ضع اعلانك هنا

تأملات فلسفية في معنى الحرب الذكية🕊️ من المخالب والأنياب إلى المسيرات والشرائح…

الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي …

لم تكن الحرب في بداياتها سوى امتداد عضليّ لجسد خائف أو طامع. كانت قبضة اليد، ثم السيف، ثم المدفع، هي اللغة التي تُترجم بها إرادة الهيمنة. كان الوصول إلى رأس الدولة أو قلب القيادة ضرباً من المستحيل إلا عبر حصار طويل أو خيانة أو انهيار داخلي. كانت الجغرافيا تحمي، والزمن يمنح مهلة، والتاريخ يُقدّم عزاءً وخبرةً ودليلاً أما اليوم، فقد انكسرت المسافة، وتبخر الزمن، وصارت القيادة إحداثية رقمية على شاشة. لم تعد الضربة الأولى تستهدف الأسوار بل العقول، ولا تبدأ الحرب بإعلان تعبئة بل بتعطيل شبكة، أو اختراق خادم، أو اغتيالٍ دقيق عبر مسيّرة تُدار من وراء محيطٍ آخر. ما كان مستحيلاً في الأزمنة “غير الذكية” أصبح احتمالاً محسوباً داخل خوارزمية، غير أن هذا التحول العسكري ليس إلا عرضاً لزلزال أعمق. فالعالم ذاته، كما وصفه جورج بالاندييه، دخل تيهاً لا تسعفه الكلمات. الحركة أصبحت قانوناً، والرجوع إلى الماضي لم يعد كافياً لفهم الحاضر. المشهد الكوني مضطرب إلى حدٍّ بدا معه التاريخ يترنح، والقيم تهتز، والحضارة تضطرب في فوضى شاملة. أحسّ الإنسان، منذ منتصف القرن العشرين، كأنه يقف على أرض تميد به، في عالمٍ تتكاثر فيه المستجدات بسرعة تُضعف القدرة على القياس بالمماثلة أو الاستئناس بالتجربة.

هذا الإحساس بالأزمة لم يكن أدباً تشاؤمياً، بل موقفاً معرفياً. جفري باراكلاف كتب عن شعورٍ بأننا على عتبة عصر جديد لا تزودنا فيه تجاربنا السابقة بدليل أمين. التاريخ، الذي كان معلّماً، فقد سلطته التقليدية. بل إن بعض المؤرخين ذهبوا أبعد من ذلك: ج. هـ. بلومب تحدّث عن اندثار فكرة التقدم، ودافيد رونالد أعلن استفزازياً “تاريخنا بلا أهمية”. لم يعد الماضي مرآة صالحة للحاضر، ولا المستقبل امتداداً مطمئناً له.
في هذا الفراغ التأويلي، اندفع الفكر الغربي إلى سباق محموم لنحت أسماء للعصر: العولمة، ما بعد الحداثة، ما بعد القومية، نهاية التاريخ، صدام الحضارات، مجتمع الاستهلاك، عصر التقنية، الثورة الرقمية، القرية الكونية، الوطن السيبرنيتي… سيلٌ من المفاهيم يحاول القبض على زمنٍ يتفلّت من القبض. كأن اللغة نفسها تحاول اللحاق بعالمٍ يركض أسرع منها.

من وسط هذا الزحام النظري، يبرز فيلسوف التاريخ الأمريكي صاحب كتاب ( صدمة المستقبل) ألفين توفلر بتوصيفه الشهير: “الموجة الثالثة”. بعد موجة زراعية ارتبطت بالأرض، وموجة صناعية ارتبطت بالمصنع ورأس المال، تأتي موجة المعلومات والمعرفة. هنا تنتقل القوة من الحقل إلى المصنع، ومن المصنع إلى الشريحة الإلكترونية. لم يعد مصدر السلطة هو امتلاك الأرض أو التحكم بالعمل، بل احتكار المعرفة وتدفق المعلومات وفي هذا السياق تتغير الحرب جذرياً. في الموجة الأولى كانت الحرب صراعاً على الأرض. في الثانية كانت حرب مصانع وجيوش جرارة تعب mobilization صناعي شامل. أما في الثالثة فهي حرب بيانات وخوارزميات. الطائرة المسيّرة ليست مجرد آلة طيران؛ إنها عقدة في شبكة معلومات. الصاروخ الذكي قرارٌ حسابيّ متحرك. والمنظومات القادرة على “مليون استنتاج منطقي في الثانية” ليست مبالغة تقنية، بل إعلان عن انتقال مركز الثقل من العضلة إلى المعالجة.

غير أن فهم الحرب الذكية لا يكتمل دون استدعاء الفرنسي غي ديبور و”مجتمع الفرجة”. فالحرب اليوم لا تُخاض فقط في الميدان، بل في فضاء الصورة. الضربة العسكرية تُصمَّم أحياناً بقدر ما تُصمَّم صورتها. البيان يسبق الحدث، والتسريب يمهّد للانفجار، والصورة تصنع الإدراك العام الذي يحدد معنى النصر والهزيمة.

الفرجة هنا ليست زينة فوق واقع صلب، بل هي – كما يقول ديبور – نمط إنتاج قائم بذاته. لم تعد البنية الفوقية انعكاساً لبنية تحتية، بل صارت هي البنية ذاتها. في الحرب الذكية، يصبح الجندي نقطة بيانات، والمدينة خريطة حرارية، والضحية رقماً في شريط عاجل. كل شيء يتحرك، ولا شيء يُقتسم: الألم يُستهلك بصرياً، والدم يُختزل إلى بكسلات وهنا تتقاطع رؤية ديبور مع ما يشبه “الجريمة الكاملة” عند بودريار: قتل الواقع عبر فرط تمثيله. الخبر يصنع الحدث، والصورة تحل محل الأصل، والافتراضي يتقدم على الواقعي. في مشاهد الحروب المعاصرة في الشرق الأوسط، لا يُستعرض السلاح فقط، بل يُستعرض التفوق المعرفي: قدرة على الاختراق، على التتبع، على إصابة الهدف بدقة جراحية. لكن خلف هذا الاستعراض، يدور صراع أعمق على من يحتكر السردية ومن يحدد ما يُرى وما يُخفى.

الحرب التقليدية كانت مواجهة أجساد في فضاء محسوس. كان الخوف متبادلاً، والموت قريباً، والتاريخ شاهداً مباشراً. أما الحرب الذكية فهي مواجهة أنظمة عبر وسائط. الفاعل قد يكون آلاف الكيلومترات بعيداً عن الهدف. القرار يُتخذ عبر شاشة، والضغط على زرّ قد يغيّر مصير مدينة. هنا يتراجع الاحتكاك الحسي، ويتقدم الوسيط التقني. الإنسان لا يقتل بيده، بل عبر طبقات من البرمجيات.

لكن المفارقة أن هذا “الذكاء” العسكري يتغذى من أزمة أوسع: أزمة معنى. إذا كان التاريخ – كما رأى بعض المؤرخين – لم يعد قادراً على إرشادنا، وإذا كانت المفاهيم تتكاثر دون أن تمنح يقيناً، فإن الحرب الذكية تصبح أحد تعبيرات هذا التيه. إنها حرب عصر فقد ثقته بالسرديات الكبرى، واستعاض عنها بخوارزميات صغيرة سريعة وفعالة ومع ذلك، يظل سؤال الإنسان معلقاً: هل نقلنا الحرب من المخالب والأنياب إلى المسيّرات والشرائح، أم نقلنا إنسانيتنا ذاتها إلى منطقة رمادية بين الواقع والافتراض؟ هل صارت المعرفة، كما تنبأ توفلر وليوتار، المصدر الحاسم للقوة؟ وإذا كانت كذلك، فمن يملك المعرفة يملك تعريف الواقع نفسه.

ربما يكون أخطر ما في عصر الموجة الثالثة أن الصراع لم يعد فقط على الأرض أو الثروة، بل على الإدراك. من ينجح في تشكيل الوعي، يحدد معنى الحدث قبل أن ينتهي. في مجتمع الفرجة، النصر ليس من يحتل مساحة جغرافية فحسب، بل من يحتل شاشة.

هكذا نكتشف أن الحرب، رغم انتقالها من الغابة إلى الشبكة، لم تغادر منطق الافتراس؛ إنها فقط استبدلت المخالب بالألياف البصرية، والأنياب بالشرائح الإلكترونية. وبين تيه العالم الذي وصفه بالاندييه، وحيرة المؤرخين، وتسارع المفاهيم، تقف البشرية أمام مفترق حاسم: إما أن تستعيد قدرتها على إضفاء معنى إنساني على المعرفة والقوة، أو تترك الخوارزميات تكتب تاريخاً قد لا يعود تاريخاً للبشر.

هنا والأن صرنا في مواجهة السؤال الحقيقي لا عن شكل الحرب القادمة، بل عن شكل الإنسان الذي سيخوضها؟!..

ضع اعلانك هنا