ضع اعلانك هنا

حينما يبحث اليمني عن ظله المنسي …

بروفيسور قاسم المحبشي …

لا ظل بلا جسم، فحينما يحضر الشخص أو الكيان الحسي يحضره ظلّه. فالظّل والجسم متلازمان في الضوء والنهار ولا ينفصلان إلا حينما يسود الظلام. إذ يقع الظل من جانب شيء ما مواجهًا لمصدر الضوء. وإذا كان مصدر الضوء أصغر من الجسم الحاجز، يكون الظل متساوي العتمة. أما المصدر الواسع للضوء فيعكس ظلاً قاتم المركز يسمى الظل الكامل. ويحاط الظل الكامل بمنطقة أقل قتامة تسمى الظل المشعشع. ويكون الظل قاتمًا لأن الشيء يحجز كل الضوء الموجَّه نحو السطح. فأين يمكن العثور عن الظّل إذ غاب الجسم الذي يمنح الظلّ كينونته وحدوده. منذ أن أهداني الروائي الواعد حميد الرقيمي روايته الأولى الظل المنسي وأنا أبحث في المعنى والدلالة ” رهبة خبيثة تقف في عيني، لا أعرف هل ألوم نفسي، أم بلدي، أم السجّان، أم هذه الجدران الملطّخة بالموت؟ كلنا ضحايا .. احياناً نفقد إيماننا.. يتصاعد سخطنا من كل شيءٍ ، هل الله يراقب هذا كله بصمت، هل سيمد يده وينتشلنا من هذا الجحيم، وهل هناك جحيم أكثر من هذا؟ تأتينا هذه الأسئلة المخيفة ونحن في ذروة الألم، نرجو الله يدا تسلبنا الحياة ، بدا تعيدنا سيرتنا الأولى، لا نريد انتقاما من أحد، نريد فقط نهاية لهذا كله.. أن نقف من جديد وكل شيء في طي النسيان .. نطلب من الله المغفرة، وما أن نهدأ بالتوبة حتى تعود الوحوش من جديد، تدهس على قلوبنا ونعاود المناجاة والرجاء والتساؤلات الخفية” ص ٦٤
استوقفتني هذه الزفرة الحارقة التي جاءت في قلب الظل المنسي كضخرة في وجه الوجع الذي لا يطاق. إنها صرخة الضعف الإنساني في لحظة انسداد الآفاق والحصار المطبق الموغل في وحشيته وظلامه الوبيل. لعل صورة اليمن الآن وما تعيشه من اختناق لم يشهد له التاريخ مثيل. لا شيء غير الله ينقذنا. ففي لحظة احتدام الموت والوجع والفجيعة يبوح الكائن بحقيقة
ضعفه الإنساني وآهات عذاباته الرهيبة حتى تمنى الغياب والنسيان واليأس هو ركة القدم الأخيرة التي يوجهها الموجوع للبؤس والضياع.

فكيف يمكن قراءة رواية ولدت لتوها وفي حضور صاحبها؟ وهل يحتاج القاري الناقد إلى قراءة نظريات السرد الروائي المدونة في تاريخ النقد الأدبي؟ ومنها؛ الأسلوبية والانطباعية والشكلانية والواقعية والموضوعية والسيميائية والفنومولوجية والتأويلية والتفكيكية . الخ. يُجيل لي أن هدف القارئ هو وضع الرواية على مجمرة المعنى! والكشف عن الرسالة الظاهرة والمضمرة في الرواية وتأويلها وكل قارئ لديه كامل الحرية بفهم الراوية وتأويلها كما يحب ويرضى. ولا سلطة ولا سلطان عليه يرغمه في قول قراءته للنص أو الخطاب المعني. الرسالة بمعناها الواسع البنيوي والأسلوب والجمالي والاجتماعي والثقافي والنفسي والفلسفي، فكل شيء في الرواية له معنى ودلالة( الشخوص واسمائها، اللغة وبناءها، والأمكنة وسياقاتها المتزامنة، الأحداث واحتدامها، المواقف واتجاهاتها) فلا شيء في الرواية خارج المعنى منذ العتبة العنوان وحتى الكلمة الأخيرة فيها. والسياق هو كامل الوسط الثقافي والاجتماعي الذي ولدت فيه الرواية ويحيط بها من كل الاتجاهات. وعلى عكس نظرية النص وموت المؤلف فإنني أرى أن الرواية هي خطاب أكثر من كونها مجرد نصًا ملقي على قارعة الطريق لمن أراد استنطاقه. ولا أدري كيف يمكن النظر إلى رواية ولدت لتوها وفي حضور صاحبها؟ إيعقل التعامل معها بوصفها نصاً فقط أم هي خطاب في نص. والنص هو كل كلام مكتوب ومدون تدوينًا يدويًا أو كمبيوترا رقميًا بغض النظر عن نوعية ومحتواه، سواء كان نصًا أدبيًا أو دينيًا أو علميًا أو فلسفيًا وهلمجرى. وهو بذلك يختلف عن الكلام الخطاب الشفاهي بوصفه محادثة مباشرة بحضور الصوت وناطقه إذ يشكّل الصوت المنطوق المسموع جوهر ومحور الثقافة الشفاهية لكن الصوت كحاسة إنسانية يحدث في الزمن مثله مثل كل الإحساسات الأخرى غير أنه يتميز بعلاقة خاصة مع الزمن، ذلك لأن الصوت لا يوجد إلا عندما يكون في طريقه إلى إنعدام الوجود، فليس ثمة طريقة لإيقاف الصوت وتثبيته، فيمكنك إيقاف آلة تصوير متحركة وتثبيت الصورة على الشاشة ولكن إذا أوقفت الصوت فلن يكون لديك شيء سوى الصمت فحسب. فالصوت يقاوم مقاومة كاملة محاولة التثبيت، بعكس البصر الذي يمكنه أن يسجل الحركة ولكنه أيضا يسجل السكون والصمت، بل أن البصر في الواقع يفضل السكون على الحركة فلكي نفحص شيئا عن قرب ببصرنا يستحسن أن نمسك به ساكناً. لكن الصوت وحده هو الذي لا نستطيع التعرف عليه إلا في حالة الحركة أي في لحظة ميلاده المباشر وانطلاقه الفوري من حنجرة المتكلم لكنه ما أن يتوقف حتى ينعدم ولا يترك أثراً مميزاً، وتلك هي خاصية الثقافة الشفاهية الصوتية بعكس ما هو عليه الحال في الثقافة الكتابية -اقصد ثقافة الكتابة والتدوين والتوثيق والنصوص _اذ تشكل الكلمات المكتوبة بقايا وآثار منقوشة أو مخطوطة في نصوص وعلامات ورموز تقاوم الزمن ونستطيع أن نقرأها أو نراها أو نلمسها في أي زمان ومكان بعد ميلادها وبعد موت صاحبه. الرواية خطاب حي وليس نصًا ميتاً. إذ يفترض الخطاب وجود سامع يتلقى هذا الخطاب ،بينما يتوجه النص إلى متلقي غائب. الخطاب نشاط تواصلي تفاعلي تبادلي بين فاعلين حاضرين وجها لوجه يتأسس- أولا وقبل كل شيء – على اللغة المنطوقة ولغة الجسد وحركات اليد وتوهج الانفعال. لخطاب متعدد المعاني، فهو وحدة تواصلية إبلاغية، ناتجة عن مخاطب معين وموجهة إلى مخاطب معين في مقام وسياق معينين يدرس ضمن ما يسمى الآن بـ “لسانيات الخطاب”. أنه فاعلية تواصلية يتحدد شكلها بواسطة غاية اجتماعية. أما النص فهو أيضا تواصل لساني مكتوب. وتبعا لهذا فإن الخطاب يتصل بالجانب التركيبي والنص بالجانب الخطي كما يتجلى لنا على الورق.
في رواية الظل المنسي استطاع الرواية حميد الرقيمي أن يوظف كل تقنيات السرد المعاصر للتعبير عن صوت اليمن المنسية وأوجاعها في عالم شديد الاضطراب والفوضى. عالم لم يحد فيه أحد ينصت إلى أحد. فقد حفلت الرواية بمجموعة من الاصوات والخطابات التي تعبر عن الشرائح الاجتماعية المختلفة، التي وجدت ذات وجها لوجه في ساحة المدينة المحطمة؛ اطفال ورجال من مختلف الاعمار ونساء ، أمهات واباء وحوارات واحداث وسجن وسجان واصدقاء واشقاء ورسائل وجوبات. الظل المنسى تعبيرا زاخرا باقصى معاني الشعور بالغربة والاغتراب والضياع في وضع تراجيدي عاشه بطل الرواية
وساردها. ” مضت نصف ساعة وأنا لم أتحرك من مكاني، طلب مي أحدهم أن أخلع المعطف حتى لا يتعب خطوات الشمس الحارقة، استجبت لهذا التعبير المجازي، وبينما أنا أخلعه قفزت من أحد جيوبه صورة قديمة أحملها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً “…. وجدتها على الأرض ولم ألحظ كل هذا التغيرُّ الذي حسبته فاصلاً يوليني اهتماماً كريماً، تحركت من مكاني لالتقاط الصورة التي وجدتها فرصة للحديث عنها، وقبل أن انتشلها من مكانها الذي تحول إلى قبلة أعينهم، انفجر صوت واحد بأيادٍ تشير إلى ذلك الصامت المنزوي على نفسه: “هذا أنت يا مصطفى” فأغمي عليه”
كان ذلك الزائر الغريب للمدينة التي كانت سعيدة ذات يوما بحسب الروايات ولكنه جاء اليها وقد اختفى كل شيء وتحولت إلا ركام وأنقاض، لم يعد أي شيئا واقفا هنا ولا ملامح تدل عليها. لا شخوص ولا ظلالات هنا. وحدها الصورة التي سقطت من جيب المعطف الذي كان يرتديه الزائر الغريب هي من فتحته باب التعرف على المدينة وأهلها. تلك هي صورة مصطفى بطل الرواية الذي كان يحملق في الفضاء بصمت حزين فأغمي عليه حينما عرف سمع صوت يقال له( هذا أنت يا مصطفى” فأغمي عليه” ولم ينهض بعدها ابدا.
وكما تمكن الرواية من توظيف الصورة الفوتغرافية في البنية السردية كذلك استلهم البردوني بوصفه عتبة النفاذ إلى المعنى والدلالة:

لأني دخــلتُ السجــن شهراً، ولــيلةً
خرجتُ، ولكن أصبح السجن داخلي
يالها من صورة ودلالة تلك التي يحملها هذا البيت الشعري الذي ثبته حميد الرقيمي في مستهل الرواية أنه يكشف عن المعنى السيكولوجي للحدث والذاكرة فليس بمقدور المرء التخلص من ذاكرته الموجوعة بالآلام والعذابات التي تركتها الحرب في اغوار النفس والضمير. وما أقسى التاريخ وحمله الثقيل حينما يكون تاريخا مثل هذا الذي تنقشه الحروب والخراب كل يوم في اليمن. وهذا هو المعنى العلمي لما قاله البردوني في البيت الشعري إذ حينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة، ولا تكمن مشكلة العنف في اضرار الواقعية المباشرة التي يحدثها في الاجساد والنفوس بمستويات مختلفة بما يتركه وينمّيه من أثار غائرة في القلوب والأذهان. وخطر موجات العنف الذي تفتك بالمجتمعات العربية الإسلامية اليوم بمختلف أنماطها واشدها قسوة وهمجية ووحشية منذ عقود تعد بكل المقاييس أسوأ كارثة اجتماعية إنسانية على الإطلاق.
رواية الظل المنسي للروائي الشاب حميد الرقيمي، رواية بارعة لخصت مأساة شعب كان عظيما في يوم من الأيام فاهلكته الشهوات والحروب والصراعات الداخلية والاستقطابات الاقليمية فغدى هباءا منثورا في مهب العواصف والرياح. الأجسام وظلالاتها فلا يمكنها الظهور والحضور الا في ضوء النهار أما في الظلام فتبدو جميع البقر سودا! والحنين وجع الذاكرة….

ضع اعلانك هنا