الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي …
يعاني المولّدون اليمنيون من مفارقة وجودية قاسية تكشف هشاشة التصورات الاجتماعية عن الهوية والانتماء في المجتمعات التقليدية؛ إذ يجد ملايين البشر أنفسهم موضوعًا للتمييز لا بسبب فعل اقترفوه أو اختيار اتخذوه، بل بسبب حقيقة بيولوجية أولى لا يملك الإنسان إزاءها أي إرادة: هوية الأم. فلا أحد يختار والديه، كما لا يختار مكان ميلاده أو لون بشرته أو زمن ظهوره في العالم، ومع ذلك تتحول هذه المعطيات الطبيعية إلى معايير اجتماعية للإقصاء والوصم. وفي المستوى الأنثروبولوجي العميق يبدو هذا التمييز عبثيًا؛ لأن البشر جميعًا ينتمون إلى الأصل الإنساني ذاته، ويشتركون في البنية البيولوجية والنفسية نفسها، ولا يختلفون إلا بما تنتجه التجربة التاريخية من لغات وثقافات وأنماط عيش. ومن هنا فإن التمييز القائم على جنسية الأم لا يعكس اختلافًا حقيقيًا بقدر ما يكشف عن أزمة وعي اجتماعي يعيد إنتاج التسلسل الهرمي للهوية داخل مجتمع يفترض أنه قائم على رابطة النسب والقرابة.
المفارقة أن المرأة، التي تمثل في المخيال الإنساني أول فضاء للأمان والرعاية والحياة، تتحول في بعض السياقات إلى مصدر للوصم الاجتماعي لأبنائها. فهي الأم والحاضنة الأولى للوجود، والمجال الذي يتشكل فيه الوعي الأول بالعالم، ومنها يتعلم الإنسان اللغة والحنان والثقة الأولى بالحياة، ومع ذلك يصبح أصلها القومي سببًا في تشكيك المجتمع بانتماء أبنائها. إن التفكير في المرأة هو في جوهره تفكير في الإنسان نفسه؛ فهي الأم والزوجة والأخت والبنت، وهي الذاكرة العاطفية للمجتمع ومصدر استمراره الرمزي والبيولوجي. لذلك يبدو السؤال أكثر إيلامًا: كيف يمكن لابن أن يخفي هوية أمه أو يشعر بالخجل منها؟ وكيف يتحول الانتماء الأمومي، الذي يمثل أصل الحياة، إلى عبء اجتماعي؟ هنا يظهر ما يمكن تسميته “التعصب المزدوج”: تعصب ضد الأم الأجنبية، وتعصب ضد الابن الذي يحمل أثرها الجسدي والثقافي.
نشأت فئة المولّدين اليمنيين ضمن سياق تاريخي طويل من الهجرات اليمنية نحو شرق إفريقيا خلال الفترة الممتدة تقريبًا بين 1920 و1960، حين دفعت المجاعات والجفاف والقمع السياسي في شمال اليمن، إلى جانب ظروف الاستعمار في الجنوب، آلاف اليمنيين إلى عبور البحر الأحمر بحثًا عن العمل والأمان. انطلقت الرحلات من موانئ المخا وعدن على متن سفن شراعية بدائية، في رحلات محفوفة بالمخاطر والعواصف وغياب الوثائق الرسمية. استقر المهاجرون في إثيوبيا والصومال وجيبوتي وكينيا والسودان، واندمجوا تدريجيًا في المجتمعات المحلية عبر التجارة والزراعة والعمل الحرفي، وأسهموا في تنشيط الاقتصاد وبناء شبكات تجارية وثقافية عبر ضفتي البحر الأحمر. ومع الزمن نشأت علاقات مصاهرة وزواج طبيعي بين اليمنيين والنساء الإفريقيات، فظهر جيل جديد حمل في تكوينه الثقافي والبيولوجي إرثين مختلفين، عُرف لاحقًا باسم “المولّدين”.
هذا المصطلح لا يصف مجرد حالة نسب، بل يحكي تاريخًا كاملاً من التفاعل الحضاري بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي. فقد نشأ المولّد اليمني حاملًا ثقافة مزدوجة، يتحدث غالبًا لغتين، ويعيش داخل منظومتين رمزيتين في آن واحد: تقاليد الأب اليمني وذاكرة الأم الإفريقية. وبقدر ما منحهم هذا التكوين قدرة عالية على التكيف والانفتاح والتسامح، جعَلهم أيضًا عرضة لقلق الهوية. فهم ينتمون إلى ثقافتين دون أن يُسمح لهم بالانتماء الكامل لأي منهما، فينشأ شعور داخلي بالوقوف على الحدود بين عالمين. وقد قدرت الدراسات أعداد المهاجرين اليمنيين إلى شرق إفريقيا بين 430 ألفًا و970 ألف مهاجر، ومع متوسط إنجاب بلغ نحو 2.5 طفل للأسرة الواحدة، يُرجح أن عدد المواليد من هذه الزيجات وصل إلى ما يقارب 1.6 مليون شخص خلال تلك العقود، وهو ما يفسر الحضور الديمغرافي الكبير للمولّدين في اليمن لاحقًا بعد موجات العودة.
لم تكن العودة إلى اليمن خيارًا حرًا دائمًا؛ إذ دفعت الحروب الأهلية والتحولات السياسية في دول إفريقيا بعد الاستقلال كثيرًا من الأسر إلى العودة مصحوبة بأبنائها، حاملة معها ثقافات متعددة وآمالًا بالاندماج في الوطن الأبوي. غير أن المجتمع اليمني لم يستقبل الجميع بالدرجة نفسها من القبول. فقد ظهرت تفاوتات مناطقية واضحة؛ حيث بدت المدن الساحلية ذات التاريخ التجاري والانفتاح الثقافي، مثل عدن والمكلا، أكثر تقبّلًا، بينما ارتفعت مستويات التمييز في بعض مناطق المرتفعات ذات البنية القبلية المغلقة، حيث ارتبط مفهوم النسب بالتصورات التقليدية للنقاء الاجتماعي.
هنا يبدأ الوجه الأكثر قسوة في تجربة المولّدين: الآثار النفسية والاجتماعية العميقة للتمييز. فالمولّد يعيش غالبًا صراعًا داخليًا بين هويتين، ما يولد شعورًا دائمًا بعدم الاكتمال والانتماء الناقص. يتعرض بعضهم للتنمر منذ الطفولة بسبب لون البشرة أو الملامح المختلفة، ويواجهون صعوبات في الحصول على الوثائق الرسمية أو فرص التعليم والعمل، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل الثقة بالنفس وتكوين إحساس خفي بالدونية الاجتماعية. وقد يتحول هذا الضغط إلى قلق مزمن أو اكتئاب أو ميل إلى العزلة، خصوصًا حين يشعر الفرد بأن المجتمع يطالبه بإخفاء جزء من ذاته لكي يُقبل. الأخطر من ذلك هو الشعور بالذنب تجاه الأم، إذ يدرك الابن أن الاعتراف الكامل بهويته يعني تحدي النظرة الاجتماعية السائدة، فينشأ تمزق عاطفي بين الولاء العائلي والرغبة في الاندماج الاجتماعي.
أما الأم الإفريقية فتعيش بدورها غربة مضاعفة؛ فهي غريبة ثقافيًا عن مجتمع الزوج، وغريبة نفسيًا حين تشعر بأن أبناءها مضطرون لإخفاء جزء من هويتهم المرتبطة بها. ويتحول الصمت الثقافي داخل الأسرة أحيانًا إلى شكل من أشكال الفقد الرمزي، حيث لا تنتقل اللغة أو الذاكرة أو الحكايات الأمومية إلى الجيل التالي، فتشعر الأم بأنها تفقد حضورها تدريجيًا داخل حياة أبنائها. وهكذا لا يقتصر التعصب على الفرد، بل يمتد ليصيب البنية العاطفية للأسرة نفسها.
ومع ذلك تكشف تجربة المولّدين عن إمكان إنساني مختلف؛ فهم بحكم نشأتهم بين ثقافتين يمتلكون قدرة استثنائية على الوساطة الثقافية وفهم الآخر وتجاوز الحدود الهوياتية الصلبة. إنهم، بمعنى ما، صورة مبكرة للعالم المعاصر الذي تتداخل فيه الهويات والهجرات والثقافات. لذلك فإن أزمة المولّدين ليست أزمة نسب، بل أزمة تصور اجتماعي للهوية ما يزال أسيرًا لفكرة النقاء الثقافي، وهي فكرة يناقضها التاريخ نفسه؛ لأن اليمن، مثل كل المجتمعات البحرية، تشكّل دائمًا عبر الهجرة والتبادل والاختلاط.
إن قضية المولّدين اليمنيين تكشف أن العنصرية لا تنشأ فقط من اختلاف الأعراق، بل من الخوف من الاختلاف ذاته. وهي تذكّرنا بأن الهوية ليست معطى مغلقًا، بل عملية تاريخية مفتوحة تتشكل عبر اللقاء والتفاعل. وربما يكون السؤال الحقيقي ليس من هم المولّدون، بل لماذا يخشى المجتمع الاعتراف بأن التنوع جزء أصيل من تاريخه؟ ففي النهاية، لا يحمل المولّدون عبء الاختلاف، بل يحملون إمكان مستقبل أكثر إنسانية، حيث يصبح الانتماء فعل مشاركة في الحياة المشتركة لا اختبارًا لنقاء الأصل
إن أخطر أشكال التمييز الاجتماعي لا تظهر في صورة العنف الصريح أو الخطاب العدائي المباشر، بل في تلك البنية الخفية التي تجعل الظلم يبدو طبيعيًا، بل أحيانًا غير مرئي. فالعنصرية، حين تبلغ مرحلة النضج الاجتماعي، تتخلى عن لغتها الصاخبة وتتحول إلى ممارسة يومية صامتة، تعمل داخل العلاقات الاقتصادية والأعراف الاجتماعية وآليات الاعتراف القانوني، دون أن تعلن نفسها بوصفها عنصرية. هنا لا يعود التمييز موقفًا أخلاقيًا فرديًا، بل يصبح نظامًا عمليًا لإدارة الهشاشة الإنسانية.
وتكشف التحقيقات الميدانية الحديثة حول أوضاع فئة «المولّدين» في المجتمع اليمني عن هذا الشكل تحديدًا من العنصرية البنيوية؛ إذ يتبين أن الاستغلال لا يقوم أساسًا على الإقصاء المباشر، بل على إدماج ناقص داخل المجتمع. فالفرد موجود اجتماعيًا، لكنه محروم ضمنيًا من شروط المساواة الفعلية. يعمل، لكنه لا يحصل على أجر عادل؛ يتزوج، لكن ضمن علاقات غير متكافئة؛ يعيش داخل المجتمع، دون أن يمتلك كامل حق الانتماء إليه.
إن ما توضحه الشهادات الميدانية ليس مجرد حالات فردية من الظلم، بل نمطًا متكررًا من الممارسات التي تتوزع بين سوق العمل، والعلاقات الأسرية، والحصول على التعليم والخدمات الأساسية، وصولًا إلى المعاملات الاقتصادية وحقوق الملكية. وهنا يتحول الضعف القانوني والاجتماعي إلى مورد للاستغلال، حيث تُستخدم الهشاشة نفسها كآلية إنتاج للقيمة الاقتصادية والاجتماعية. فالتمييز لا يعمل رغم ضعف الضحية، بل يعمل بسببه.
بهذا المعنى، لا تعود العنصرية حدثًا استثنائيًا، بل تصبح بنية تنظيمية غير معلنة، تسمح باستمرار التفاوت دون حاجة إلى عنف ظاهر. إنها عنصرية بلا خطاب عنصري، وتمييز بلا إعلان، ونظام هيمنة يعمل من خلال العادات اليومية أكثر مما يعمل عبر القوانين. ولذلك يصعب رصدها أو مساءلتها، لأنها تتخفى داخل ما يعتبره المجتمع «طبيعيًا» أو «اعتياديًا».
ويكشف التحليل الميداني كذلك أن استمرار هذا النمط من الاستغلال لا يرتبط فقط بالمواقف الاجتماعية، بل بتشابك عوامل قانونية واقتصادية وثقافية تخلق منطقة رمادية بين الاعتراف والإقصاء. فغياب الحماية القانونية الكافية، إلى جانب الأعراف الاجتماعية الراسخة، ينتج وضعًا وسيطًا يعيش فيه الفرد معترفًا به جزئيًا ومهمّشًا فعليًا في الوقت ذاته. وهذه الحالة الوسيطة هي ما يمنح العنصرية الصامتة قدرتها على الاستمرار، لأنها لا تُرى كظلم واضح، بل كترتيب اجتماعي مألوف
قصة المولَّدين اليمنيين ليست قصة أقلية اجتماعية فحسب، بل مرآة تكشف صراع المجتمع مع ذاته: بين تاريخ بحري مفتوح صنعته الهجرة والتبادل، ووعي اجتماعي ما يزال يبحث عن نقاء متخيَّل.
إن الاعتراف بالمولَّدين ليس مسألة حقوقية فقط، بل خطوة نحو مصالحة المجتمع مع تاريخه الحقيقي؛ تاريخ لم يُبنَ على العزلة، بل على السفر والزواج والاختلاط والتبادل الحضاري فالمولَّد، في النهاية، ليس إنسانًا بين عالمين، بل دليل حيّ على أن العالم كان دائمًا واحدً( ينظر، سامي الشاطبي، المولّدون اليمنيين ..صراع التمييز والعنصرية، وتقرير تجارة العنصرية الصامتة؛ كيف يستغل المجتمع اليمني ضعف المولدين، 14 أبريل 2025م)…
منشور برس موقع اخباري حر