ضع اعلانك هنا

المفكر أبوبكر السقاف شاهدًا ,
رؤية استباقية لتفكيك بنية حرب صيف 94



نجيب مقبل / خيوط



تقديم.. عدن قد لا ترى بحرها

لم أتشرف باللقاء المباشر بالمفكر العضوي والرائد أبوبكر السقاف، لكن لقاء من نوع آخر جاء صداه من موقع الدفاع عن عدن في ظلّ خراب وظلام دامس، حين قال يومًا ما بعد أن أوقفت حرب 1994م أوزارها:

“سيأتي يوم على أبناء عدن لا يرون فيها بحرًا!”.

كان هذا كلامًا متعاطفًا مع مدنية عدن في مواجهة ما كان يجري من تداعيات كارثية وتدمير ممنهج وتغيير سلوكي واجتماعي لسلطة 7/7.

كان هذا القول يشبه قوله في (متحد الألفة) الذي لطالما كان يطمح إليه السقاف في مواجهة المجتمع الحربي الذي لا يعرف إلّا الغزو والتدمير.

ولقد تلقته النفس بارتياح المتعب والمنهك من جسامة ما يحصل ومن صدمة حضارية جراء ثقافة الفيد التي سادت الأرض والعباد وفي أجواء ملبدة بدخان حرب صيف 1994.

كان ذلك تضامنًا معرفيًّا من مفكر كبير لأبناء عدن، وأنا واحد منهم.

مغامرة نقدية منهجية

تعد مقالات المفكر أبوبكر السقاف التي نشرها في حلقات ثلاث في صحيفة (الأيام) العدنية بعد حوالي خمسة أشهر من نهاية الحرب تحت عنوان (في ذكرى الاستقلال، فتح الجنوب، الاستعمار الداخلي) مغامرة منهجية واستباقية في تحليل دوافع حرب 1994، والقوى المحركة لها.

ولعل اختيار المفكر السقاف دلالة عنوان الاستقلال وزمن الكتابة فيه تعطي إشارة واضحة إلى توجيه الكاتب للأنظار نحو حقيقة أنّ هذه الحرب قامت على أنقاض شريك في الوحدة، كان يملك دولة وجغرافيا وقيادة سياسية تشكّلت على مدى 23 عامًا منذ يوم الاستقلال في 30 نوفمبر 1967.

هذه الحلقات الثلاث التي نشرها السقاف، شكّلت رؤية نقدية خاصة به لمجرى الحرب ودوافعها وقواها المحرضة والفاعلة، وامتداد منظومة الحكم في الشمال في الدفع نحو قيامها، وما آلت إليه من دمار مادي ومعنوي مس جوهر الوحدة الناشئة في مقتل، وكرس ثقافة وأعراف قادمة من زمن التخلف القبَلي وأشاعت في نشوة انتصارها على الطرف الجنوبي ثقافة دخيلة عليه كالغزو والفيد ومحرقة تاريخية أخذت كل أسباب الوجود المدني والثقافي والحضاري، بل عملت على إلغاء الحالة الوجودية شعبًا وتراثًا وهوية لأبنائه.

في هذه الحلقات اختلطت الرؤية النقدية الفكرية والمنهجية للتحليل الاجتماعي والسياسي مع الرؤية النقدية السياسية لمنظومة الحكم في الجمهورية العربية اليمنية واستماتة هذا النظام للدفاع عن غطرسته في إبداء غلبته على الطرف الجنوبي في ظلال شراكة واهية في الوحدة لم تستمر سلميتها سوى أربع سنين.

وفي هذه المقالات الثلاث، يضع السقاف رؤيته الخاصة والمغامرة في تحليل منهجي: لماذا قامت الحرب؟ ولماذا تبدت شراستها في استنساخ ما سماه (الاستعمار الداخلي)؟ حتى يصل إلى استنتاج سريع زمنيًّا لتداعيات هذه الحرب وتأثيراتها على الواقع السياسي والاقتصادي لبلد ما بعد حرب 1994م.

وعلى الرغم من التحليل المنهجي الدقيق للسقاف لمكونات الفاعلين والمحرضين على الحرب داخليًّا ضمن سياق تحليلي لمكونات الحكم في صنعاء الذي سبق أن قام برصده وتفكيك بنيته ومنظومته القبَلية و(العسكرتارية) في ظلّ نظام ما قبل الوحدة شمالًا، فإنّ ثمة معطيات خارجية أهملها في سياق بحثه عن الداخل في منظومة الحكم.



إهمال الخارجي في المعادلة

إلّا أنّ اللافت في هذا التحليل أنه قد خلا من ربط إلّا أنّ التقاطع الداخلي الذي هو مجال بحث الكاتب مع المعطى الخارجي الغربي والأمريكي، تحديدًا الدافع لقيام هذه الحرب من أجل هدف استراتيجي تروم له أمريكا والغرب في التخلص من بقايا نظام ارتبط بالمعسكر الاشتراكي وله جيش وقيادة سياسية ذات عقيدة مرتبطة ببقايا الحرب الباردة يجب أن تمحى، وما كان رئيس دولة 7/7 إلا أن يكون بريمر صنعاء مستبقًا بريمر بغداد بعشر سنوات في القيام بدوره المناط به في اجتثات جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ذي التوجه الاشتراكي ذلك الجيش العقائدي والنخبة السياسية الحاكمة في الجنوب ونظام الاقتصاد والدولة والمجتمع باعتباره من بقايا الحكم الاشتراكي.

وهذا ما تم تنفيذه بتلاقح بين المعطى الداخلي (الغزو والتدمير والفيد والإلغاء والإقصاء وسياسة “خليك في البيت” الكارثية التي أتت على الآلاف من العسكريين والمدنيين)، وبين متطلبات وأجندة أمريكا ونظام القطب الواحد في التخلص من هذا الإرث القابع في الركن الجنوبي من شبه جزيرة العرب.

ومع ذلك، تبقى للرؤية الداخلية الناظمة لقوى الحرب وحلفائها ومنظومتها الاجتماعية والقيمية المجسدة لشكل النظام في (ج.ع.ي) التي هيّأت وحرضت على الحرب التي كانت مدار بحث المفكر السقاف لها أهميتها كامتداد لتحليله المستمر والناقد له منذ أكثر من ثلاثين عامًا حتى يوم 4/ 5/ 1994 يوم اندلاع الحرب.

مراجعة مكلفة الثمن تاريخيًّا

في مراجعته لكاتب مصري أوضح أنّ المنتصرين لا يمكن أن يقبلوا بالحوار بعد أن أعدوا للحرب وشنوها وكلفتهم الكثير ماديًّا ومعنويًّا، فيشير السقاف أنّ الأمر لم يقف عند ذلك بل تجاوزه إلى معاملة أبناء الجنوب باعتبارهم غنائم حية يجب إعادة صياغتها لتقبل وترضخ لنمط فج مما أسماه (الاستعمار الداخلي) باستثناء وكلائه المحليين، الذين ليسوا إلا أدواته.

ويضيف: إنّ السلوك اليومي للسلطة لا يمكن إلّا أنّ يوصف بـ(الاستعمار الداخلي) والدخان الكثيف من كلمات الخيانة والعمالة والكفر والولاء للاستعمار… إلخ، وصل حد السعار ليستر تهافتًا داخليًّا في كلام المنتصرين.

إيجاز استباقي لمآلات الحرب

بعد زمن يسير من انطفاء جذوة الحرب عسكريًّا، يوجز المفكر السقاف المعضلات التي خلفتها الحرب في:

تعديلات دستورية وضعت في يد حزب سياسي واحد كلَّ الوسائل والذرائع في وجه أي تحديث دستوري ممكن وإصدار قوانين من تأليف الحرب، وأعطت لرئيس الدولة صلاحيات تجعل من برلمانية النظام محل شك.

إجراءات جزائية في قانون الأحوال الشخصية يستند إلى التأويل الرجعي لفقه ميت مس حقوق المرأة بالخصوص، واستمرار تكوين الجيش في يد قوى قبلية واحدة، وانتهاء حكاية بناء جيش على أسس وطنية وعلمية وتقسيم البلاد إلى مناطق عسكرية، مركزًا على المناطق الجنوبية والشرقية التي تقوم بمهام أشبه بجيوش الإمام في المناطق الجنوبية وتهامة.

تسارع الانهيار الاقتصادي والاختلال الهيكلي للاقتصاد، ممّا أوجد فروقًا بين طبقة تملك كل شيء وأغلبية ساحقة في خط الفقر.

أضعفت الحرب موقف البلاد في مفاوضات الحدود وانتهت الجولات لصالح الجيران في مقابل إبقاء النظام بأي ثمن.

انتقال الإسلام السياسي من العنف اللفظي إلى العنف الفعلي ومن السلطة وبأجهزتها.

بعد عام واحد فقط من اندلاع حرب 1994م، كانت هذه خلاصات فاتورة الحرب التي أوجزها السقاف.

ختامًا.

يقول السقاف ببلاغة شديدة:

“إنّ زهو الانتصار شديد الخطورة، ونشوة النصر ناصح غير أمين، وقد آن أوان الصحو والتفكير بالنسبة لكم. أمّا الناس المذلون والمهانون فإنهم بلا شك سيكسبون الجولة الأخيرة”.

•••
نجيب مقبل

المادة خاص بمنصة خيوط

ضع اعلانك هنا