ضع اعلانك هنا

“تهامة لاتبحث عن منصب وزير.. بل شراكة”…

بقلم د/علي عفيفي الأهدل

تهامة ليست منصبَ وزيرٍ عابر، ولا كُرسيَّ محافظٍ مؤقّت، ولا
مكافأةً سياسية تُمنح في ممرات الصفقات، ثم تُسحب عند أول مفترق. تهامة أكبر من ذلك بكثير. تهامة استحقاقُ جهةٍ كاملة، لا تُقاس بحجم المنصب، بل بوزن الدور، ولا تُختزل في شخص، بل تتجسد في مشروع دولة.

تهامة ليست قضية أفرادٍ يتنقّلون بين أبواب الفنادق، يطرقونها بأكفّ الحاجة، ويقايضون كرامة الأرض بمقعدٍ هشٍّ أو لقبٍ بلا أثر. وليست ساحةً لمن امتهنوا السياسة بوصفها تسوّلاً ناعماً، ولا لمن جعلوا من «الحراك» سلّماً للمصلحة الشخصية، أو غطاءً للارتهان، أو يافطةً تُرفع حين تشتد الحاجة، وتُطوى عند أول راتب.

تهامة استحقاق سيادي، يبدأ من أعلى هرم الدولة، لا من هامشها. هي أهلٌ لأن تكون حاضرة في رئاسة الوزراء، وفي مجلس الرئاسة، وفي مجلس النواب، وفي مجلس الشورى، حضور شراكة لا حضور زينة، وصوت قرار لا صدى تابع. فالأرض التي قدّمت الرجال، ودفعت الثمن، وصبرت على الإقصاء، لا يليق بها أن تُدار بعقلية المنح، ولا أن تُختصر في مناصب استهلاكية.

المشكلة ليست في غياب الأسماء، بل في تديين الوعي، وتشويه البوصلة، وتحويل القضية من مشروع تحرر وعدالة إلى ملف وظائف. حين يصبح الراتب بديلاً عن الموقف، ويغدو القاتل ممولاً، ويتحوّل الجلاد إلى مرجع، فهنا لا تكون الخيانة حادثة، بل منهجاً. ومن يتقاضى أجره من جلاده، لا يملك حق الادعاء، ولا شرعية الخطاب، مهما علت نبرته، أو ازدانت عبارته.

تهامة لا تحتاج خطباء موسميين، ولا مناضلين عند الكاميرا، ولا ثوريين في بيانات الفيسبوك. تهامة تحتاج رجال دولة، ونساء دولة، بعقل استراتيجي، وضمير وطني، وإرادة لا تُشترى. تحتاج من يفهم أن القضية ليست «منصب اليوم»، بل «مكان الغد»؛ ليست صورة، بل مسار؛ ليست مكسباً شخصياً، بل عدالة تاريخية.

ولأن المقارنة تفضح الزيف، فإن استحضار الشيخ القائد، قائد الحراك والمقاومة التهامية، الشيخ المرحوم عبدالرحمن الحجري، ليس ترفاً عاطفياً، بل معياراً أخلاقياً. كان قائداً لا متسولاً، صاحب مشروع لا صاحب صفقة، وقف مع الناس لا فوقهم، وواجه الجلاد لا تفاوض معه على الفتات. لم يكن اسمه لافتة، بل كان فعله بوصلة، وصمته موقفاً، وقراره كلفةً دفعها بوعي وكرامة.

هكذا تُبنى القضايا، لا بالضجيج، بل بالثبات. لا بالارتهان، بل بالاستقلال. لا بالوظيفة، بل بالرؤية. وتهامة، بتاريخها وجغرافيتها ودمها، تستحق أن تُدار بعقل الدولة، لا بعقل السمسرة؛ بروح الشراكة، لا بعقدة التبعية؛ بمنطق الحق، لا بمنطق الاستجداء.

على أبناء تهامة أن يرتقوا بخطابهم، وأن يفرزوا صفوفهم، وأن يقولوا بوضوح: لسنا طلاب مناصب، نحن أصحاب حق. لسنا هامشاً في معادلة، نحن طرف أصيل فيها. لسنا رقماً يُستعمل، نحن جهة تُحترم.

هذه هي تهامة كما يجب أن تكون: قضية كبرى، واستحقاق دولة، ومشروع مستقبل. وكل ما دون ذلك… تقزيم ودوشنة ورقص، وخيانة للمعنى قبل أن تكون خيانة للأرض.

ضع اعلانك هنا