الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي …
ليس بحث الإنسان عن مكانٍ آمنٍ ثابتٍ سوى بحثه الدائم عن معنى وجوده نفسه. فمنذ اللحظة الأولى التي وعى فيها هشاشته في الكون، بدأ يبني «بيتًا»؛ لا ليحتمي من المطر والبرد فقط، بل ليؤسس منطقةً رمزية يلتقي فيها الجسد بالذاكرة، والزمن بالهوية، والخوف بالطمأنينة. فالمنزل ليس جدرانًا وسقفًا، بل كونه المصغّر: فيه الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي يروي عطشنا، والغذاء الذي يحفظ الحياة، والكتب التي تمنحها معناها، والذكريات التي تجعل الزمن قابلاً للسكن.
إن المنزل، بهذا المعنى، سيرةٌ صامتة لصاحبه. فكل زاوية فيه تعلن ذوقًا، وكل قطعة أثاث تحمل أثر تجربة، وكل كتاب يشير إلى رحلة فكرية. ولهذا كان البيت، في المخيال الإنساني، مرآةً خفية للذات؛ نوعًا من السيرة الذاتية المكتوبة بالأشياء لا بالكلمات.
في تاريخ الأفكار ، لم يكن مفهوم البيت مجرد مفهوم معماري. فمصطلح (oikos) في الفلسفة اليونانية القديمة لم يدلّ على المسكن فحسب، بل على مجال الحياة بكامله: العيش المشترك، الغذاء، الإنتاج، العلاقات اليومية التي تُنسج فيها إنسانية الإنسان. ومنه اشتُقّ مفهوم الاقتصاد (oikonomia) بوصفه «ناموس المنزل» أو تدبير الحياة الخاصة. وقد ميّز أرسطو بين فضاء البيت بوصفه مجال الضرورة والعمل المعيشي، وفضاء المدينة (polis) باعتباره مجال الفعل السياسي والحرية. غير أن هذا الفصل، كما قرأته الفلسفة الحديثة لاحقًا، لم يكن بريئًا؛ إذ أُقصيت الحياة الحميمة من المجال السياسي، وكأن الإنسان ينقسم بين كائن خاص يعيش في المنزل وكائن عمومي يظهر في المدينة. بحسب فتحي المسكيني الذي أكد إن التجربة الحديثة، وخاصة في أزمنة الأزمات والحروب والعزلة، أعادت الاعتبار إلى المنزل بوصفه مركزًا للوجود نفسه. فالإنسان لا يسكن البيت فقط؛ بل يسكن العالم من خلاله. وكما لمح هيدغر، فإن التفكير ذاته هو بناءٌ لمنزل الكينونة، أي محاولة دائمة لجعل العالم قابلاً للسكن معنويًا. وهذا هو فعلا ما عشناه في زمن جائحة كوفيد-19 كورونا وقد روت الدكتور مارينا حكايتها مع تلك الأزمة الوبائية العالمية وكيف كان المنزل ومحيطه هو عالمها الوحيد القابلة للعيش فيه والتجول في أرجاءه.
هذه الأفكار تداعت إلى ذهني وأنا أدلف إلى منزل الدكتورة مارينا دي ريخت، أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في جامعة فريجي بأمستردام، التي أمضت أكثر من ثلاثة عشر عامًا في اليمن، لا بوصفها باحثة عابرة، بل شاهدةً على تحولات مجتمعٍ كامل. كان الدخول إلى منزلها أشبه بالانتقال من جغرافيا إلى أخرى دون مغادرة المدينة.
منذ العتبة الأولى، لا تشعر أنك تدخل شقة في شرق أمستردام، بل تعبر خرائط متداخلة من الحضارات. الممرّ بدا كأنه صحراء مفتوحة تقود إلى المغرب الكبير، بينما يفضي المطبخ إلى شمال أفريقيا، قبل أن ينفتح صالون الاستقبال على عالمٍ كوني تتجاور فيه رموز آسيا وأفريقيا وأوروبا في حوار صامت. لم يكن المنزل مجرد مكان للعيش، بل متحفًا حيًا للذاكرة الإنسانية؛ هناك بيانو هولندي عتيق يحمل صدى تقاليد أوروبية طويلة، إلى جانب سحّارة يمنية خشبية تستدعي بيوت صنعاء القديمة. القمرية اليمنية، وشنطة العروس، والسجاد المغربي، والقطع المصرية والحبشية والأمازيغية والأوزبكية؛ جميعها لم تكن معروضات جامدة، بل آثار حياةٍ عبرت الحدود واستقرت هنا لتصنع سردية جديدة. بدا المنزل وكأنه ميناء ثقافي، تصل إليه الأشياء كما تصل السفن، حاملةً قصص البشر وأسفارهم في تلك اللحظة، بدا واضحًا أن المنزل يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال كتابة التاريخ. فالتاريخ لا يُكتب فقط في الأرشيفات، بل في الأشياء التي يحتفظ بها البشر لأنها تمثل لحظات معنى في حياتهم وفي مكتبتها، حيث تتجاور الكتب العربية والأوروبية، شعرت بأن المعرفة نفسها تعيد تشكيل الجغرافيا. أسماء مألوفة لكتّاب وأصدقاء ظهرت على الرفوف، وكأن اليمن لم تغادر المكان قط. غير أن المفاجأة الأعمق كانت الاطلاع على أعمال المؤرخ الهولندي الراحل Kees Brouwer، أحد أبرز الباحثين الأوروبيين في تاريخ اليمن البحري إذ تكشف أعماله، خاصة دراساته حول العلاقات الهولندية-اليمنية وميناء المخا، أن التاريخ لا يتحرك داخل حدود وطنية ضيقة، بل عبر البحار والشبكات التجارية والثقافية. فالمخا، في قراءته، لم يكن مجرد ميناء لتصدير البن، بل عقدةً عالمية التقت فيها لغات وأسواق وأفكار ممتدة من الهند والبنغال إلى مصر وشمال أفريقيا وأوروبا. وهكذا يتحول البحر من فاصل جغرافي إلى وسيط حضاري، ويغدو التاريخ شبكة علاقات لا سردية قومية مغلقة وهنا بدا منزل مارينا امتدادًا حيًا لهذه الرؤية: بيتٌ يجسد «التاريخ العالمي» لا بوصفه نظرية أكاديمية، بل تجربة معيشة. فالأشياء القادمة من اليمن والمغرب ومصر وإثيوبيا لم تعد تنتمي إلى أوطانها الأصلية فقط، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة إنسانية مشتركة.
ختاما
الصعود إلى الطابق العلوي لتناول الشاي الأوزبكي في صالون زجاجي مطل على المدينة منح التجربة بعدًا رمزيًا إضافيًا: أمستردام الحديثة في الخارج، وعالم متعدد الأزمنة في الداخل. كان البيت أشبه بجسرٍ بين الأمكنة، أو بعودةٍ دائمة لما يسميه دريدا «طريق أوليس»؛ الرحيل الذي لا يحدث إلا من أجل العودة — العودة إلى بيتٍ يصبح مركز المعنى ولعل أكثر ما أثار التأمل هو الكرم المعرفي والإنساني الذي رافق الزيارة؛ تلك الحرية الكاملة في التجول بين مقتنيات المنزل، وكأن صاحبة البيت تقول إن المعرفة، مثل البيت، لا تكتمل إلا بالمشاركة.
في النهاية، أدركت أن وظيفة المنزل تتجاوز السكن إلى ثلاث وظائف عميقة:
1. وظيفة نفسية: يمنح الإنسان استقرارًا رمزيًا يعيد ترميم ذاته الممزقة في العالم.
2. وظيفة ثقافية: يحفظ الذاكرة ويحول التجارب الشخصية إلى أرشيف حي.
3. وظيفة حضارية: يصبح نقطة التقاء للتاريخ العالمي، حيث تتجاور الثقافات دون صراع.
ولهذا لم يكن غريبًا أن أشعر، بعد أيام من حضور عرض أوبرالي في هولندا، أنني دخلت بيتًا في أمستردام يشبه صنعاء القديمة. فالأمكنة، حين تُبنى بالمعرفة والمحبة، تتجاوز الجغرافيا.
إن المنزل، في نهاية الأمر، ليس المكان الذي نعود إليه فقط، بل المكان الذي يجعل العالم نفسه قابلاً للعودة. ورمضان كريم وكل عام وأنتم بخير وسلام🕊️…
منشور برس موقع اخباري حر