ضع اعلانك هنا

خطورة الوضع في جبهات ساحل تهامة: بين الاستنزاف الميداني للقوات التهامية والخلل في إدارة المعركة..

الكاتب / الدكتور نجيب محرم جبريل .
——————–

تشهد جبهات ساحل تهامة جنوب محافظة الحديدة تصعيداً عسكرياً خطيراً، مع تزايد هجمات مليشيا الحوثي على امتداد خطوط التماس، وسط صمود كبير تبديه ألوية المقاومة التهامية المرابطة في المواقع الأمامية، وفي مقدمتها اللواء الأول والثاني زرانيق.

منذ بداية شهر رمضان وحتى اليوم، ارتقى نحو ستين شهيداً من أبطال تهامة، إلى جانب عشرات الجرحى، في مؤشر واضح على أن ما يجري ليس اشتباكات محدودة أو مناوشات عابرة، بل حالة استنزاف ممنهجة تستهدف القوات التهامية في خطوط النار. ففي أول يوم من رمضان تعرضت قوات الزرانيق لهجوم عنيف سقط خلاله خمسة شهداء واثنا عشر جريحاً، وتكرر هجوم مماثل يوم عيد الفطر وبالخسائر ذاتها تقريباً، ثم استمرت المواجهات حتى ارتفع عدد الشهداء خلال الفترة اللاحقة إلى عشرات الأبطال الذين شيع كثير منهم بصمت، بعيداً عن التقدير الرسمي والإعلامي الذي يليق بحجم تضحياتهم.

هذه الأرقام تكشف حقيقة خطيرة: الألوية التهامية هي من تدفع الكلفة اليومية في الجبهة، وهي من تتلقى الصدمة الأولى لهجمات الحوثيين، وهي من تمنع العدو من تحقيق اختراقات جنوب الحديدة. ومع ذلك، فإن تضحياتها لا تحظى بالتقدير، ولا الاعتراف الكافي لا في التغطية الإعلامية ولا في المراسيم العسكرية ولا في مستوى الاهتمام القيادي. وبينما تسيل دماء أبطال تهامة يكون اهتمام من يفترض أنه شريك المعركة منصباً على استثمار تلك الدماء والترويج لها في وسائل إعلامه أنهم “شهداء المقاومة الوطنية”.

وما يزيد المشهد خطورة أن جبهات ساحل تهامة لم تعد تواجه هجمات الحوثي المباشرة فقط، بل تواجه أيضاً اختراقات أمنية قاتلة تستهدف العمود الصلب للقوات التهامية. فالاختراق الخطير الأخير الذي أدى إلى اغتيال قائد الفرقة الأولى مقاومة تهامية ورفاقه يمثل تحولاً بالغ الدلالة، لأنه استهدف واحدة من أهم القوى التهامية الضاربة التي تشكل ركيزة أساسية في معادلة الصمود والمواجهة.

اغتيال قائد الفرقة الأولى مقاومة تهامية الشهيد العميد يحيى وحيش ورفاقه لا يمكن فصله عن سياق الاستهداف المتدرج للقوة التهامية، عسكرياً ومعنوياً وتنظيمياً، والاختراق بهذا المستوى لا يهدد أفراداً أو قيادة بعينها فقط، بل يهدد البنية الضاربة للمقاومة التهامية كلها.

في المقابل، تتموضع ألوية حراس الجمهورية التابعة لطارق صالح في الخطوط الخلفية، وهو الوضع الذي لازمها منذ جيء بها إلى ساحل تهامة أثناء معركة تحرير الحديدة. فقد ظل دورها، في أغلب الأحيان، محصوراً في تأمين النقاط خلف خطوط المواجهة، بينما تُركت خطوط التماس الملتهبة للقوات التهامية والجنوبية التي تقدم الدماء وتتحمل الاستنزاف المباشر.

هذا الخلل في توزيع الأدوار لا يمثل مشكلة تنظيمية فقط، بل يشكل خطراً عسكرياً حقيقياً على الجبهة كلها. فحين تبقى قوة في الخلف وتُترك قوة أخرى وحدها في الأمام، فإن النتيجة الطبيعية هي إنهاك القوة المتقدمة، واستنزافها بشرياً ومعنوياً، وفتح ثغرات يمكن للحوثيين استغلالها مع الوقت. الجبهات لا تُدار بالانتقائية، ولا يجوز أن تتحول بعض الوحدات إلى وقود دائم للمعركة بينما تبقى وحدات أخرى في مواقع آمنة خلف خطوط النار.

الأخطر من ذلك أن التجارب السابقة لبعض وحدات حراس الجمهورية في الخطوط الأمامية لم تكن مطمئنة. فقد دُفعت في بعض المرات وحدات منها إلى الجبهة، فكانت النتيجة كارثية، إذ انسحبت أمام مليشيا الحوثي، وتركت خلفها أسلحة وعتاداً كبيراً ذهبت المليشيا لاحقاً لاستعراضه في قنواتها ومنصاتها الإعلامية.

وتزداد خطورة المشهد مع الحديث عن عناصر تم تخريجها ضمن دفعات حراس الجمهورية ثم عادت بسلام إلى قواعدها في السائلة بصنعاء، ومن بينها عبد الملك الأبيض الذي كان رئيس عمليات حراس الجمهورية، إضافة إلى شخص آخر تقول بعض المصادر أنه كانت بحوزته قاعدة بيانات القوات العسكرية في ساحل تهامة. هذه الوقائع تضع علامات استفهام كبيرة حول الاختراقات الأمنية، وحول آليات الفرز والتأهيل والرقابة داخل هذه التشكيلات، خصوصاً أن تسريب المعلومات العسكرية لا يقل خطورة عن تسليم السلاح، بل قد يكون أخطر منه في بعض الحالات.

إن الجبهة التي تواجه هجمات الحوثيين لا يمكن أن تصمد طويلاً إذا كانت تعاني في داخلها من اختلال في توزيع القوات، وتفاوت في الاعتراف بالتضحيات، وثغرات أمنية تتعلق بالعتاد والمعلومات والعناصر والاختراقات التي تصل إلى مستوى اغتيال قادة ميدانيين من الصف التهامي الأول. فالخطر هنا ليس حوثياً فقط، بل خطر مركب يبدأ من خطوط النار ويمتد إلى غرف العمليات والإعلام والمراسيم والإدارة العسكرية.

وفي قلب هذه الأزمة تبرز سياسة أخطر من مجرد التهميش الإعلامي أو سوء توزيع المواقع. فشغل طارق صالح الشاغل لم يعد، في نظر كثير من أبناء تهامة ومقاتليها، دعم القوات التهامية وتمكينها بوصفها القوة الأصيلة في أرضها، بل تفكيك هذه القوات وإخضاعها للوصاية والتسلط، وطمس أي اسم يمت لتهامة بصلة. وهذا ما يجعل الصراع داخل تهامة أخطر من خلاف إداري أو تنافس بين تشكيلات عسكرية، لأنه يمس هوية القوة التي حررت وصمدت وقدمت التضحيات.

إن محاولة إذابة الألوية التهامية داخل مسميات أخرى، أو تهميش رموزها، أو إضعاف حضورها الإعلامي، أو التعامل معها كقوة تابعة لا كشريك أصيل، ليست إجراءات عابرة. إنها مسار يستهدف تجريد تهامة من قوتها الذاتية ومن حقها في أن تكون صاحبة القرار في أرضها وجبهاتها. فالقوات التهامية لم تُخلق لتكون هامشاً في مشروع غيرها، ولم تقدم دماءها ليتم وضعها تحت وصاية من يتموضع في الخلف ويتحكم بالإعلام والمراسيم والقرار.

إن طمس اسم تهامة من المعادلة العسكرية والسياسية يخدم الحوثي قبل أي طرف آخر. فحين تُضعف القوة المحلية التي تعرف الأرض وتملك الحاضنة وتتحمل كلفة المواجهة، تصبح الجبهة أكثر هشاشة أمام الاختراقات والهجمات والمساومات. وحين يتم تفكيك القوة التهامية أو إخضاعها أو إفراغها من رموزها، فإن ذلك لا يضرب فصيلاً بعينه، بل يضرب خط الدفاع الأول عن تهامة.

إن استمرار هذا الوضع يهدد جبهات ساحل تهامة بخطر بالغ. فالعدو يهاجم من الأمام، والاختراقات تستهدف القادة التهاميين، والتمييز ينهش المعنويات، وسياسات التفكيك والوصاية تحاول كسر العمود الفقري للمقاومة التهامية من الخلف. وإذا لم تتم معالجة هذه الاختلالات سريعاً، فإن الجبهة قد تتعرض لتآكل داخلي أخطر من الهجمات الحوثية ذاتها.

المطلوب اليوم موقف واضح وشجاع يعيد الاعتبار للمقاتل التهامي، ويضع حداً لحالة الاستنزاف غير العادل في خطوط التماس. يجب إعادة توزيع القوات بصورة منصفة، وإلزام كل التشكيلات الموجودة في الساحل بتحمل مسؤولياتها القتالية في الأمام لا الاكتفاء بالتموضع في الخلف. كما يجب مواصلة التحقيق الجاد في الاختراق الأخير الذي أدى إلى اغتيال قائد الفرقة الأولى مقاومة تهامية ورفاقه، لأن السكوت عن هذه الملفات يعني ترك الجبهة مكشوفة أمام اختراقات جديدة.

إن ساحل تهامة اليوم لا يحتاج إلى شعارات وكلمات منمقة مخدرة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب بقدر ما يحتاج إلى إنصاف وعدالة ومحاسبة. فالمعركة مع الحوثي لا يمكن أن تُخاض بصف منقسم، ولا بجبهة تحمل فيها قوة واحدة عبء الدم بينما تحصد أخرى الامتيازات والحضور الإعلامي والقرار. وحدة الصف تبدأ من العدالة، والعدالة تبدأ من الاعتراف بمن يقاتل فعلاً، ومن إنصاف الشهداء، ومن حماية القوات التهامية من التفكيك والاختراق والوصاية…

ضع اعلانك هنا