الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي…
تاريخ الإنسان هو، في جوهره، تاريخ علاقته بالأشياء. فمنذ اكتشاف النار وصناعة الأدوات الأولى، شكّلت التقنية وسيلة الإنسان لمواجهة الطبيعة وضمان البقاء. وعلى امتداد آلاف السنين، شهدت علاقة الإنسان بالأشياء تحولات جذرية، بينما ظلّت علاقة الإنسان بالإنسان أكثر ثباتاً في بنيتها العميقة، محكومة بمنطق القوة والصراع والمصلحة. لقد تغيّر العالم بفعل التقنية، لكن الإنسان في جوهر سلوكه لم يتغير بالقدر ذاته ومع الثورة الصناعية ثم الرقمية، بلغت التقنية ذروتها في إعادة تشكيل بيئة الحياة الإنسانية، إلى الحد الذي بات فيه العالم المعاصر عصياً على الفهم من دون التفكير الفلسفي. فالذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد أداة جديدة، بل تحولاً أنطولوجياً ومعرفياً يمسّ معنى الإنسان، وحدود الفعل البشري، وطبيعة العقل والعمل والمسؤولية.
وربما كانت الوظيفة الأساسية للفلسفة في عصر الذكاء الاصطناعي تتمثل في بحث وفهم الأسس التي يقوم عليها هذا التحول. إنها تُعنى أولاً بوضع الأطر الأخلاقية الناظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، من حيث العدالة، والخصوصية، والمساءلة، ومنع تحويل الإنسان إلى مجرد بيانات أو وظيفة قابلة للاستبدال هذا اولاً وثانياً، تسهم الفلسفة في تعميق فهمنا لطبيعة الوعي والإدراك، عبر التمييز بين الذكاء الحسابي والوعي الإنساني، وبين المحاكاة والفهم، بما يمنع الخلط بين قدرة الآلة على الإنجاز وقدرتها على المعنى. وثالثاً، تؤدي الفلسفة وظيفة توجيهية، عبر التفكير في الغايات لا في الوسائل فقط، أي في السؤال: لماذا نطوّر الذكاء الاصطناعي، ولصالح من، وبأي ثمن إنساني؟ كما تضطلع الفلسفة بوصفة الفكر الذي يفكر بدور حاسم في تنمية التفكير النقدي في مواجهة الانبهار التقني، وفي حماية الهوية الإنسانية من الذوبان في “الغلاف المعلوماتي” الذي يعيد تشكيل الواقع المعاصر. وهي، أخيراً، تفتح النقاش حول مستقبل العمل والعدالة الاجتماعية ومعنى الفعل الإنساني في عالم تتسارع فيه الأتمتة.
وباختصار يمكن القول إن الفلسفة في عصر الذكاء الاصطناعي تمثل ضميراً نقدياً للعصر، يذكّر بأن التقدم التقني، من دون وعي فلسفي، قد يتحول من أداة لتحرير الإنسان إلى آلية جديدة للهيمنة عليه. وهي بذلك ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً ضرورياً للحفاظ على إنسانية الإنسان في زمن الآلة الذكية..
منشور برس موقع اخباري حر