الكاتب. / بروفيسور قاسم المحبشي ..
( عبادة الخرافات لا تكتفي بتلقين الإيمان بل
تعمد إلى العنف والإرغام لإخضاع المخالفين)
يبدو مفهوم الإيديولوجيا، منذ ولادته الحديثة وحتى تحوّلاته المعاصرة، وكأنه ظلٌّ يرافق السياسة دون أن يُرى مباشرة. لقد ظهر المصطلح أول الأمر عند دي تراسي بوصفه «علم الأفكار»، مشروعًا تنويريًا يسعى إلى تحرير العقل من الخرافة، غير أن هذا الطموح سرعان ما انقلب، فتحوّل المفهوم مع نابليون إلى تهمة بالتجريد والعيش في الأوهام. ثم جاء ماركس ليقلب المعادلة مرة أخرى، فجعل الإيديولوجيا وعيًا زائفًا يخدم مصالح مادية محددة، ويخفي البنية الحقيقية لعلاقات الإنتاج. ومع ألتوسير لم تعد الإيديولوجيا مجرد خطأ في الإدراك، بل صارت البنية التي تُنتج الذوات نفسها، تستدعي الأفراد وتمنحهم مواقعهم في العالم. أما دوبرية فقد ربطها بوسائطها المادية، مؤكّدًا أن الأفكار لا تعيش في الفراغ بل في مؤسسات وتقنيات وتنظيمات تنقلها وتعيد إنتاجها عبر الزمن.
في هذا المسار كله يتضح أن الإيديولوجيا ليست رأيًا، ولا شعارًا، ولا حتى عقيدة فحسب، بل هي الأفق الذي نفكر من خلاله دون أن نراه. إنها ما يجعل التاريخ يبدو طبيعيًا، والمصلحة تبدو مبدأً، والنسبي يبدو مطلقًا. وهنا تلتقي هذه السلسلة الطويلة من التحولات مع العبارة المكثفة التي تقول إن الإيديولوجيا هي أن «يفكر الناس بأقدامهم»؛ أي أن أفكارهم تنطلق من الأرض التي يقفون عليها، من مصالحهم، من مواقعهم داخل شبكة القوة، وإن هم توهموا أنهم ينطقون باسم السماء أو الحقيقة المطلقة.
فالسياسة، حين تُفهم بوصفها علاقات قوة واستراتيجيات مصالح، لا مجال فيها للأوهام الرومانسية أو الأمنيات الحالمة. ليست ساحةً للتمني بل ميدانًا للغلبة، كما يقول المثل: «ما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا». وفي حقل الممارسة السياسية – لا في فضاء الأخلاق المجردة – تُستعمل أدوات الشطارة والمكر والخداع والكذب والترهيب والترغيب والتفاوض والحرب، لأن الصراعات السياسية تُقاس بنتائجها لا بنوايا أصحابها. غير أن الخلط يقع حين لا نميّز بين السياسة بوصفها الحياة المشتركة للمواطنين في بلدهم، والسياسية بوصفها تنافسًا محتدمًا بين قوى تسعى للاستئثار بالسلطة وامتلاك عناصر القوة. الأول مجال مدني عام، والثاني حلبة صراع.
وهنا ينكشف المعنى العميق للعبارة التي تقول: «طويلاً ما أخفت السياسة عني السياسي». إنها تخفيه لا كما يخفي القطار قطارًا آخر، بل كما يخفي القطار السكة التي يجري عليها. تعدد القطارات لا يعني تعدد السكك؛ فالسكة واحدة: تاريخ القوة واحتدامها في كل لحظة من لحظات الحياة الاجتماعية. الناس يصنعون التاريخ، نعم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم، بل في ظل شروط معطاة سلفًا، في إطار ممكنات يرثونها من ماضيهم. كل قطار يظن أنه يتحرك بإرادته الخاصة، لكنه يسير على قضبان مرسومة مسبقًا.
بهذا المعنى، الإيديولوجيا ليست إلا ستارًا يغطي تلك السكة. إنها اللغة التي تجعل الصراع يبدو رسالة، وتجعل الهيمنة تبدو خلاصًا، وتجعل المصالح تبدو قدرًا. وحين تنشأ ثنائية «نحن» و«هم»، تتكثف الإيديولوجيا في أعلى صورها، لأنها تخلق حدودًا رمزية تُبرر الصراع وتمنحه بعدًا أخلاقيًا أو مقدسًا. وكلما اشتد الادعاء بامتلاك الحقيقة الواحدة، اتسعت الفجوة بين الخطاب والأرض.
السياسة لا تُتعلَّم من الكتب وحدها، كما لا يمكن تعلّم السباحة على اليابسة. يمكن قراءة مئات الأدلة عن السباحة، لكنك لن تتعلمها إلا حين تلقي بجسدك في الماء وتخاطر. كذلك لا يمكن لشعب أن يتعلم السياسة دون أن يمارسها في ميدانه العام. الممارسة هي الجزء المختفي من جبل الجليد؛ هي ما يفعله الناس فعلاً، لا ما يقولونه عن أنفسهم. وكما يقول بول فين، إن كلمة «الممارسة» تعبّر بوضوح عن معناها، لكنها تظل محتجبة كالجزء الغاطس من الجليد. ذلك الجزء هو تاريخ القوة المتراكم، هو ما لا يُرى من التوازنات والتحالفات والصراعات التي تحدد مجرى الأحداث.
في المجتمعات التي حُرم فيها الناس من الميدان العام، حيث احتكرت النخب الاستبدادية السياسة وحوّلتها إلى شأن مغلق يُدار بقوة النار والحديد، لم يُتح للمواطنين أن يتعلموا قواعد اللعبة، فكانت النتيجة تخبطًا وخرابًا وانفجارات غاضبة تتوالى بلا أفق. حين يُمنع الناس من ممارسة السياسة بوصفها حياة مشتركة، تنفجر السياسية بوصفها صراعًا عنيفًا على السلطة. وحين يُحجب الميدان العام، تتضخم الإيديولوجيا لتعويض الفراغ، فتتحول الشعارات إلى بديل عن الخبرة، واليقين إلى بديل عن التفاوض، والهستيريا الجماعية إلى بديل عن الفعل العقلاني.
هكذا يتضح أن الإيديولوجيا، من دي تراسي إلى دوبرية، ومن ماركس إلى تحليلات ما بعد الحداثة، ليست خطأً عارضًا في التفكير، بل هي البنية التي تغطي «السكة» وتمنحها أسماء براقة. إنها تجعل القطار ينسى القضبان. والسياسة، في جوهرها العاري، ليست سوى إدارة دائمة لعلاقات القوة في عالم محكوم بالتنافس والهيمنة والتدافع المستمر بين الأفراد والجماعات والشعوب. غير أن الفرق الجوهري يكمن في ما إذا كانت هذه العلاقات تُدار في فضاء مدني مفتوح يسمح للجميع بتعلم قواعد اللعبة، أم في فضاء مغلق يحتكر القوة ويمنع الناس من تعلم السباحة في بحرهم الخاص.
وفي النهاية، لا أحد خارج الإيديولوجيا تمامًا، لأن كل واحد منا يقف في مكان ما، على أرض ما، داخل تاريخ معين. لكن الوعي بهذه السكة – بتاريخ القوة الذي يجري تحت أقدامنا – هو الخطوة الأولى لتحرير السياسة من أوهامها، ولتحويلها من حلبة غلبة عمياء إلى حياة مشتركة قابلة للتعلم والمساءلة والمشاركة…
منشور برس موقع اخباري حر