صباح الشوق والمحبة…
لماذا ارتبط الحب والحكمة بالجنون عند العرب…..
بروفيسور / قاسم المحبشي …
ليست في اللغة العربية كلمةٌ أكثر التصاقًا بوجود الإنسان من كلمة الحب؛ فهي الكلمة التي يتعلمها المرء قبل أن يفهم معناها، ويعيشها قبل أن يستطيع تعريفها. تتسع دلالاتها حتى تكاد تشمل علاقة الإنسان كلها بالعالم: حب الله، حب الإنسان، حب المعرفة، حب الوطن، حب الحياة والجمال. وكأن هذه اللفظة تختزن تاريخًا طويلاً من التجارب الوجدانية والروحية؛ فهي تشير إلى الشوق والحنين واللوعة والألفة والاندماج، إلى تلك اللحظة التي تتراجع فيها حدود الأنا ليولد الإنسان من جديد داخل تجربة وجودية حميمة يعجز العقل المجرد عن الإحاطة بها ولذلك ظل الحب أكثر المفاهيم تداولًا وأشدها غموضًا في آنٍ واحد؛ فما إن نسأل: ما الحب؟ حتى نصطدم بحدود اللغة نفسها. فالإنسان — كما لاحظ الفلاسفة — يجهل غالبًا أكثر الأشياء قربًا من ذاته، لأن الألفة تحجب العمق بدل أن تكشفه. ومن هنا يبرز السؤال الذي لازم الثقافة العربية طويلًا: لماذا ارتبط الحب بالجنون؟ ولماذا قيل: «خذوا الحكمة من أفواه المجانين»؟
في الثقافة العربية لم يكن الجنون دائمًا نقيض العقل، بل كان في كثير من الأحيان علامة تجاوزٍ للعقل الاجتماعي المقيّد بالحساب والمنفعة. فالعاشق الصادق يخرج من نظام التوازنات اليومية إلى تجربة كلية تستولي على وجوده، ولذلك بدا وكأنه فقد عقله، بينما الحقيقة أنه تحرر من عقل المصلحة لا من العقل ذاته. ولهذا خُلّد قيس بن الملوّح، مجنون ليلى، لأنه جعل من الحب قدرًا وجوديًا لا مجرد علاقة عاطفية، فقال:
أَمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أُقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شغفن قلبي
ولكن حبُّ من سكن الديارا
وهكذا نلاحظ إن العالم هنا يتحول إلى رمز، وتصبح الأشياء آثارًا للمعنى الداخلي. فالعاشق لا يرى الواقع كما هو، بل كما يكشفه الحب. وقد عبّر جميل بثينة عن هذا الامتزاج بين الحب والوعي بالزمن حين قال:
وإنّي لأرضى من بثينةَ بالذي
لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا وبأن لا أستطيعَ وبالمُنى
وبالوعد حتى يسأم الوعدَ آمله
فالحب عند جميل بثينة كما تفصح قصيدته ليس امتلاكًا، بل قبولٌ بالحرمان ذاته، أي تجربة روحية تتجاوز المنفعة أما عنترة بن شداد الشهير بمجنون عبلة فقد جعل الحب مصدرًا للبطولة والسمو الأخلاقي، إذ لم يكن حبه لعبلة ضعفًا بل قوة تمنحه معنى لوجوده:
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ
مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها
لمعتْ كبارقِ ثغركِ المتبسّمِ
وهكذا كما نلاحظ هنا يتحول الحب إلى طاقة وجودية تجعل الإنسان أسمى من الخوف والموت.
وفي أخبار العشاق التي زخرت بها الذاكرة العربية يظهر العاشق دائمًا خارج الأعراف المألوفة، ولذلك بدا مجنونًا. غير أن هذا «الجنون» كان في جوهره صفاءً روحيًا؛ فالمحب يتحرر من الأقنعة الاجتماعية ومن الخوف على المكانة، فيغدو أقرب إلى الحقيقة. ولهذا نسبت الثقافة العربية الحكمة إلى المجانين، لأنهم — وقد تحرروا من الحساب — قالوا ما لا يستطيع العقل الحذر قوله وقد بلغت هذه الرؤية ذروتها في التجربة الصوفية، حيث أصبح الحب طريقًا للمعرفة. فالحب عند المتصوفة ليس انفعالًا، بل كشفٌ وجودي. ويُعد محيي الدين ابن عربي أحد أعظم من عبّروا عن هذا المعنى، إذ رأى أن الحب مبدأ كوني يوحّد الوجود، فقال في أبياته الشهيرة التي أصبحت من أعمق نصوص الحب الروحي في التراث الإنساني:
لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ
فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ
وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنى توجَّهتْ
ركائبهُ فالحبُّ ديني وإيماني
في هذه الأبيات التي كتبها صاحب فصوص الحكم يبلغ الحب ذروة تحوله من تجربة فردية إلى رؤية كونية شاملة؛ فالقلب المتسع بالحب يصبح فضاءً إنسانيًا جامعًا، وتتجاوز المعرفة حدود الانتماء الضيق نحو إنسانية أوسع ولم يكن هذا الفهم بعيدًا عن الشعراء الحكماء؛ فقد رأى أبو تمام أن الحب قوة تعيد تشكيل الذاكرة والهوية:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ
بينما عبّر المتنبي عن البعد الأخلاقي العميق للعاطفة الإنسانية حين ربط العفو — وهو أحد وجوه الحب — بالسمو الإنساني:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهمُ
ومن لك بالحرِّ الذي يحفظ اليدا
على هذا النحو يتضح أن الحب في الثقافة العربية لم يكن نقيض الحكمة، بل طريقًا إليها. فالفلسفة نفسها — بوصفها «محبة الحكمة» — تؤكد أن المعرفة تبدأ بالشوق. والعقل في الرؤية الإسلامية ليس آلة حسابية، بل قدرة على التدبر والتأمل، وقد جاءت النصوص القرآنية حافلة بالدعوة إلى النظر والتفكر، مما يجعل اتحاد القلب والعقل شرطًا لتمام الإنسانية.
وفي الفكر الحديث أعيد اكتشاف هذه الحقيقة؛ إذ رأى علماء النفس أن الحب حاجة أساسية لتحقيق الذات، بينما اعتبر الفلاسفة أن التاريخ الإنساني صراع من أجل الاعتراف بقيمة الإنسان. والحب هو أسمى أشكال هذا الاعتراف، لأنه إقرار بوجود الآخر بوصفه غاية لا وسيلة.
لذلك اقترن الحب والحكمة بالجنون في المخيال العربي، لأن التجارب الكبرى تتجاوز دائمًا حدود العقل النفعي. فالعاشق يبدو مجنونًا لأنه تحرر من حسابات الربح والخسارة، والحكيم يبدو مجنونًا لأنه يرى الحقيقة خارج أعراف الجماعة. الجنون هنا ليس انهيار العقل، بل لحظة بلوغه أقصاه؛ حين ينتقل الإنسان من مجرد العيش إلى إدراك معنى الحياة.
وبهذا المعنى يبقى الحب، في جوهره، طريقة في الوجود قبل أن يكون علاقة، واختيارًا أخلاقيًا دائمًا بأن نصير أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على الصفح، وأكثر استعدادًا لرؤية العالم بعينٍ رحيمة. وربما لهذا ظل المحبون — كما تشهد الذاكرة الشعرية العربية — أجمل الكائنات، لأ يذكّروننا بأن الإنسان لا يكتمل بالعقل وحده، بل حين يلتقي القلب بالحكمة في ذلك الأفق الذي سمّاه القدماء: جنون الحب.
في الختام:
يمكن القول إن الفلسفة هي أرقى أشكال الحب لأنها حب لا ينتهي عند موضوع محدد. إنها حب الحقيقة دون امتلاكها، وحب الإنسان رغم هشاشته، وحب العالم رغم غموضه. إنها الحب الذي يجعل الإنسان قادرًا على العيش في السؤال دون خوف، وعلى تحويل القلق الوجودي إلى طاقة معرفة فالفلسفة تعلمنا كيف نرى العالم لا كشيء مكتمل، بل كحوار مفتوح. وهي بهذا المعنى ليست مجرد نشاط عقلي، بل تجربة روحية وعقلية في آن واحد، تجربة تجعل الإنسان أكثر إنسانية لأنه يتعلم أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يعتقد، وأن يحب الحكمة بدل ادعاء امتلاكها. وهكذا تبقى الفلسفة، عبر العصور، ليست فقط بحثًا عن الحقيقة، بل شكلًا ساميًا من أشكال الحب: حب المعرفة، حب الحكمة، وحب المعنى الذي يجعل الوجود الإنساني جديرًا بأن يُعاش. احبكم……
منشور برس موقع اخباري حر