الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي..
البارحة تواصل معي طالب علم نفس بجامعة أربيل بكردستان العراق. اخبرني بان اسمه جود وانه في المستوى الثالثة بكالوريوس بقسم علم النفس وانه تخصص في هذا المساق حبا ولا كرها. تواصلت عبر الفضاء الافتراضي ودار بيننا حوار أكاديمي بشأن اهمية علم النفس ونظرياته ومدارسة ومفاهيمه فتداعت في ذهني ذكريات الزمن الجامعي الجميل في كلية التربية العليا بجامعة عدن. تذكرت علاقتي بعلم النفس وأثره الباقي في القلب والذاكرة إذ لم تكن علاقتي بعلم النفس والفلسفة علاقة اختيارٍ بين حقلين معرفيين منفصلين، بقدر ما كانت تجربة تشكّلٍ تدريجي لوعيٍ أخذ يتسع مع الزمن، حتى بدا لي أن كل محاولة للفصل بينهما إنما هي افتعال نظري لا يصمد أمام الخبرة الحية. فمنذ سنواتي الأولى في الجامعة، وجدت نفسي مأخوذًا بعلم النفس، لا باعتباره مادة دراسية فحسب، بل بوصفه مدخلًا أوليًا لفهم الإنسان في تعقيده وغموضه، في ظاهره وباطنه، في سلوكه المعلن ودوافعه المستترة. ثم ما لبث هذا الانشغال أن قادني، دون وعيٍ كامل في البداية، إلى الفلسفة، حيث اتسعت الأسئلة، وتعقدت، وأخذت بعدًا وجوديًا يتجاوز حدود التفسير إلى أفق المعنى.
منحتني دراسة الفلسفة رؤية كلية عقلانية للعالم، رؤية تبحث في الوجود والتاريخ والإنسان والعقل والحرية والعدل والجمال وغيرها من المفاهيم التي شكّلت منذ البدايات الأولى للفكر الإنساني مادة التأمل الفلسفي عبر الحضارات، من الشرق القديم إلى اليونان، مرورًا باللحظة العربية الإسلامية الخصيبة، وصولًا إلى الحداثة التي لم تكن، في جوهرها، إلا مشروعًا فلسفيًا عقلانيًا لإعادة بناء العالم على أسس علمية وإنسانية. وفي المقابل، منحني علم النفس قدرة على النفاذ إلى الداخل الإنساني، إلى بنية الشخصية، إلى أنماط السلوك، إلى تلك المناطق التي لا تصلها الفلسفة إلا إذا استعانت بأدوات العلوم الإنسانية.
وادركت إن لعلاقة بين الفلسفة وعلم النفس هي علاقة عضوية وحيوية في فهم الإنسان والعالم فالفلسفة، بوصفها معرفة كلية، تظل عاجزة عن فهم الإنسان إذا لم تستند إلى معرفة نفسية واجتماعية وتاريخية للكائن ، وعلم النفس، مهما بلغ من الدقة، يظل في حاجة إلى أفق فلسفي يمنحه المعنى والاتساع. ومن هنا أدركت أن المعرفة، في جوهرها، ليست جزرًا منفصلة، بل شبكة متداخلة من العلاقات، وأن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الوعي الحديث في لحظة من لحظاته، هو اعتقاده بإمكانية استقلال العلوم بعضها عن بعض.
فهمت من خلال القراءة والحياة والتغذية الراجعة ، أن التطور والتقدم الإنساني لا يمكن أن يتحقق دون فهم مزدوج: فهم الطبيعة من جهة، وفهم الإنسان والتاريخ من جهة أخرى. فالعلوم الطبيعية تكشف لنا قوانين الكون، وتمنحنا القدرة على التنبؤ والسيطرة، لكنها تظل عاجزة عن الإجابة عن أسئلة المعنى والقيمة. وفي المقابل، تمنحنا العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي قلبها الفلسفة، القدرة على فهم الإنسان، حاجاته، دوافعه، صراعاته، وبنى مجتمعه، وهي بذلك تمثل الشرط الضروري لأي مشروع حضاري.
فلا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة ومظاهرها وفهم قوانين حركتها والتنبؤ بنتائجها وتلك هي وظيفة العلوم الطبيعية ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء في التاريخ والحضارة الا بمعرفة حقيقة الكائن الإنساني والمجتمع البشري بوصفهما لحمة التاريخ وسداه؛المعرفة القادرة على فهم حاجات الإنسان ودوافعه ومقومات الحياة الاجتماعية المدنية المستقرة وقوانين التاريخ وحركته والتنبؤ بمساراتها المستقبلية وتلك هي وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة في قلبها بل هي أمها التي ابدعت اخصب وانضج المفاهيم الأساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية( الوجود، الإنسان،والتاريخ والعقل والعلم والتقدم .الخ)
من دراستي للفكر الإنساني ادركت إن إذ لم تكن الحداثة الغربية في معناها الاوسع إلا مشروعا فلسفيا عقلانيا قرر اعادة تأسيس وبنا المجتمع من جميع جوانبه على أسس علمية عقلانية إنسانية شاملة. غير أن الانتصارات المذهلة التي حققتها العلوم التجريبية جعلتها في لحظة أوجها تستغني عن أمها الفلسفة والعلوم الإنسانية في منتصف القرن التاسع عشر حينما حلم اوغست كومنت بتأسيس فيزياء أجتماعية على قرار منهج الفيزياء في دراسة الظاهرة الطبيعية وهذا أمر غير ممكنا بسبب اختلاف الظاهرة الاجتماعية وطبيعتها الشديد التعقيد والتركيب.
غير أن الانتصارات المذهلة التي حققتها العلوم التجريبية في العصر الحديث، دفعت بها إلى نوع من الغرور المعرفي، جعلها تتوهم إمكانية الاستغناء عن الفلسفة والعلوم الإنسانية، خاصة منذ القرن التاسع عشر، حين حاول أوغست كونت أن يؤسس “فيزياء اجتماعية” على غرار الفيزياء الطبيعية. لكن سرعان ما تبين أن الظاهرة الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في قوانين صلبة، وأن الإنسان ليس مجرد موضوع خارجي يمكن عزله ودراسته بمعزل عن وعيه وثقافته وتاريخه.
ومع تفاقم الأزمات المعاصرة، عاد الوعي بالحاجة إلى التكامل المعرفي. فقد أفرز التقدم العلمي والتكنولوجي مشكلات غير مسبوقة: من جائحة كوفيد-19 وتداعياتها، إلى أزمات البيئة والتغير المناخي، إلى الحروب وسباق التسلح، إلى قضايا الهوية والتطرف والهجرة والعدالة الاجتماعية. وكلها مشكلات لا يمكن فهمها أو معالجتها من منظور علمي ضيق، بل تتطلب رؤية تكاملية تجمع بين العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية فلم يعد العلم يُنظر إليه بوصفه نشاطًا محايدًا أو منفصلًا عن المجتمع، بل بوصفه ممارسة إنسانية، مرتبطة بالسياق الثقافي والتاريخي. وقد أسهمت التحولات التي شهدها الفكر العلمي في القرن العشرين، خاصة مع أعمال توماس كون، في إعادة النظر في طبيعة العلم ذاته، حيث لم يعد التقدم العلمي يُفهم كتراكم خطي للمعرفة، بل كسلسلة من التحولات النوعية التي تتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية. كما أكد مفكرون مثل بيير بورديو على البعد السوسيولوجي للممارسة العلمية، وعلى أن العلم لا يعمل في فراغ، بل في سياق اجتماعي محدد.
وهنا تتأكد مرة أخرى أهمية الفلسفة، لا بوصفها علمًا بين العلوم، بل بوصفها أفقًا جامعًا لها، يربط بينها، ويمنحها معناها. فالفلسفة هي التي تطرح الأسئلة الكبرى: من نحن؟ كيف نعيش؟ وإلى أين نتجه؟ وهي التي تتيح لنا النظر إلى المعرفة بوصفها كلًا متكاملًا، لا مجرد أجزاء متناثرة.
وعبر هذه التجربة الحياتية من التفاعل والانفعال والاشتباك تترسخ لديّ قناعة بأن المعرفة لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا إذا تحولت إلى ثقافة، أي إلى قدرة على الفهم والتأويل والحكم. فالعلم، مهما بلغ من التخصص، يظل محدودًا إذا لم يُستوعب في إطار ثقافي أوسع. والثقافة، بهذا المعنى، هي ما يبقى بعد نسيان التفاصيل، وهي التي تمنح الإنسان القدرة على الربط بين المعارف، وعلى التعامل مع الواقع بمرونة ووعي.
وربما كان مفهوم “الهابيتوس” عند بورديو تعبيرًا دقيقًا عن هذا المعنى، إذ يشير إلى ذلك النسق من الاستعدادات المكتسبة التي تشكل سلوك الفرد ونظرته إلى العالم. فالثقافة ليست مجرد معرفة، بل هي بنية داخلية تتشكل عبر التجربة، وتوجه الفعل الإنساني في مختلف مجالاته.
تبادل الحديث مع الطالب الذكي، جود الكردي ذكرني بتلك الأيام وشخوصها المؤثرة إتبقى بعض الشخصيات حاضرة في الذاكرة لا بوصفها أسماء عابرة، بل بوصفها علامات فارقة. ومن بين هؤلاء، تظل الأستاذة فتحية منقوش واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في حياتي الأكاديمية والإنسانية. لم تكن مجرد أستاذة لعلم النفس الاجتماعي، بل كانت نموذجًا نادرًا للمعلم الذي يجسد القيم التي يعلّمها. كانت الاستاذة تعاملنا جميعًا بروح أكاديمية عالية، دون تمييز أو تحيز، وكانت حازمة بحنية، وصارمة بلطف، وعادلة بثقة. لم تسألنا عن أصولنا أو انتماءاتنا، بل كانت ترى فينا طلاب علم، متساوين في القيمة والحق. وقد منحتني أعلى درجة في مادتها، وهي درجة لم تكن بالنسبة لي مجرد نجاح أكاديمي، بل كانت اعترافًا ضمنيًا بقدرتي على الفهم، ومصدرًا لفرحٍ لا يزال صداه حيًا في داخلي. تعلمت منها؛ أن الإنسان لا يُفهم إلا في سياق علاقاته الاجتماعية بوصفه كائنا تاريخيا، وأن سلوكه، مهما بدا فرديًا، هو نتاج شبكة معقدة من التفاعلات الاجتماعية. ومن خلالها أدركت أن الفعل الاجتماعي يقوم على فاعلين، وأن العلاقة حين تتكرر تتحول إلى بنية، وأن هذه البنى هي التي تشكل المؤسسات التي تنظّم حياتنا، من الأسرة إلى المدرسة إلى الدولة.
منذ ذلك الحين لم تعد الظواهر الاجتماعية بالنسبة لي مجرد معطيات جاهزة، بل أصبحت سيرورات حية، تتشكل وتتغير باستمرار. كما لم يعد الإنسان كائنًا مكتفيًا بذاته، بل كائنًا لا يستطيع العيش خارج الجماعة، رغم حلمه الدائم بالاستقلال. وتذكرت حينها تلك الحكمة القديمة: “الإنسان مع الناس والشيطان وحده”، التي بدت لي وكأنها تلخص، ببساطة مدهشة، حقيقة معقدة عن الطبيعة الإنسانية فحين تتكامل، تتحول إلى قوة ثقافية قادرة على بناء الإنسان والمجتمع، وحين تتجزأ، تفقد قدرتها على الإضاءة والتوجيه.
وهكذا تعينت العلاقة بين علم النفس والفلسفة ، في تجربتي الشخصية إذ لم تعد الفلسفة بالنسبة لي مجرد تأمل نظري، ولا علم النفس مجرد دراسة للسلوك، بل أصبحا معًا طريقًا لفهم الإنسان في كليته، في علاقته بذاته وبالآخرين وبالعالم، وفي سعيه الدائم نحو المعنى في زمن تتسارع فيه التحولات والأحداث بأسرع مما نتوقع.
ختاما: ذهب فيلسوف العلم المعاصر ميشيل بولاني إلى تأكيد الطابع الإنساني العام للمعرفة العلمية،” فصحيح أن العلم الطبيعي يبحث في عالم فيزيقي لا شخصي، إلا أنه ذاته نشاط ذو سمة شخصية، فلا يمكن تتبع نمو المعرفة العلمية إلا كسلسلة من أفعال أشخاص معينين وإنجازاتهم وأحكامهم وكشوفهم وخيالاتهم وحدوسهم، والعلم لا يعمل في فراغ مطلق، بل يفلح أرضاً مهدتها الثقافة السائدة أو تركتها صعيد بلقعاً” كما أكد مارجوليس في كتابه, علم بغير وحدة : إصلاح ذات البين للعلوم الإنسانية والطبيعة “أن مشاريع العلم هي بصورة حاسمة إنجازات إنسانية، والصفة الجذرية للعلم بعد كل شيء أنه نشاط إنساني .. لذلك فكل العلوم هي علوم إنسانية من زاوية إنجازها الفعلي، فلا يمكن تعيين خصائصها بمعزل عن ملامح الثقافة الإنسانية والتاريخ الإنساني واللغة الإنسانية والخبرة الإنسانية والاحتياجات والاهتمامات الإنسانية.
منشور برس موقع اخباري حر