الآن، وأظهرت الثورة المضادة تحالفات ومقاصد جديدة سلالية وطائفية ومذهبية ومناطقية مدعومة بأموال وسلاح النظام الإيراني الذي يستهدف اليمن، في سياق استهداف الأمة العربية، بالانقلاب على العملية السياسية والسلطة الشرعية، وذلك باجتياح العاصمة صنعاء بالمليشيات المسلحة في 21 سبتمبر 2014م، وبرز ذلك التحالف بصورة أوضح في الطور الثاني من الانقلاب، من خلال الاستيلاء على كل مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء، ووضع رئيس الجمهورية والحكومة قيد الإقامة الجبرية، وذلك بتاريخ 19 يناير 2015م، وإشعال حرب أهلية في كل أرجاء الوطن.
يقوم تحالف الثورة المضادة على عوامل من شأنها أن تمزق النسيج الاجتماعي اليمني، بمسعى طائفة السيطرة على الشعب والعودة بحكم اليمن إلى القرون الوسطى، ومن تلك العوامل ما يهدد أمن الإقليم واستقراره والسلام والأمن الدوليين، إذ تقوم الحركة الحوثية على أيديولوجيا طائفية تتكون من عناصر معقدة تتمثل في التمييز: العرقي والمذهبي والجغرافي، وهي الأيديولوجية التي مكنت هذه الحركة الأصولية المتطرفة من تحويل الجزء الأكبر من الجيش والأمن إلى مليشيات (خاصة الحرس الجمهوري والأمن المركزي)، والدفع بهم للاستيلاء على محافظات تستهدفها أيديولوجية التمييز، وهي محافظات لا تعد حاضنة لهذه الحركة، وتمثل الغالبية العظمى من سكان اليمن: الشرق والجنوب والغرب والوسط، علاوة على عدم قبول الغالبية من مواطني شمال الشمال للتمييز العرقي، لكنهم وضعوا رهائن في قبضة المليشيات.
لقد ساق الانقلابيون شباب أنصارهم وأطفالهم إلى الموت، للانتصار للأموات، وزجوا بالضحايا في ظروف تؤدي إلى هلاكهم وقتلهم، وهو ما أدى فعلًا إلى هلاك الكثير من الشباب والنساء والأطفال وقتلهم، ثارًا للأموات (علي بن أبي طالب وأولاده) الذين غادروا الحياة قبل ما يقرب من 14 قرناً، أو انتقامًا من الأموات (معاوية ومن معه). هل يؤدي قتل الأحياء إلى انتصار الأموات والثأر من أموات آخرين؟ بالتأكيد لا، إنها الخرافة، بيد أنها خرافة تستخدمها أقلية قليلة من الشعب اليمني- عائلة الحوثي، لاحتكار السلطة والثروة، بدعاوى التفوق العرقي والجغرافي ووهم النسب، لكنها خرافة قتلت ما يقرب من ثلاث مائة وخمسون ألف وجرحت مئات الآلاف من أبناء الشعب، وهم من أبناء الفقراء البسطاء – القاتل والمقتول، إذ بالخرافة يجري التحكم بالقاتل المعتدي، واستباحة دم المقتول ضحية العدوان، حتى أنهم حولوا أبناء الفقراء المؤمنين بالخرافة إلى أدوات للموت، لا قيمة لهم إلا باستخدام أجسادهم للموت والحرب والدمار، وذلك كله منع تحقق طموح اليمنيين في التغيير والإصلاح، الذي صار واقعياً بإنجاز مهام الفترة الانتقالية بإعداد الدستور والاستفتاء عليه، وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية طبقًا للدستور الجديد، وتكليف الرئيس الانتقالي لرئيس الحزب الحاصل على العدد الأكبر من الأصوات بتشكيل الحكومة، وانتهاء ولاية الرئيس الانتقالي بتنصيب الرئيس المنتخب طبقًا للدستور الجديد. وبهذا تمكنت الحركة الحوثية الرجعية من إيقاف مشروع بناء الدولة بالعنف والإرهاب، واستهل ذلك بمنع اجتماع الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار الوطني الذي كان مخصصًا لتسلُّم مسوَّدة الدستور وتدشين مناقشته، وكانت هذه الخطوة اغتصابًا للسلطة بوضع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وعدد من الوزراء تحت الإقامة الجبرية، وكان ذلك سلوكًا واضحًا يحمل سمات تنظيم ما قبل الدولة تنظيم ارهابي، ومن خصائصه عدم الاكتراث بوحدة الدولة وسلامة أراضيها.
شنت الحركة وحلفائها الحرب الشاملة على اليمنيين باستخدام الوسائل غير الإنسانية – والقصف العشوائي للأحياء السكنية، وتدمير الأعيان الثقافية و الأساسيات الضرورية للحياة التي لا يجوز المساس بها ومنها الكهرباء والمياه والطواقم الطبية، وحرمان سكان المحافظات من مقومات الحياة لإيجاد حالة تجعل إمكانية حل القضية الجنوبية كمدخل لحل القضية اليمنية، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل أمرًا لا يتأتى تحقيقه بفعل ذلك السلوك، وغرس كراهية ونوازع سلالية وجهوية وطائفية مذهبية يكون من العسير في المستقبل تجاوزها ومن غير الميسور إزالة آثارها الاجتماعية والنفسية عند إنهاء التمرد، بإعطاء الحرب طابع لا إنساني وجعلها بشعة وقذرة والحرص على إظهارها وكأنها حرب بين الشمال والجنوب، وأستخدم السلوك الإجرامي نفسه ضد تعز وسكانها كما حدث في عدن ولحج والضالع، وهو الأمر الذي أثر كثيرًا في مقومات الوحدة الوطنية والوحدة اليمنية، والذي كان قد استوجب أن يكرس الجزء الأهم من مخرجات الحوار الوطني لمعالجة القضية الجنوبية، ومن ذلك تغيير شكل الدولة من الدولة البسيطة الى دولة مركبة، لكن مليشيات الحوثي كعصابات محاربة ما كان لها ان تطبق قواعد الحرب القانونية ولا تنطبق عليها، ويقودها تحالف عائلي كهنوتي تلعب فيه التنظيمات الإرهابية دور حليف الحاضر والمستقبل، وتعمل لحسابها ولحساب التحالف العائلي الكهنوتي معًا. لكن هذه الصفة لا تغير من طبيعة المساءلة على الجرائم التي ارتكبها التحالف العائلي في كل أرجاء اليمن، وخاصة ضد سكان مدينتي عدن وتعز، وعلى الأخص جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
لقد أدت عدة عوامل لتنفيذ الثورة المضادة من قبل عصابات الحوثي المحاربة، وزج البلاد في حرب أهلية، وأهم تلك العوامل:
1- موقف الخذلان الذي مارسته القوى الداعمة لثورة 11 فبراير- قوى التغيير- اللقاء المشترك وشركاؤه.
2- عدم نقل السلطة والحفاظ على مكونات الجيش والأمن بأوضاعها السابقة خاصة الحرس الجمهوري والأمن المركزي.
لقد كان الخيار المجتمعي بعد مؤتمر الحوار الوطني الشامل لإقامة دولة القانون والمواطنة – الدولة المدنية الحديثة، دولة الحق والقانون، أكثر تبلورًا من خلال المؤتمر الوطني الجامع والوثيقة النهائية التي صدرت عنه، وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي عُقد بتاريخ 18 مارس 2013، واختتم أعماله بتاريخ 25 يناير 2014، وما كان بالإمكان إيقاف هذه الإرادة المجتمعية الواسعة إلا بحرب همجية أدت إلى انقسام سياسي واجتماعي أكثر حدة من حرب 1994، لأنها قامت على أساس عنصري غير موارب وجمعت عناصر الحركة النازية والفاشية معًا. ومنذ اندلاع حرب 2014م تمزَّقت الدولة ومعها المجتمع إلى قطع متناثرة لا جامع بينها الا الهُوية اليمنية والرفض لتبعية إيران.
انطلقت العصابات المقاتلة من صنعاء نحو عدن تتقدمهم مليشيات الحوثي باعتبارها تنظيمًا جهاديًّا مُتشيّعًا، يسير من خلفها الجيش الذي لم يعُد جيشًا وإنَّما مليشيات؛ لأنها تقاد من قيادة غير شرعية وخارجة على القانون وترتكب في نظر الدستور والقانون جريمة مواجهة الشرعية الدستورية والدولة الممثلة في رئيسها. كما أن إدعاء عبدالملك الحوثي حق الحكم باسم سلالة والربط الكلي بين الدين والولاية وتكفير كل من لم يقبل بولايته وبالاصطفاء السلالي لولاية الحكم، قد جعل حرب 2014 ضد كل اليمنيين المناهضين لولاية السلالة، فشمل التكفير الغالبية العظمى من المناطق اليمنية ومن سكان اليمن، مما جعل الانقسام أكثر حِدَّة ووفَّر فرصة جديدة للتنظيمات الجهادية السنية للاستقطاب، والعمل العلني في كثير من مناطق الوسط والجنوب، والاختلاط بالمقاومة للتمرد، ومن ثم صار الانقسام طائفياً عقائدياً وسلالياً وجغرافياً، ووفقا لمبدأ التَّقِيَّة، يباح الخداع والكذب والتضليل والسرقة وكل رذائل الدنيا، وهو مبدأ تعتنقه التنظيمات الجهادية السنية والشيعية، علاوة على أن الحوثيين قد أخذوا عن الشيعة مبادئ باطنية، لأنهم أصبحوا من أتباع المذهب الشيعي الأثني عشري الإيراني، والذي أستحدثه إسماعيل شاه الصفوي، التركي القومية، السني المذهب، حفيد شيخ طريقة الصوفية الجيلانية، أي أنه مذهب كان لوجوده واستمراره دوافع سياسية بامتياز، ويعتمد على الذرائعية والأساطير والخرافات الدينية، فلم يخفِ عبدالملك الحوثي أن حرب أتباعه، الذين أطلق عليهم السياسيون من أبناء صنعاء المتحوثين مسمى (أنصار الله)، من أجل هُوية عقائدية حسب مصطلحهم، هي الهُوية الدينية المذهبية – السلالية، كما لم يخفِ رغبته في تفكيك الدولة والشعب اليمني، عندما طلبت منه أحزاب اللقاء المشترك عدم التهور والطيش بالدفع بمليشياته نحو المحافظات الأخرى، ونبهته إلى خطر غزو الجنوب خصوصًا، إذ أن مثل هذا التصرف سوف يدفع اليمن إلى حرب أهلية تمزق الوطن، وقد تكون النتيجة تقسيم اليمن ليس إلى شمال وجنوب فحسب، وإنما إلى دويلات متعددة في الشمال والجنوب، فكان رده عبر أحد أمناء العموم المقرب منه، بأن أنصار الله سوف يذهبون للسيطرة على كل المحافظات، ولا تهمهم المخاطر التي نبه اللقاء المشترك إليها. ولأن دوافع الحرب ليست داخلية فقط، بل واقليمية من حيث أن الرغبة الإيرانية كانت جامحة لشن حروب التوسع في المنطقة لكي يكون لديها أوراق مساومة مع دول المنطقة والعالم، أظهر الحوثيون وإيران من خلفهم تصميمهم على التمرد وغزو كل المحافظات دافعين اليمن كله إلى حرب أهلية، وهي الحرب التي استدعت تدخل دول الجوار العربية، ورفض الحوثيون -برعونة- دعوات المفاوضات، عبر تكريس سلطتهم عشية استيلائهم على صنعاء وبدوا منزعجين من قرار الأمم المتحدة الذي يحثهم على الرجوع عن أعمالهم.
وبعد إحكام مليشيات الحوثي القبضة على صنعاء العاصمة، قبل أنصار الله العودة إلى الحوار تكتيكيًّا، وتم توقيع اتفاق السلم والشراكة فقط لمجرد كسب الوقت وغزو المحافظات الأخرى، وتشكلت حكومة جديدة بالتوافق بين الأحزاب والحوثي، فأتت بلا حول ولا قوة، تعمل تحت رحمة المليشيات، وما أن مرت أيام معدودات على عمل الحكومة حتى بدأ اسقاط مؤسسات الدولة وفرض سلطة خارج القانون باستيلاء المليشيات على قرارات الوزارات والمؤسسات من خلال تعيين مشرفين عليها من المليشيات، وقاموا بسحب الأختام، والإطلاع على ما يتم في كل وزارة ومؤسسة من قرارات أو إجراءات، وفي حالة عدم قبول المشرف بما يقرره الوزير يمتنع المشرف عن الختم، أو يمنع التنفيذ بالقوة إذا كان الإجراء داخليًّا، فقبل بهذا الإجراء بعض الوزراء وأصبحت الوزارات تعمل خارج القانون، ورفضها بعض الوزراء هذه التصرفات الخارجة على الدستور والقانون، ولم يعودوا قادرين على الدوام في مكاتبهم، وهنا بدأت عملية السطو على الدولة وتغييب القانون بصورة كلية وبفجاجة دون مواربة، وعمَّ منهج التحكم بعمل أجهزة الدولة من خارجها وعبر المشرفين على كل الأجهزة المركزية والمحلية، وحتى بعد أن سيطرت المليشيات على أجهزة الدولة مباشرة في العاصمة وعدد كبير من المحافظات، وبعد تشكيل المتمردين حكومة خاصة بهم، ظلت سلطة حكومة المتمردين شكلية، وأدار أجهزة الدولة مشرفون خاضعون للمشرف الأول عبدالملك الحوثي وأفراد عائلته، وأستمر الأمر على هذا المنوال حتى بعد أن تم شغل كل المناصب العليا والوسطى على أساس سلالي، وصارت الأجهزة المتحكمة أجهزة مستحدثة بقيادة المشرف الأول، وهي أجهزة عنف خارج القانون، ويشمل ذلك العنف الجنسي، وأهم هذه الأجهزة: جهاز الاستخبارات المسمى جهاز الأمن الوقائي، وشبكة العنف الجنسي المكونة من جهاز الزينبيات بالشراكة مع أجهزة القمع الأخرى كوزارة الداخلية وجهاز الأمن الوقائي ومجلس القضاء والنيابات والمحاكم تحت إشراف قيادات الجماعة وعلى رأسها زعيمها ورئيس المجلس السياسي، ويقود هذه الشبكة جهاز البحث الجنائي، وقد أتاح إنعدام سيادة القانون في ظل سلطة الغلبة بالقوة، عمليات التربح وانتشار الرشوة والإثراء غير المشروع للقائمين على أجهزة العنف، ومعها أجهزة مستحدثة أخرى لهذا الغرض أهمها جهاز سُمي الحارس القضائي الذي يتم عن طريقه الاستيلاء على الأموال الخاصة.
وهكذا اسقطت حرب 2014 من قبل عصابات محاربة كل مظاهر الدولة، وأشاعت سلوك فرض سلطة الأمر الواقع بالقوة والغلبة في المحافظات التي تقع تحت سيطرة مليشيات الحوثي، أو التي خرجت منها، إذ صار حكم المليشيات المسلحة سائدًا البلاد وسادت نشاطات اقتصاد الحرب كالتهريب والسوق السوداء، وحتى تهريب السلاح والمخدرات من قبل عصابات الحوثي المحاربة.
وأدت حرب 2014 إلى إشاعة قيم مذمومة من منظور القيم الوطنية، مثل الهُوية والولاء والشرف…، فقد أشاعت الحرب بالوكالة عن إيران، وإعلان التبعية للخارج دون مواربة، فجاهر الحوثي بتبعيته لإيران اقتداءً بأحزاب دينية شيعية عربية، وأصبح مرشد الشيعة في إيران صاحب الولاية المصطفى من الله لحكم العالم العربي، وتمثله الأجنحة العسكرية لإيران في هذه البلدان، ويمثِّله في اليمن الحوثي ومعه ميليشياته الطائفية وجناحه السياسي (أنصار الله)، فيحاربون أهل اليمن وجيرانها بالإنابة عن إيران، وكان بدرالدين الحوثي (والد زعيم ميليشيا الحوثي) قد أدى البيعة لمرشد إيران علي خامئني عام 1994 باعتباره صاحب الولاية، أي ولي أمر المسلمين في العالم، وجدد أبنه البيعة لمرشد إيران عام 2019، برسالة يعلن فيها عبدالملك الحوثي ولاية علي خامئني وتبعية الحوثيين له، وذلك في شهر أغسطس 2019، ومنذ عام 1994م بدأت إيران بتدريب العصابات المحاربة للحركة الحوثية، وبذلك يكون نظام إيران صانع هذه الحركة الأصولية المتطرفة والعنصرية.
حركة عنصرية:
العنصرية هي عقيدة الحوثي وحركته السياسية والايديولوجية، ويضع الحوثي العوائق أمام السلام، بادِّعاء الحق الإلهي في التفرُّد بالحكم – أي الولاية الموروثة سُلاليًّا من آل إبراهيم وبني هاشم، ولا ولاية عليه إلا للمرشد الإيراني الذي ينتمي حسب زعمهم إلى السلالة، مع أن المرشدين في أيران لا علاقة لهم بالأصل العربي، ومقابل الكرم الحوثي بالإقرار إنتقال الولاية من علي بن أبي طالب إلى المرشد الإيراني، أعترفت إيران بولاية الحوثي على اليمن – الموروث الفارسي، وذلك باعتماد سفير للحوثي باسم اليمن لدى جمهورية إيران الإسلامية، باعتبار الحوثي وكيلًا عن إيران، ويقاتل بالنيابة عنها. وإلى جانب إدعاء التمييز والاصطفاء الإلهي، يعمل الحوثي من خلال إعلامه ومدرسته ومسجده لتعميق الانقسامات الطائفية والسلالية، بل أنتقل إلى إصدار المراسيم لاستيلاء السلالة على المال العام والخاص والإعلام العام والوظيفة العامة ومن أمثلة ذلك إصدار قرار مزعوم من ما يسمى رئيس المجلس السياسي الأعلى رقم 48 لسنة 2020 بشأن اللائحة التنفيذية لقانون الزكاة رقم 2 لسنة 1999 وتعديلاته، ونصت المادة 48 من اللائحة حول مصارف ما يجب في الركاز والمعادن على ما يلي:
– سهم الرسول، وهو لولي الأمر وله حرية التصرف في هذا المال، وولي الأمر بالضرورة من بني هاشم.
– لذوي القربى من بني هاشم.
– ليتامى المسلمين بمن فيهم يتامى بني هاشم.
– مساكين المسلمين بمن فيهم مساكين بني هاشم.
– ابن السبيل من بني هاشم.
والأخطر في هذا الأمر هو التمييز العنصري لبني هاشم واعتبارهم ليسوا من اليمنيين.
إن ما ينبغي أن يدعو إلى الذهول والرفض، وخاصة من الأحزاب الاشتراكية في العالم، إصدار الحركة الحوثية في القرن الواحد والعشرين إعلان رسمي بالتمييز العنصري في اليمن، واعتبار المنتسبين إلى سلالة الهاشميين جماعة مميزة عن سائر اليمنيين، وسلخهم عن المواطنة اليمنية وعن انتمائهم الوطني كمواطنين يمنيين ومن كونهم جزءًا من النسيج الاجتماعي اليمني، وذلك بإصدار ما يسمى بالمجلس السياسي لائحة تشريعية سميت باللائحة التنفيذية لقانون الزكاة، وهي لائحة ليست صادرة عن سلطة دستورية شرعية معترف بها في الداخل والخارج، ومن ثم فهي معدومة المشروعية القانونية، وتُظهِر التجارب السابقة، بما في ذلك تجارب اليمن، أنه لا يمكن للمجتمع أن يسمح بالتمييز العنصري خصوصًا واللامساواة عمومًا، إذ سيترتب على إعلان التمييز العنصري بوثيقة رسمية آثار سياسية واجتماعية خطيرة منها ما يلي:
– سوف يقود هذا التمييز العنصري على أساس الأصل السلالي (العرقي) إلى تحريض كافة فئات المجتمع اليمني وطبقاته ضد من يُنسبون للهاشميين بجريرة حماقة ارتكبها بعضهم.
– يترتب على هذا التمييز العنصري فقدان الأمل بإمكانية تحقيق سلام شامل ومستدام في اليمن دون القضاء على التمرد، وجعل الحوثي غير أهل لتحقيق السلام.
– سيجعل الحرب الدائرة رحاها في اليمن تتسم بوحشية أكبر بسبب الإعلان الرسمي لأحد أطرافها عن اعتماد التمييز العنصري.
أصدرت جماعة أنصار الله الحوثية، بعد استيلائها على كل عوائد الدولة ومقدراتها والدخل الوطني بكامله وفرض أعمال السخرة على موظفي الدولة، ما أسمتها (مدونة السلوك الوظيفي وأخلاقيات العمل في وحدات الخدمة العامة) وذلك في نوفمبر 2022م وباسم وزارة منتحلة – الخدمة المدنية والتأمينات، لم تكتفِ الحركة الحوثية (أنصار الله) بفرض أعمال السخرة على موظفي الدولة الذين ظلوا في أعمالهم على أمل أن يرفع هذا الكابوس عن اليمن وعن كاهلهم، بل أمعنوا بالاستبداد بالموظف العام بإصدار مدونة تفرض على الموظفين الإعلان عما يخالف ضمائرهم بالتقيد بتعليمات وأوامر قيادة الجماعة الحوثية وما يصدر عنها، والمماهاة بين إرادة قادتهم وإرادة الله، وإجبار الموظف على القبول بالتخلي عن هُويته اليمنية العربية واستبدالها بـ”الهُوية الإيمانية” للجماعة، والقبول بالطائفية واعتناق مذهب الجماعة الأثنى عشري، لكن الواقع أظهر لحركة أنصار الله الحوثية أن روح المقاومة لازالت حية في اليمنيين الساكنين في مناطق سيطرة الحركة، إذ أتت ردة الفعل رافضة وشملت حتى أعضاء في الحركة، غير أن جهل هذه الجماعة يجعلها لا تستوعب أثر المقاومة السلمية عليها في المستقبل القريب، إذ كان ردها ليس الا…
منشور برس موقع اخباري حر