من قلق الفناء إلى أيديولوجيا الاستشهاد:
تحولات مفهوم الموت وسياقات المعنى
بروفيسور. قاسم المحبشي …
تمهيد: الموت بوصفه سؤالاً أنطولوجياً
الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى برهان. كل ما عداه قابل للتأويل أو المراجعة أو التعديل، أما الموت فحدٌّ مطلق يضع الإنسان أمام هشاشته الأصلية. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الحدّ نفسه هو ما يمنح الحياة معناها؛ فلولا الموت لتحولت الحياة إلى تكرار بلا أفق، ولولا الحياة لما كان للموت أي دلالة.
منذ أقدم الأساطير، حلم الإنسان بالخلود، وسعى إلى ما عُرف بأكسير الحياة أو حجر الفلاسفة. في ملحمة جلجامش يتجسد هذا القلق في أنقى صوره: بطل نصف إله يهيم في الصحارى بحثاً عن سر الحياة بعد أن صدمه موت صديقه أنكيدو. لم يكن جلجامش يطلب السلطة أو المجد، بل كان يهرب من فكرة الفناء. لكنه يعود في النهاية ليكتشف أن الخلود البيولوجي وهم، وأن ما يبقى هو الأثر والعمل.هذا القلق الوجودي العميق هو ما يمكن تسميته بـ”قلق الفناء”. إنه قلق طبيعي، بل شرط من شروط الإنسانية. فالإنسان لا يموت فحسب، بل يعرف أنه سيموت. وهذه المعرفة المسبقة هي التي أطلقت الأسطورة، ثم الدين، ثم الفلسفة، ثم العلم. غير أن هذا القلق لم يبق دائماً في حدوده الوجودية؛ فقد عرف التاريخ لحظات تحوّل فيها من سؤال عن المعنى إلى أداة تعبئة، ومن تجربة فردية إلى أيديولوجيا جماعية.
من المهم التاكيد إن الحياة والموت ليسا نقيضين منفصلين، بل هما طرفا جدلية واحدة. الحياة لا تُفهم إلا بوصفها زمناً محدوداً، والموت لا يُدرك إلا بوصفه نهاية لحياة ذات قيمة. لو كانت الكائنات التي وُلدت على هذه الأرض قد عاشت إلى الأبد لاختنقت الحياة في دفعتها الأولى. فالموت، paradoxically، شرط لاستمرار الحياة وتجددها لكن الإنسان لا يكتفي بالقبول البيولوجي للموت؛ إنه يبحث عن معنى يتجاوز هذه الضرورة الطبيعية. ومن هنا نشأت المعتقدات الكبرى التي حاولت إدماج الزمن العابر في أفق أبدي. الدين، في أحد أبعاده العميقة، هو استجابة لغز الزمن، ومحاولة لتحرير الإنسان من شعوره بالانمحاء.
في النص القرآني الذي يصوّر رحلة إبراهيم في البحث عن الإله الثابت خلف الكواكب الآفلة، نجد تعبيراً مكثفاً عن هذا التطلع: رفض كل ما يأفل، وكل ما يخضع لقانون الزوال. البحث عن المطلق هنا هو بحث عن معنى يتجاوز التغير.
غير أن هذا التطلع إلى الثابت يمكن أن يسلك مسارين مختلفين:
1. مسار روحي أخلاقي يعمّق قيمة الحياة.
2. ومسار أيديولوجي يقفز فوق الحياة نحو موت مُقدَّس.
في كتاب «الإنسان وهموم الموت» ل ارنولد توينبي واخرون يُعرض الموت بوصفه أفقاً وجودياً يوقظ الإنسان إلى مسؤوليته. الموت ليس دعوة للانسحاب، بل حافزاً للفعل؛ لأنه يذكّرنا بأن الوقت محدود، وأن ما لا يُنجز الآن قد لا يُنجز أبداً.غير أن الخطاب الأيديولوجي المتطرف يعيد تأويل هذه العلاقة. فبدلاً من أن يكون الموت حدّاً يمنح الحياة كثافتها، يصبح هدفاً بحد ذاته. وهنا يحدث الانقلاب الجذري إذ إن الخوف من الموت يتحول إلى احتقار للحياة والقلق الوجودي يتحول إلى يقين مغلق والبحث عن المعنى يتحول إلى مشروع استشهاد والشاب الذي يعلن أنه “مشروع جهاد واستشهاد” ويطرح أسئلة من قبيل: لماذا أتعلم؟ لماذا أعمل؟ لماذا أبني؟ يمثل ذروة هذا التحول. إنه لم يعد يرى في الزمن فرصة، بل عبئاً يجب اختصاره. لم يعد يرى في الحياة مجالاً للمعنى، بل عائقاً أمام نعيم مؤجل.
هنا يتحول الموت من قدر بيولوجي إلى أيديولوجيا.
الإنسان يسلك وفق ما يعتقد. هذه ليست مقولة وعظية، بل حقيقة نفسية واجتماعية. إذا اعتقد أن العالم عدائي، سيتصرف بعدوانية. وإذا اعتقد أن الحياة بلا قيمة، سيتخلى عن بنائها. وإذا اعتقد أن الخلاص يتحقق عبر موتٍ مختار، فسيسعى إليه. فحين تُبنى منظومة اعتقادية على احتقار الدنيا وتضخيم الآخرة بطريقة تلغي قيمة الحاضر، فإن النتائج لا تبقى نظرية. تتجسد في:
• إهمال التعليم.
• الانسحاب من العمل.
• تعطيل الطاقات.
• تدمير الذات والآخر.
هنا يصبح السؤال الفلسفي سؤالاً سياسياً وأخلاقياً. لأن المعتقد حين يُدعَّم مؤسسياً ويتحول إلى خطاب تعبئة، يغدو قوة مادية ذات أثر كارثي.
والزمن هو ساحة المعنى. فيه يولد الإنسان، ويعمل، ويحب، ويبدع. غير أن الزمن أيضاً هو مصدر القلق؛ لأنه يحمل الشيخوخة والفقد والموت. لذلك حاول الإنسان دائماً التحايل على الزمن: بالأعياد، بالأساطير، بالخلود الرمزي، وبالوعد الأخروي لكن الأيديولوجيا المتطرفة لا تتحايل على الزمن، بل تسعى إلى إلغائه. تعد أتباعها بقفزة مباشرة من لحظة محدودة إلى أبدية مكتملة. إنها تقفز فوق مسار الحياة بكل تعقيداته، وتختزل المعنى في فعل نهائي واحد.
وهنا يكمن الخطر: حين يُختزل معنى الإنسان في لحظة موت، يُلغى تاريخه كله.
في الحقيقة ليس الإيمان في ذاته مشكلة. بل على العكس، الإيمان العميق يمكن أن يكون دافعاً للبناء والتضحية في سبيل كرامة الإنسان. لكن الفرق حاسم بين:
• تضحية دفاعاً عن الحياة.
• وتضحية هروباً من الحياة.
الأول يعلي قيمة الإنسان، والثاني يلغيها.
الأول يرسّخ معنى العيش المشترك، والثاني يقطع الصلة بالعالم والإيمان الذي يرى في الدنيا ميدان أمانة ومسؤولية، يثمر عملاً وإبداعاً. أما الإيمان الذي يحوّل الدنيا إلى مجرد ممر لا قيمة له، فيفتح الباب أمام العدمية المقنّعة بلباس القداسة.
والخلاصة هي إذا كان الموت حقيقة لا مهرب منها، فإن السؤال ليس كيف نلغيه، بل كيف نفهمه. الموت ليس هدفاً، بل حدّ. والحدّ ليس نفياً للحياة، بل شرط لامتلائها فالمعنى لا يُبنى بالقفز خارج الزمن، بل بالعيش داخله بوعي ومسؤولية. الحضارة لم يصنعها الذين استعجلوا الخلاص، بل الذين آمنوا أن على هذه الأرض ما يستحق العناء ومن هنا، فإن مقاومة أيديولوجيا الاستشهاد لا تكون بنفي الإيمان، بل بإعادة تأويله. ولا تكون بإنكار الموت، بل بإعادته إلى موقعه الطبيعي: نهاية محتومة، لا مشروعاً مقصوداً.
خاتمة: المعنى بين الحدّ والأفق
وتخبرنا التجربة التاريخية انه من قلق الفناء تولدت الأسطورة والدين والفلسفة. لكن حين يُختطف هذا القلق ويُعاد تشكيله في قالب أيديولوجي مغلق، يتحول إلى قوة تدمير.
التحدي الفلسفي اليوم ليس في إثبات أن الموت واقع، بل في الدفاع عن الحياة بوصفها المجال الوحيد الممكن للمعنى فالموت سيأتي، سواء طلبناه أم لم نطلبه.أما الحياة، فهي الفرصة الوحيدة التي نملكها وبين حدّ الموت وأفق المعنى، تتحدد مسؤوليتنا: أن نجعل من وعينا بالفناء دافعاً للبناء، لا ذريعة للفناء…
منشور برس موقع اخباري حر