بروفيسور قاسم المحبشي ..
تتمثل المعضلة الجوهرية في المجتمعات التقليدية المساواتية الانقسامية في الصراع الدائم والمفتوح على السلطة السياسية. فعلى خلاف المجتمعات التدرجية، حيث تعرف كل طبقة اجتماعية حدود قدرتها وحقوقها ومجال نفوذها، تقوم المجتمعات المساواتية على تصور رمزي مفاده أن جميع الأفراد يقفون على درجة واحدة من الاعتبار الاجتماعي: في الحسب والنسب، والانتماء العشائري أو القبلي أو القروي أو المناطقي. فلا أحد أفضل من غيره، ولا أحد أحق من غيره… «كلنا عيال تسعة» في هذا الوضع الأصلي، تصبح البنية الانقسامية جزءًا عضويًا من نسيج المجتمع التقليدي: عائلات، عشائر، قبائل، قرى، مناطق، جهات، طوائف، مذاهب، مدن… هويات دائرية متجاورة، لا هي مندمجة اندماجًا حقيقيًا، ولا هي منفصلة انفصالًا نهائيًا. إنها كيانات تعيش جنبًا إلى جنب، وتجمعها فقط ضرورة العيش المشترك في وطن واحد واسم واحد ومصير واحد.
وقد كانت السلطة السياسية ولا تزال مشكلة عويصة في كل زمان ومكان. وقد بيّن ماكس فيبر أن البشر لم يعرفوا تاريخيًا سوى ثلاثة أنماط كبرى لشرعنة السلطة:
الشرعية التقليدية (الوراثة)، والشرعية الكاريزمية (الزعيم الملهم)، والشرعية القانونية–العقلانية (الدولة الحديثة).
غير أن المجتمعات الانقسامية المساواتية تعاني من مأزق خاص في التعامل مع السلطة فالشرعية التقليدية لا تحسم الصراع لأن الجميع أبناء تقاليد متكافئة، والشرعية الكاريزمية –مهما بلغت قوتها التعبوية– تبقى شخصية، مؤقتة، وقابلة للانقلاب على نفسها.أما الشرعية القانونية–العقلانية، القائمة على القواعد العامة والمعايير الموضوعية والمؤسسات المهنية، فهي غالبًا الأضعف حضورًا، أو الأكثر تشويهًا.
وهنا تحديدًا تنشأ المأساة: غياب معيار محايد يضبط التنافس على السلطة، فيتحول الصراع من تنافس سياسي مشروع إلى صراع عصبيات وانتماءات ضيقة وعنيفة.
وقد اوضح عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم أن المجتمعات التقليدية تقوم على ما يسميه التضامن الميكانيكي، حيث يتساوى الأفراد في المواقع والأدوار، ويستمد التماسك من التشابه والانتماء.لكن حين تستمر هذه المساواة الرمزية في مجتمع معقّد دون أن تتحول إلى تقسيم وظيفي عقلاني، تصبح السلطة موردًا نادرًا يتقاتل عليه الجميع؛ المشكلة هنا ليست في المساواة ذاتها، بل في غياب تحويلها إلى مساواة في الفرص، عبر توزيع الوظائف العامة على أساس الكفاءة والتخصص والخبرة فبدون هذا التحول، تبقى المساواة وقودًا للصراع بدل أن تكون أساسًا للتكامل، وتظل العصبية أقوى من المؤسسة.
كما في الحالة اليمنية، حيث تبرز مفارقة مؤلمة:
نحن نعيش واحدة من أقدم وأعنف صراعات السلطة في التاريخ، ومع ذلك ما زلنا نتعامل معها بلا جدية، وبلا حس مسؤول، وكأنها قدر غامض لا يمكن ضبطه حتى المعايير البسيطة التي يمكن أن تخفف من حدة الصراع –كالمعايير المهنية والمؤسسية في إدارة الشأن العام– يتم تدميرها بقدر مذهل من الغباء السياسي، بما يقود الجميع إلى التهلكة وما جرى في عدن الانتقالية الشرعية شاهد حال ومآل حيث الحساسية السياسية مضاعفة، والخبرة التاريخية مثقلة بالجراح، حصل كيان سياسي على تفويض جماهيري واسع وزخم رمزي استثنائي غير أن هذا الرصيد جرى تبديده تدريجيًا بسبب تجاهل معيار الكفاءة في إدارة الشأن العام فبدلًا من اعتماد معايير واضحة وشفافة في اختيار القيادات الإدارية والسياسية، قائمة على التخصص والخبرة والقدرة، جرى اللجوء إلى منطق القرابة والمناطقة والولاء الشخصي. ففي مجتمع انقسامي مساواتي، لا يُعد هذا مجرد خطأ إداري، بل نسفًا مباشرًا لأساس الشرعية. وهنا تتقاطع التجربة مع ما يحذر منه جون راولز حين يؤكد أن العدالة لا تقاس بالشعارات، بل بـتكافؤ الفرص العادل في الوصول إلى المواقع والمناصب فعندما يشعر الناس أن الوظيفة العامة تحولت إلى امتياز مغلق، فإن النظام يفقد ادعاءه الأخلاقي مهما كانت خطاباته وطنية أو ثورية. وفي المجتمعات المنقسمة، لا يمكن بناء دولة من خلال إدارة الانقسام بمنطق المحاصصة والعصبية، لأن ذلك يحوّل الدولة نفسها إلى غنيمة صراع.
التنافس السياسي مشروع، بل وضروري،
لكن إدارة الدولة يجب أن تُنزع من منطق الصراع الهوياتي، وأن تُدار بمنطق الكفاءة والحياد المؤسسي، وإلا تحولت السلطة إلى عامل تفكيك دائم للمجتمع. إن معيار الكفاءة لا يكتفي بتنظيم الإدارة، بل يفتح الطريق أمام التسامح الإيجابي.
فالتسامح السلبي، القائم على اللامبالاة وترك الأمور تمضي بلا موقف، لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار.أما التسامح الإيجابي، فهو فعل واعٍ يقوم على الاعتراف المتبادل بالندية وتكافؤ الفرص والكرامة، ولا يمكن أن ينمو إلا في ظل مؤسسات تقف على مسافة واحدة من الجميع، ويشعر الأفراد أنها مؤسساتهم هم ومن دون هذا الإحساس، يتحول غياب التقدير والإنصاف –وهو أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان– إلى طاقة سلبية مدمرة، تفوق في أثرها كل المصائب الخارجية ولا يمكن الحديث عن تسامح حقيقي دون تصالح مع الماضي، ولا عن تضامن دون تسامح فعّال في الحاضر.
التصالح لا يعني النسيان أو «عفا الله عما سلف»، بل فهم ما جرى، وتشخيص الأخطاء، والتعلم منها.
أما التسامح، فهو شرط العيش الممكن الآن، وهو الجسر الوحيد نحو مستقبل قابل للحياة.
الخلاصة
في المجتمعات الانقسامية المساواتية،
إما المعايير المحايدة… أو الصراع المفتوح.
إما الكفاءة بوصفها آلية سياسية وأخلاقية لضبط السلطة،
أو إعادة إنتاج العصبية والاحتكار والانسداد.
الأفراد يأتون ويذهبون،
أما المؤسسات –إن بُنيت على الكفاءة والعدالة– فهي وحدها القادرة على البقاء وصناعة المستقبل…
منشور برس موقع اخباري حر