ضع اعلانك هنا

الحرية ومعناها في ندوة حوارية عبر TIKTOK …

البارحة كنت في ضيافة الصحفي هويد الكلدي المقيم في بريطانيا في بحث مباشر لأول مرة بالنسبة لي بتطبيق تيك توك وحوار مباشر مع جمهور واسع عن معنى الحرية ومداراتها العسيرة. على مدى ساعتين من الحادية عشر ليلا وحتى الواحدة صباحاً. كانت تجربة مثيرة وممتعة واليكم نص المحاضرة: فما الحرية؟

الحرية، تلك الكلمة المكتوبة على مركبة العواصف، كما يقول ألبير كامو، تظل من أكثر المفاهيم الفلسفية إشكالًا في تاريخ المعرفة الإنسانية. فهي من الكلمات المفهومية المجرّدة التي يُكثِر الناس من تداولها في كل زمان ومكان، دون امتلاك وعي حقيقي بدلالاتها وحدودها. بل إن كثرة المعاني والانفعالات التي يثيرها لفظ الحرية جعلته عرضة لسوء الفهم، ومصدرًا دائمًا للالتباس والغموض والتشوش.

فالحرية تحيل، في المخيال الفردي والجمعي، إلى التضحية والانطلاق والوثوب والتمرد والكفاح والاستقلال والإبداع، كما تحيل في الوقت ذاته إلى القلق والعاصفة والدم والعدالة وآمال الشعوب المعذبة. إنها الكلمة التي تُكتب في دفاتر التلاميذ، وعلى جدران السجون، وعلى جذوع الأشجار، وفي لوحات الفنانين، وفي وشم الشباب، وفي أحلام المنفيين. ولهذا فإن الإحساس بالدوار الذي ينتاب الباحث في مسألة الحرية يعود إلى هلامية المفهوم من جهة، وإلى غياب الخبرة التاريخية والاجتماعية التي تجعل الحرية ممارسة لا مجرد شعار.

وقد أدرك كبار الفلاسفة هذا الالتباس. فها هو هيغل يقرّ بأن لفظ الحرية «مبهم، غير محدد، عرضة لسوء فهم لا نهاية له». ويرى عبد الله العروي أن الحرية غير قابلة للحصر المفهومي الدقيق، فيما يشير روزنتال إلى أنها استطاعت عبر التاريخ أن تنفلت من قيود التعريفات، لكنها في الوقت ذاته أصبحت موضوعًا لأدبيات متناقضة. ولهذا اقترح محمد عزيز الحبابي الحديث عن «حريات» لا عن «حرية»، لأن الحريات ملموسة وتاريخية، بينما الحرية مجردة اما باروخ إسبينوزا فيرى أن الإنسان يتوهم حريته لأنه يعي أفعاله ويجهل في الوقت ذاته أسبابها الحقيقية. فالوجود برمّته، بما في ذلك الأفعال الإنسانية، يخضع لنظام صارم من الضرورة نابع من طبيعة الجوهر الواحد، أو الله/الطبيعة. غير أن إسبينوزا لا يضع الحرية في تعارض مع الضرورة، بل يعيد تعريفها بوصفها وعيًا عقلانيًا بهذه الضرورة؛ فالحر هو من يتصرف وفق مقتضيات طبيعته العاقلة، لا وفق الانفعالات التي تجعله خاضعًا لقوى خارجية. يميّز إسبينوزا بين: الانفعالات (Passions): حالات نكون فيها منفعِلين، أي محكومين بقوى خارجية. الأفعال (Actions): حالات نكون فيها سببًا كافيًا لما نقوم به. فكلما ازداد فهمنا العقلي للأسباب التي تؤثر فينا، تحوّلنا من كائنات منفعلة إلى ذوات فاعلة، وهنا يبدأ مسار الحريةومن خلال التمييز بين الانفعال والفعل، يربط إسبينوزا الحرية بقدرة الإنسان على أن يكون سببًا كافيًا لأفعاله عبر المعرفة العقلية، التي تمكّنه من تنظيم رغباته وتحريره من الخوف والحزن والوهم. وبهذا المعنى، لا تمثل الحرية خروجًا عن نظام الطبيعة، بل اندماجًا واعيًا فيه، بحيث تغدو المعرفة بالضرورة أساسًا للأخلاق وشكلًا من أشكال الخلاص الإنساني.

أما في تراثنا العربي الإسلامي، فإن حضور الحرية ظل محدودًا ومجزأً. فقد انحصرت دلالاتها غالبًا في ثنائية العبودية والعتق، أو في نقاشات كلامية حول الجبر والاختيار، أو في أفق أخلاقي–صوفي ربط الحرية بالزهد والانقطاع عن الدنيا. وعلى الرغم من ثراء اللغة العربية بالمفردات المتصلة بالإرادة والعقل والاستطاعة، فإن سؤال الحرية بوصفه سؤالًا وجوديًا وتاريخيًا لم يتحول إلى إشكال فلسفي مركزي، كما حدث في الفلسفة الغربية.

الحرية هي الشرط الجوهري لوجود العلم والفكر العلمي، كما يقول كروبر “إن حاجة العلم إلى الحرية، مثل حاجة النباتات التي تنمو في البيوت الزجاجية إلى الشمس والأكسجين، أما إذا طليت النوافذ بالسواد كما في الحروب، فلا تنمو إلا الأعشاب الطفيلية الضارة، والإبداع العلمي يتيبس في البيئات الاستبدادية والتسلطية”10، وتلعب الحرية الأكاديمية دوراً حاسماً في تنمية المجتمع وتغييره وتقدمة وازدهاره.وهذا ما أوضحه امارتيا صن في كتابه (التنمية حرية)(مؤسسات حرة و إنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر) بقوله”أن الحرية هي الغاية والهدف الأسمى لكل تنمية ذلك أن الحرية تعني المقدرة على الفعل والاختيار و التفكير والإبداع ” وبدون أن تأمن الجامعة بيئة مناسبة للأساتذة والطلبة في ممارسة نشاطهم التعليمي والعلمي، فلا يمكن لها النمو والتطور والازدهار.هكذا نلاحظ أن حرية الجامعة واستقلاليتها المالية والإدارية والأكاديمية ليست من الأمور التكميلية والثانوية، بل هي أس الأسس ولب المسألة برمتها.لكن كيف يمكن للجامعة أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة

في الفلسفة، اكتسبت الحرية بعدين أساسيين:

أولًا: الحرية الأنطولوجية، أي حرية الكائن من حيث هو موجود. هل يخضع الوجود لحتمية صارمة؟ أم للصدفة المطلقة؟ أم لمزيج من الضرورة والاحتمال؟ وقد سيطر الوعي القدري على الفلسفة اليونانية، كما تجسده مأساة أوديب، حيث يصبح الإنسان مذنبًا دون اختيار. ومع ذلك، برزت رموز للتمرد الميتافيزيقي مثل برومثيوس، الذي سرق النار من الآلهة بدافع محبة البشر والطموح والعصيان.

ثانيًا: الحرية التاريخية والاجتماعية، أي حرية الإنسان بوصفه كائنًا يعيش داخل جماعة ونظام اقتصادي وسياسي. وهنا لا تعود الحرية مسألة داخلية أو سيكولوجية، بل ترتبط بشروط العمل، والعيش الكريم، والعدالة الاجتماعية. فالحرية الصورية، أي حرية التعبير والاختيار الشكلي، تفقد معناها حين يعجز الإنسان عن تأمين ضروريات حياته. ولهذا كانت الحرية، في التحليل الماركسي، مشروطة بتوزيع عادل للخيرات المادية.

وقد بلغ اغتراب الإنسان المعاصر ذروته في عالم التقنية والمال، حيث تحوّل، كما يقول ماركيوز، إلى «إنسان ذي بعد واحد»، مستهلك، ممتثل، فاقد للحس النقدي. ويكشف إريك فروم، في تحليله لمأزق الحرية، أن الإنسان لا يعاني من غياب الاختيارات، بل من كون اختياراته نفسها موحى بها ومصنَّعة داخل عالم مستلب.

ومثال «برنار» العاطل عن العمل يكشف بوضوح مأساة الحرية الصورية: إنسان حر نظريًا، لكنه محكوم بالبؤس، ومُجبر على الاختيار بين العدم والموت. تلك هي حرية المجتمعات التي تُسمّى حرة، لكنها تفتقد العدالة الاجتماعية. فبلا العدالة، تصبح الحرية سرابًا، وبلا شروط مادية للعيش، تتحول إلى سخرية مأساوية.

الحرية في عصر الذكاء الصناعي

في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يدخل مأزق الحرية طورًا جديدًا. لم تعد الحرية تُقمع بالقوة، بل تُدار بالخوارزميات. فالسلطة، كما بيّن فوكو، لم تعد سلطة منع، بل سلطة إنتاج وتنظيم، لكنها اليوم تتحول إلى سلطة تنبؤية تعرف رغبات الأفراد قبل أن تتشكل في وعيهم. ويصبح الإنسان حرًا داخل فضاء محاكاة، كما وصف بودريار، حيث يُسمح بكل شيء شرط ألا يكون له أثر فعلي. أما دريدا فيكشف كيف تُؤجَّل الحرية باستمرار عبر وعود تقنية لا تنتهي، فيتحول الانتظار ذاته إلى نمط من الخضوع. وهكذا نصل إلى لحظة يصبح فيها الدفاع عن الحرية دفاعًا عن لا قابلية الإنسان للاختزال، وعن حقه في الخطأ والتمرد واللامتوقع.

الخاتمة

في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، تبدو الحرية أكثر هشاشة من أي وقت مضى: تتّسع في ظاهرها حتى تكاد تلامس اللانهائي، لكنها تضيق في جوهرها حتى تكاد تختنق داخل الخوارزميات، والمعايير، وأنماط السلوك الجاهزة. هنا لا يُسلب الإنسان حريته، بل يُقنع بأنه لا يحتاج إلى أكثر مما مُنح.

إن الحرية التي لا تسندها العدالة ليست إلا مركبة تسير في قلب العاصفة بلا وجهة، والعدالة التي تُفرض دون حرية تتحول إلى نظام بارد بلا روح. وبين الاثنين يقف الإنسان المعاصر، وحيدًا، عاريًا من اليقين، مطالبًا بأن يختار، لا بين بدائل معروضة، بل بين الاستسلام لطمأنينة الزيف، أو القبول بقلق الحرية الحقيقي. فالحرية ليست أن نكون قابلين للتوقع، ولا أن نُدار بكفاءة، ولا أن نُقاس بدقة، بل أن نظل قادرين على قول «لا» حين يُطلب منا الامتثال، وأن نحمل مسؤولية هذا الرفض حتى النهاية.

بهذا المعنى، تظل الحرية فعل مقاومة يومي، لا ضد السلطة وحدها، بل ضد التكيّف المريح، وضد الخضوع الناعم، وضد تحويل الإنسان إلى وظيفة أو رقم أو ملف. إنها ليست حالة نصل إليها، بل توتر نعيش فيه، ومغامرة بلا ضمانات، وجرأة على العيش في عالم لا يعترف إلا بمن يُحسن الطاعة. ولذلك، ستبقى الحرية، كما كتبها كامو على مركبة العواصف، اسمًا لما لا يُمتلك، وما لا يُختزل، وما لا يُروَّض… شرطًا قاسيًا للكرامة، ومعنى لا ينجو إلا بمن يجرؤ على دفع ثمنه وللحرية ألف وجه ووجه من الجمال الفتان لا يدركها العبيد طالما وهم بحياتهم قانعون….

ضع اعلانك هنا