ضع اعلانك هنا

من يحمي الأرض من أخر الزائرين؟!…

الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي…

حركة حقوق الأرض اولا توصلت إلى أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي ليس له جذور في الأرض… بكونه نوعاً بيولوجياً هو القادم الأخير, غير المرغوب فيه. وجوده الشاذ, في رأي بعض المنظرين, ربما يوقف التطور البيولوجي الطبيعي للأنواع ويرى (جارى شنايدر) أن التاريخ الإنساني هو تاريخ نهب وتخريب لهذا الكوكب الثمين الجميل” وترى (جودي باربي) “أن الأرض ستقوم وتنتقم وتطردنا من فوقها”
تلك الرؤية التي صدمتني حينما قرأتها قبل عشرين عاما بدأت الآن اتفهم مقاصدها الجديرة بالقيمة والأهمية والاعتبار.
وهي رؤية نابعة من قلق حقيقي على مصير الأرض التي هي أم الحياة كلها ولا يحق لإي كائن من كان العبث بها وتسخيرها لمصالحة العابرة المدمرة. رؤية جماعة الأرض أولا أكدت أن الإنسان هذا الزائر الغريب الأخير هو الذي يستحق الموت قبل أن يدمر الكوكب، الإنسان نفسه وليس المجتمع الحديث فقط هو الذي سينقرض بهدوء في النهاية, تدميره المحموم لبيئته, نهبه الكوكب الأرضي, كل ذلك سوف ينتهي, وسوف تتوقف الثرثرة الجوفاء عن الحضارة الكلمة الأخيرة هي كلمة د.هـ. لورانس الذي كتب يقول: (نظر “بيركن” إلى الأرض في المساء وهو يفكر: حسن إذا تم تدمير البشرية….. إذا هلك جنسنا كما حدث لـ”سدوم” وبقي هذا المساء الجميل, بالأرض النيرة والأشجار الخضراء…. فأن ذلك يكفيني… فلتمض البشرية…. حان وقتها لم تعد الإنسانية تجسد ما لا يسبر غوره… الإنسانية كتابة ميتة…. دع الإنسانية تختفي بأسرع ما يمكن”
وإذا كانت التشاؤمية الاركيولوجية قد بلغت هذا الحد من التطرف واليأس, من جدوى الإنسان والحضارة, فأن تشاؤمية توينبي التاريخية والبيئية أبقت باب الأمل مفتوحاً أمام الإنسان الذي عليه أن يواجه التحدي الأصعب, إذ يرى توينبي أن الإنسان هو واحد من سكان هذا المجال الحيوي الذي يغلف الأرض. وهو واحد من هذه المخلوقات الحية التي هي أبناء الأم-الأرض. لكنه يتميز منها بأن له روحاً. وهو بذلك على اتصال مع حقيقة روحية التي هي ليست من هذا العالم. ولذا يتوجب على الإنسان أن يتجه نحوها في علاقاته وخياراته. منها المحبة ففي عصر الثورة الصناعية يجب أن يوسع نطاق المحبة البشرية بحيث تشمل جميع العناصر التي يتكون منها المجال الحيوي الحي منها الذي لا حياة فيه.
فهل تغتال الشهوة التقنية الأرض- الأم أو أن الإنسان سينقذها أنه يستطيع أن يغتالها باستعمال قوته التكنولوجية المتزايدة, والخيار الآخر هو أن الإنسان يستطيع إنقاذها بالتغلب على الطموح العدواني الانتحاري هذا هو السؤال الملح الآن؟

إذ ان الانسان ليس لديه الدربة الكافية على استعمال القسوة وعلى احتمال الشقاء فحسب, بل اثبت التاريخ الإنساني أيضا ان في مكنة الطاقة البشرية ان تبدع عالما متألقاً بالجمال والمجد الرفيع.
نعم يمكن الإنسان ذلك إذ كانت الشروط الاجتماعية والتاريخية للحياة منهجية عقلانية إنسانية وليست تلك القائمة على ايديولوجيا الربح والمصلحة المادية والاستهلاك السريع, ولكنها لا تعير الانسان وحريته وقيمه الروحية والمعنوية أي وزن يذكر, (الانسان ذو بعد واحد) إذ ان جماع عبقرية هذا النمط من العلاقات يتمثل في ابتداع الوسائل ومراكمتها بصورة جنونية دون معنى أو غاية, اللهم غاية الأداتية والاستهلاك الاني, كماعبر “هابرماز” في كتابه “العلم والتقنية كايديولوجيا”
وهذا ما أكده عالم البيولوجيا الشهير “جاك تستار”حيث يرى, إن الكرة الارضية ستتفجر تحت وطأة التلوث, فيما إذا قررت الكائنات البشرية المتزايدة في آسيا وافريقيا إن تعيش في المستوى نفسه من الحياة التي يعيشها اليوم الامريكيون, ولكن بما انه ما منطق, غير منطق القوة العارية يستطيع أن يمنع آهل الجنوب من التطلع الى تقليد أهل الشمال في مستوى حياتهم فانه لا يبقى من حل أخر سوى ان يخفف اهل الشمال من مستوى حياتهم ويتنازلون طوعا عن أنانيتهم” وهكذا تطلعت الصين إلى تقليد أمريكا في بناء محطة فضائية صينية في فضاء الكرة الأرضية المباح لمن يستطيع الوصل اليه. وهذا هو الصراع الجوهري في العالم المعاصر بين قوى الهيمنة العالمية الراهنة.
وهكذا تريد روسيا أن تكون مثل أمريكا.

والواقع ان المشكلات الجديدة التي تواجه الانسان اليوم تتطلب فلسفة تقوم على اساس عريض.. فلسفة تضع في قلب اهتماماتها, بالاضافة الى الانسان الأرض أولًا والكائنات “الموجودة الاخرى الخارجية, والاهتمام بها لذاتها باعتبارها الارض والفضاء التي يعيش وسطها الانسان (الثروات الطبيعية والثورة الحيوانية والنباتية..الخ. وتلك هي القضية التي شغلت ارنولد توينبي في أيامه الأخيرة، إذ لم تكن قضية الحضارة الغربية وانهيارها فحسب، بل كان يفكر في مستقبل البشرية ومصير الإنسانية على هذا الكوكب المسكون، إذ كتب يقول “إن البشرية تأخذ بخناقها أزمة خانقة لا تقل في شرها عن الحربين العالميتين. والمستقبل مزعج. ان البشرية تستطيع ان تستمر على العيش على هذا المجال الحيوي مائتي مليون سنة أخرى، إذا لم يؤد عمل الإنسان الى تدمير المجال الحيوي، … وليس ثمة من سابق لهذه القوة التي تسلط بها الإنسان على المجال الحيوي على النحو الذي تم خلال القرنين من 1763الى1973. وفي هذه الأحوال المذهلة ثمة نبوءة واحدة يمكن ان يقدمها الواحد وهو متأكد منها ان الإنسان وهو أبن الأرض. لن يعيش بعد جريمة قتل الأم (الأرض) أن هو اقترفها فالعقاب هو القضاء على ذاته.
تلك المخاوف الكبرى هي التي شكلت مدارات الفكرة الفلسفي المعاصر
إذ ان التشاؤمية الثقافية والتشاؤمية التاريخية تتوحد في سبعينات القرن العشرين في نزعة تشاؤمية أشد خطراً هي التشاؤمية البيئية، التي أخذت تنفذ الى معظم الدوائر الأكاديمية والثقافية الاوراميريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على أساس الافتراض بان التلوث وسباق التسلح وغزو الفضاء واستغلال المصادر والتدمير المستمر للبيئة الأرضية، كلها مشكلات أوروبية ومن علامات المرحلة النهائية للغرب الحديث كما يقول أحد نشطاء حركة الأرض أولا إذ كتب: هذا هو المجتمع الصناعي يختنق أخيراً وبهدوء على كومة روثة ونفاياته… الحضارة تتغوط في التاريخ”
أن الصرخة التي أطلقها توينبي قبل وفاته محذراً من خطر التلوث البيئي الذي قد يفضي الى تدمير الإنسان والبيئة الحيوية بكل أشكال الحياة على الأرض سرعان ما تحولت إلى صيغة إيديولوجية تشاؤمية عند عدد من الدارسين أمثال (ادوارد آبي) – ناسك الصحراء- الذي كتب في عام 1988 “يأتي البشر ويذهبون، تنشأ المدن وتسقط، حضارات كاملة تظهر وتختفي، وتبقى الأرض بعد أن تتغير قليلاً… الإنسان حلم والفكر وهم… وحده الصخر هو الحقيقي, الصخر والشمس هو الذي سيبقى” كانت رؤيا نهاية العالم والنظام الأخضر الجديد، تنفذ الى صميم المؤسسة الثقافية الغربية إذ نجدها لدى عدد من النقاد مثل (لويس ممفورد) وكتابه أسطورة الآلة (وجاك ايلول) في (المجتمع التكنولوجي)، وبول ايرلش (القنبلة السكانية) 1968 الذي يردد أفكار (توينبي): “نحن القوة الكبرى الأكثر تأثيراً ونفوذا، نحن أغنى دولة في العالم، وفي الوقت نفسه نحن مجرد بلد واحد في كوكب آخذ في الانكماش… لابد من إيجاد وسائل لكي يدرك الشعب الأمريكي الخطر الداهم الذي يهدد أسلوبه في الحياة أو بالاحرى يتهدد حياته ذاتها”.
وهكذا صارت نظرية التحدي والاستجابة معكوسة إذ أن التشاؤمية التكنولوجية في حركة البيئة, قلبت العلاقة بين المجتمع والبيئة كما حددها توبيني في دراسته للتاريخ, حينما كانت البيئة تتحدى الإنسان وتستحثه لإنجاز الحضارات. الآن الإنسان هو التحدي الأخطر على البيئة والرجل الأبيض هو القادم الأخير لتدمير البوابات, والبوبات التي يدمرها هي بوبات الجنة, الكاتب (إدوارد آبي) تنبأ في كتابه “أخبار طيبة” عام 1980 بان (الدول الصناعية التقنية سوف تختفي من على وجه الأرض خلال خمسين عاماً, وسوف يحل محلها انتصار الحب والحياة والثورة” ويضيف كان (آبي) شديد الرفض للحضارة الصناعية, ففي زيارته إلى “مانهاتن الجنوبية عام 1956 يصف المشهد المثير (فخامة باردة جامدة كالقبور: مشهد مرعب لا أنساني أقرب إلى وادي الموت والجماجم مما هو إلى موطن إنساني للسكن” بلغة توينبي انقلبت عملية التحدي والاستجابة بطناً لظهر فالمجتمع الإنساني هو الذي يمثل تهديداً للطبيعة, وأن الطبيعة بوثبتها الحيوية, هي التي تقدم الاستجابة الممكنة اليوم؛ جائحة فيروس كورونا اللامرئي و الفيضانات الأعاصير الاستوائية, ارتفاع درجة حرارة الأرض وانفلات الصواريخ عن السيطرة بدت وكأن الطبيعة تثأر لنفسها ألان من الإنسان وحضارته الصناعية. هل بلغت الحضارة العلمية نبوءة فوكو التي أكد بها النهاية الوشيكة للإنسان كما ينتهي وجه مرسوم على رمال شاطئ البحر!
وفي هذا السياق يمكن لنا أن نفهم المعاني البعيدة لحركة البيئة الراديكالية التي رفضت فكرة أن للبشر حقوقاً أعلى من حقوق أي نوع آخر من كائنات هذا الكوكب. ولما كانت الحضارة الإنسانية تفترض العكس, فأنها تشكل جريمة مستمر ضد حقوق الأرض.

مقتطف من كتابي فلسفة التاريخ في
الفكر الغربي المعاصر الجزء الثاني..

ضع اعلانك هنا