ضع اعلانك هنا

في هجرة النساء بوصفها ظاهرة اجتماعية جديدة …

الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي …

هجر، هجرة، هاجر ، مهاجر، غادر، ارتحل، سافر، ترك المكان، شد الرحال، اغترب، تغرب، صار بعيدا عن الوطن، بمعنى انتقل من مكان إلى أخر .الخ من الكلمات التي يستخدمها الناس في كل مكان وزمان للتعبير عن ظاهرة الهجرة والسفر والاغتراب بمختلف اللهجات واللغات. إذ تعد الهجرة من الظواهر الطبيعية التي تتصل بحياة الكائنات الحية، بوصفها حركة نقلة وانتقال من مكان إلى مكان آخر، إذ تهاجر الطيور والحيوانات البحرية والبرية من مواطنها الأصلية إلى أماكن مختلفة لأسباب ودوافع عدة منها ؛ إيكولوجية تتصل بالمناخ والكوارث الطبيعية, الجدب والخصب والعواصف والفيضانات والزلازل والبراكين .الخ . غير أن الهجرة بالنسبة للإنسان تكتسب معاني ودلالات ما بعد طبيعية؛ اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية وحقوقية وأخلاقية وسيكولوجية. إلخ. وهي لذلك تعد من الظواهر الاجتماعية الشديدة التركيب والتعقيد بما تنطوي عليه من بنية متعددة العناصر ولأنساق (فاعلون ، فاعلات،وأفعال ودوافع وعلاقات وقيم ومفاهيم؛ غربة، اغتراب ونزوح وهُوية واندماج وانتماء وذاكرة وحنين.إلخ).

والهجرة ليست مجرد انتقال في الجغرافيا، بل تحوّل في الكينونة. هي مغادرة مكانٍ إلى آخر، لكنها أيضًا مغادرة طورٍ إلى طور، ومعنى إلى معنى. ولئن كانت الهجرة في المخيال الجمعي ارتبطت طويلًا بالرجال؛ بالترحال، بالغزو، بالتجارة، بطلب الرزق، فإن المرأة ظلّت – في الوعي التقليدي – لصيقة المكان: البيت، العائلة، العشيرة، الخيمة، السكن. وكأنها هي الأرض في ثباتها، وهي الوطن في حميميته، وهي الذاكرة حين تتجسد في حضن.

المرأة في ثقافتنا ليست فردًا فقط، بل رمز: رمز السكن والدفء، رمز الرحم الذي منه تبدأ الهجرة الأولى وإليه يحنّ الكائن طوال عمره. أول منازل الاغتراب مغادرة رحم الأم، وأول صدمة في الوجود هي الفطام؛ انفصالٌ عن دفءٍ مطلق إلى عالم بارد واسع. من هنا يمكن فهم سرّ الحنين الدائم، ذلك الشوق الغامض إلى “مكان” لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة. لعل كل هجرة لاحقة ليست إلا استعادة رمزية لتلك القطيعة الأولى.

حين أتأمل العلاقة بين المرأة والأرض أجد تشابهًا كثيفًا في اللغة والرمز. الأرض في لسان العرب أنثى، وهي موضع الثبات والتمكن. يُقال تأرّض بالمكان إذا ثبت فيه وأقام. والأرض الأريضة لينةٌ طيبة المقعد، كريمة النبات. وفي لهجتنا الحضرمية نسأل المقبلة: “ويشّك عساك ريّض؟” من الريضة؛ أي هل وجدت راحةً وأمنًا؟ المكان إذن ليس جغرافيا صمّاء، بل تجربة راحة وطمأنينة. لا كينونة بلا مكان، ولا شخص بلا انتماء. كون، كان، مكان، كائن، كيان، كينونة… كلها تدور في فلك الثبات والتمكن.

المرأة هي التي تحوّل المكان إلى بيت، والبيت إلى سكن، والسكن إلى حياة. ولولا مرورها بالمكان لما صار منزلًا يُبكى على أطلاله. “قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل…” ليس بكاءً على حجارة، بل على ذكرى امرأة جعلت من المكان معنى. من هنا تبدو هجرة المرأة حدثًا مضاعف الدلالة؛ فهي لا تغادر جغرافيا فحسب، بل تخلخل رمز الاستقرار ذاته إذ كانت هجرة النساء نادرة في السرديات العامة، أو تابعة لهجرة الرجل. أما اليوم، وفي ظل العولمة، فقد صارت المرأة مهاجرة فاعلة: طالبة، باحثة، فنانة، عاملة، لاجئة، قيادية. العالم الذي انكمش زمانه ومكانه بفعل ثورة الاتصالات ألغى المسافات القديمة، وجعل الانتقال بين القارات أقرب إلى انتقال بين أحياء مدينة واحدة. لم يعد “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا” قولًا صالحًا لزماننا؛ فاللقاء صار قدرًا يوميًا، والتمازج حقيقة معاشَة.

وأنا أتابع ندوة إخلاص فرانسيس في غرفة 19 عن ( قضية الفكر الفلسفي للتراث المهاجر ) في 18 فبراير 2026م وقبلها ندوة ( مبدعات عربيات في أوروبا… الفرص والتحديات” في يناير 2026 شعرت بأنني أمام شهادات حيّة على هذا التحول. كاتبات، شاعرات، باحثات، فنانات من مشارب عربية متعددة، يجمعهن فضاء أوروبي واحد، وتجارب اغتراب متباينة. كانت أصواتهنّ تحكي عن الهجرة لا كحكاية ألم فقط، بل كمسار تشكّل وإعادة تعريف للذات. بعضهن وجد في أوروبا فضاءً أرحب للإبداع، وبعضهن واجه عزلة ثقافية ولغوية، وبعضهن عشن التوتر بين صورة “المرأة العربية” في المخيال الغربي، وصورتهن عن أنفسهن.

هنا يتخذ مفهوم “الاغتراب المزدوج” بعدًا خاصًا عند النساء. فهي قد تكون غريبة عن مجتمعها الأصلي إن تمردت على أدواره التقليدية، وغريبة عن المجتمع الجديد إن لم تُستوعَب بالكامل. تعيش بين صورتين: صورة متخيلة عنها في وطنها، وصورة نمطية عنها في المهجر. إنها تفاوض يوميًا على هويتها؛ كامرأة، كمهاجرة، كمبدعة، كأم أو زوجة أو مستقلة.

وإذا كان الرجل المهاجر يُقاس غالبًا بنجاحه المهني والمادي، فإن المرأة المهاجرة تُحمّل فوق ذلك عبء إعادة إنتاج الثقافة داخل البيت. هي حارسة اللغة، وناقلة العادات، وصانعة التوازن بين ثقافة المنزل وثقافة المدرسة. أطفال المهاجرين يعيشون بين عالمين: حرية فردية في الفضاء العام، وانضباطًا تقليديًا في الفضاء الخاص. الأم هنا ليست مجرد راعية، بل جسر حضاري. نجاحها أو عجزها في إدارة هذا الجسر ينعكس على تماسك الأسرة وهويتها.

لكن الهجرة ليست مجرد تجربة اجتماعية؛ إنها أيضًا حدث نفسي عميق. في التحليل النفسي تُعدّ الهجرة تجربة صادمة، حتى حين تكون اختيارية. هي اقتلاع من سياق مألوف، وفقدان لشبكات دعم، وامتحان للقدرة على إعادة بناء الذات. بالنسبة للنساء، قد تتضاعف الصدمة إذا ترافقت مع تبعية قانونية أو اقتصادية، أو مع صدام بين قيم نشأن عليها وقيم المجتمع الجديد. ومع ذلك، تشير دراسات الهجرة المعاصرة إلى أن النساء غالبًا ما يبدين مرونة تكيفية عالية، ويستثمرن شبكات التضامن النسوية والتعليم والعمل لبناء استقلال نسبي داخل مجتمعاتهن الجديدة.

في عالم اليوم، تغير معنى الهجرة جذريًا. في الأزمنة ما قبل الحديثة كان المهاجر يختفي؛ تنقطع أخباره سنوات طويلة. أما الآن فهو متصل رقميًا بأهله ليل نهار. ومع ذلك قد يبقى غريبًا قانونيًا أو رمزيًا. الغربة لم تعد فقط بعدًا مكانيًا، بل قد تكون فقدانًا للحماية السياسية أو لاعتراف الدولة. العيش بلا دولة ضامنة هو شكل قاسٍ من الاغتراب، خاصة للنساء اللواتي يحتجن إلى أطر قانونية تحمي حقوقهن في العمل والملكية والحضانة والتمثيل.

الهجرة، كما يفرق الدارسون، قد تكون داخلية أو خارجية، مؤقتة أو دائمة، فردية أو جماعية، اقتصادية أو تعليمية أو قسرية. غير أن المشترك بينها جميعًا هو تبدل مكان الإقامة وما يستتبعه من إعادة تشكيل للعلاقات. لكنها أيضًا موقف ذهني: قرار بالعبور، أو اضطرار إليه. والهجرة النسوية اليوم تكشف أن المكان لم يعد قدرًا بيولوجيًا أو ثقافيًا، بل خيارًا تفاوضيًا إلى حد بعيد.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الانتقال ذاته، بل في تغيير “البارادايم”؛ نمط الرؤية الكلية للعالم. العولمة بأفقها الإنساني تفرض إعادة نظر في ثنائيات جامدة: شرق/غرب، أصالة/معاصرة، تقليد/حداثة. المرأة المهاجرة تقف في قلب هذا التحول؛ فهي تعيش التداخل يوميًا، وتجسّد في حياتها معنى التلاقي والتأثير المتبادل.

الاندماج الحضاري – للرجال والنساء على السواء – لا يعني الذوبان ولا القطيعة مع الجذور. إنه تفاعل نقدي واعٍ، يأخذ من الحضارة الجديدة ما يعزز الكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة، ويحفظ من الثقافة الأصلية ما يدعم التضامن الأسري والعمق الروحي والمعنى الأخلاقي. تعليم اللغة العربية للأبناء ليس مجرد حفاظ على تراث، بل بناء لهوية واثقة. والانخراط في المجتمع المدني ليس تخليًا عن الأصل، بل توسيع لأفق المشاركة. والحوار الأسري المفتوح يحول الصراع الثقافي إلى فرصة تعلم متبادل.

المرأة، بوصفها حاملة المكان في رمزيتها، حين تهاجر لا تفقد قدرتها على “التأرّض”؛ أي التمكن. هي قادرة على أن تصنع أرضها حيثما حلّت، وأن تحوّل الغربة إلى تجربة نمو، وأن تربي جيلًا مزدوج الوعي: منفتحًا على العالم، معتزًا بجذوره، قادرًا على العيش في قرية كونية دون أن يذوب فيها.

ربما لن تختفي معاني الهجرة والاغتراب تمامًا، لكن يمكن تخفيف حدّتها حين ندرك أن الكينونة ليست حبيسة جغرافيا واحدة. المكان يمنحنا هوية، نعم، لكن الإنسان قادر على أن يحمل مكانه في داخله. وعندما تفعل المرأة ذلك – حين تحوّل المنفى إلى بيت، والبيت إلى أفق – فإنها تعيد تعريف الأرض ذاتها: لا كحدود مغلقة، بل كمساحة حياة تتسع للذاكرة والمستقبل معًا…

ضع اعلانك هنا