ضع اعلانك هنا

حينما كنت اغرد من خارج السرب..أطالب صحيفة عكاظ بمنحي براءة اختراع…

الكاتب : استاذ دكتور قاسم المحبشي ..

وأنا أقرأ افتتاحية صحيفة «عكاظ» السعودية، الصادرة اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026م، بعنوان «تحرير اليمن مسؤولية اليمنيين»، وجدتني أعود أحد عشر عامًا إلى الوراء، إلى زمنٍ كنت أقول فيه ما أعتقده صوابًا، من دون أن أكون أسيرًا لأيٍّ من أطراف الصراع التي تكالبت على اليمن، جنوبًا وشمالًا، وما تزال.
تقول افتتاحية «عكاظ»: «مهما كان حرص دول التحالف على استعادة اليمن من يد عصابة الغدر والخيانة، ومهما بلغت قرارات ومجهودات إعادة الشرعية إلى عاصمتها صنعاء، وبقدر ما تتضافر الجهود السياسية والعسكرية للتمكين لمؤسسات تحفظ الأمن، وتكفل الاستقرار لدولة المواطنة والقانون، إلا أن كل ذلك لا يُغني من المبادرات والمحاولات شيئاً؛ إن لم يكن اليمنيون على قلب رجل واحد في هذه المواجهة مع المليشيات».
وتضيف الصحيفة، مؤكدةً عمق العلاقات السعودية اليمنية، أنها تنطلق من «الأخوة والجوار والمصير المشترك والآمال الواحدة والتطلعات الواعدة».
وحين عرفت تفاصيل هذه الافتتاحية من صفحة صديقي العزيز الدكتور سعيد الجريري، وما أثارته من انزعاج لدى بعض اليمنيين، تذكرت أنني قلت المعنى نفسه، وبالصراحة ذاتها، في مقابلة تلفزيونية أجراها معي الإعلامي المتميز صلاح بن جوهر، ضمن برنامج «زوايا» على قناة حضرموت، عام 2015م، واستمرت نحو ساعة ونصف الساعة.
كنت حينها في المملكة العربية السعودية بدعوة أكاديمية من كلية الآداب بجامعة الملك سعود، للمشاركة في أعمال المؤتمر العلمي الدولي الأول للعلوم الإنسانية، في أبريل 2015م. ذهبت لأداء مهمة علمية، لا لطلب النجدة، ولا بحثًا عن موقع في معادلات السياسة وموازين المصالح. وحين طُلب مني إبداء رأيي في الأزمة اليمنية، قلت ما أؤمن به، بوضوح لا مواربة فيه، وباستقلال لا تحكمه حسابات الولاء لهذا الطرف أو ذاك.
لقد صُنفت آنذاك بأنني أغرّد خارج السرب؛ وأعترف اليوم بأن ذلك كان صحيحًا تمامًا، لأنني لم أتعلم يومًا كيف أستعير صوت الجماعة حين يخالف قناعتي، أو أستبدل الحقيقة بما يرضي أصحاب النفوذ.
إن تحرير اليمن ليس شعارًا للاستهلاك السياسي، ولا مسؤولية تُلقى على عاتق الآخرين فيما يكتفي اليمنيون بتبادل الاتهامات وتقاسم النفوذ. إنه مسؤولية وطنية تقتضي استعادة الدولة ومؤسساتها، وإنهاء الانقلاب والحروب، وبناء دولة المواطنة والقانون، بعيدًا عن أوهام الشرعية المجردة من الفعل، وعن تحويل المدن اليمنية، وفي مقدمتها عدن، إلى رهائن لصراعات لا تنتهي.
ولست هنا بصدد تكرار ما كتبه الدكتور سعيد الجريري أو الدخول في سجال حول افتتاحية «عكاظ»؛ إنما أستعيد هذه الواقعة لأؤكد أن الأفكار لا تولد اليوم لمجرد أن صحيفة أعادت صياغتها، وأن المواقف المستقلة لا تفقد قيمتها لأن أصحابها قالوها قبل أن تصبح مقبولة لدى الآخرين.
ومن هنا، أتمنى من أخي العزيز صلاح بن جوهر، ومن إدارة قناة حضرموت، أن يتكرموا بإرسال التسجيل الكامل لتلك المقابلة التاريخية، لتوثيق شهادة قلتها في لحظة يمنية فارقة، بكل ما امتلكت من صدق ومسؤولية.
أما صحيفة «عكاظ»، فإنني أتقدم إليها، من باب الدعابة الفلسفية الجادة، بطلب منحي براءة الاختراع الأولى لفكرة «تحرير اليمن مسؤولية اليمنيين»؛ فقد قلتها قبل أحد عشر عامًا، حين كان التغريد خارج السرب موقفًا مكلفًا، لا عبارةً تتصدر افتتاحية صحيفة.
فهل تنصفني «عكاظ» في براءة الاختراع، أم أن للأفكار، مثل الأوطان، حكاية أخرى مع أصحابها؟‏..

ضع اعلانك هنا