“التمثيل بجـثث القـتلى ونبش القبور في تعز: انتهاك لكرامة الإنسان وجـ. ريمة حرب لا تسقط بالتقادم”
الأستاذ في القانون الدولي.
د. جمال محمد فارع الحبيشي:
لم يكن الاعتداء على جثث القتلى في تعز سلوكًا طارئًا على الجماعة الحوثية، بل امتد إلى ممارسات تطال الإنسان في حياته وبعد مماته, فبعد استهداف المدنيين والجرحى والأسرى، طالت الانتهاكات جثامين القتلى والقبور، في أفعال تمس حرمة الموتى وكرامتهم، وتتعارض مع القيم الإنسانية والدينية والقواعد التي أرسى دعائمها الإسلام والقانون الدولي الإنساني.
وفي هذا السياق أدانت الشعبة القانونية بمحور تعز، بأشد العبارات الأفعال المنسوبة إلى مليشيات الحوثي بحق جثامين القتلى، مشيرة إلى ما أُعلن عن تعرض بعض الجثامين لصب مواد كيميائية حارقة، وتكسير الأيدي والأقدام، وطمس معالم الوجوه, ودعت إلى إجراء تحقيق جاد يكشف ملابسات هذه الوقائع، ويحدد المسؤولين عنها، ويضمن عدم إفلات مرتكبيها من المساءلة القانونية.
وتعيد هذه الممارسات إلى الأذهان وقائع سابقة اتسمت بالتنكيل بالموتى وانتهاك حرمتهم، ولعل أبرزها ما حدث في مدينة يريم بمحافظة إب في أكتوبر 2014، عندما قُتل الطفل أسامة بدير، البالغ من العمر نحو عشر سنوات، ثم قاموا بتفخيخ جثمانه بعبوة ناسفة لاستهداف كل من يحاول الاقتراب منه وانتشاله, ولم يكن أسامة مقاتلًا أو طرفًا في النزاع، بل كان ذنبه الوحيد أن والده كان خصمًا للحوثيين.
نبش القبور وإخراج الجثامين:
لم تكن واقعة نبش قبر قائد مقاومة الحجرية إبراهيم المقرمي الأولى من نوعها؛ فقد أفادت تقارير إخبارية ومحلية يمنية، في سبتمبر 2026، بقيام عناصر تابعة لجماعة الحوثي بنبش قبر اللواء يحيى وحيش، قائد الفرقة الأولى مشاة، في مدينة الخوخة، وإطلاق النار على رفاته وجثمانه.
إن الصفة العسكرية للمتوفى أو انتماءه إلى أحد أطراف النزاع لا يبرران الاعتداء على جثمانه أو إهانة رفاته, فحرمة الموتى واجبة الاحترام، ولا يجوز أن تتحول القبور إلى ساحات لتصفية الحسابات والانتقام.
إن خطورة هذه الممارسات لا تقتصر على ما تنطوي عليه من تشويه مادي للجثامين، بل تمتد إلى الاعتداء على كرامة الإنسان وإيذاء مشاعر أسر الضحايا وذويهم؛ فالموت لا يسقط عن الإنسان كرامته، ولا يمنح أي طرف في الحرب الحق في الانتقام من جثمانه أو العبث بقبره.
التمثيل بالجثث في ميزان القانون الدولي الإنساني:
يحظر القانون الدولي الإنساني الاعتداء على جثامين الموتى أو تشويهها أو إهانتها، ويلزم أطراف النزاع باحترامها وحمايتها والتعامل معها بطريقة تحفظ كرامة أصحابها, ولا تقتصر هذه الحماية على فئة دون أخرى، بل تشمل القتلى من العسكريين والمدنيين، مع مراعاة الأحكام الخاصة بكل فئة ونطاق تطبيقها.
وتتجلى هذه الحماية في عدد من الصكوك الدولية، أبرزها:
اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949: فقد تناولت اتفاقيات جنيف أحكام التعامل مع القتلى وجثامينهم في سياقات مختلفة، ومن أهم النصوص ذات الصلة:
المادة(17) من اتفاقية جنيف الأولى تتناول البحث عن القتلى وجمعهم ومنع سلب جثامينهم، إلى جانب إجراءات التعرف عليهم والتعامل مع رفاتهم ودفنهم.
المادة(20) من اتفاقية جنيف الثانية تنظم التعامل مع قتلى القوات المسلحة في البحر، بما في ذلك جمع الجثامين وفحصها والتعرف عليها والتصرف فيها وفق الضوابط المقررة.
المادة(120) من اتفاقية جنيف الثالثة تتعلق بوفاة أسرى الحرب، وتفرض ضوابط بشأن التعامل مع جثامينهم ودفنهم وتوثيق هوياتهم.
المادة(130) من اتفاقية جنيف الرابعة تتناول وفاة الأشخاص المحميين الذين تحتجزهم أطراف النزاع، وتقرر أحكاماً تتعلق بالتعامل مع جثامينهم ودفنهم وتوثيق بياناتهم.
وتعكس هذه الأحكام في مجموعها، مبدأً أساسياً مؤداه أن جثامين القتلى ليست محلاً للانتقام أو الإهانة، وأن التعامل معها يجب أن يتم وفق مقتضيات الاحترام والكرامة والالتزامات القانونية ذات الصلة.
أما الحماية العامة لجثامين الموتى في النزاعات المسلحة، فتستند أيضاً إلى أحكام البروتوكولات الإضافية والقانون الدولي الإنساني العرفي.
البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977:
عزز البروتوكول الإضافي الأول الحماية المقررة للقتلى والرفات البشرية، وأكد ضرورة التعامل مع الموتى باحترام، والبحث عنهم وجمعهم، ومنع سلب جثامينهم أو انتهاك حرمتها.
البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977:
تكتسب المادة(8) من البروتوكول الإضافي الثاني أهمية خاصة في النزاعات المسلحة غير الدولية؛ إذ تلزم أطراف النزاع متى سمحت الظروف باتخاذ التدابير اللازمة للبحث عن الموتى، والحيلولة دون انتهاك حرمتهم، وتسليم رفاتهم إلى ذويهم بناءً على طلبهم، وإعادة المتعلقات الشخصية إليهم.
القانون الدولي الإنساني العرفي:
لا تقتصر الحماية على نصوص الاتفاقيات الدولية، بل تشمل أيضاً قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي.
وتقرر القاعدة 113، وفق دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقانون الدولي الإنساني العرفي، وجوب احترام جثامين الموتى وحمايتها من التشويه، كما تتناول القاعدة 115 ضرورة التعامل مع الموتى بطريقة تحترم كرامتهم، بما في ذلك احترام قبورهم.
5)القضاء الجنائي الدولي ومسؤولية الاعتداء على جثامين الموتى:
اعتبرت المحاكم الجنائية الدولية (مثل محكمتي يوغسلافيا السابقة ورواندا، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية) أن الاعتداء على جسد الميت أو تشويهه يشكل “اعتداءً على الكرامة الشخصية” يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية لمرتكبيها والآمرين بها.
موقف الصليب الأحمر الدولي : تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن التمثيل بالجثث ونبش القبور هو “عمل وحشي يتجاوز حدود القتال الشرعي، ويدخل مباشرة في نطاق الجرائم ضد الإنسانية، ويعكس أعمق مستويات القسوة والانهيار الأخلاقي في النزاعات المسلحة”.
وبناءً على ذلك فإن التمثيل المتعمد بالجثامين أو تشويهها أو العبث بها ليس مجرد سلوك مخالف للأخلاق والقيم الإنسانية، بل ويشكل جريمة حرب إذا توافرت أركانها القانونية.
ومن ثم فإن الوقائع المعلنة بشأن استخدام الحوثيين مواد حارقة أو تكسير أطراف الجثامين أو طمس معالم الوجوه تستوجب تحقيقاً فنياً وقانونياً يحدد طبيعة الأفعال وظروف ارتكابها والمسؤولين عنها، بدلاً من الاكتفاء بالإدانة العامة.
التكييف القانوني والحقوقي: جرائم حرب ومسؤولية جنائية دولية
من الناحية القانونية والحقوقية، لا يُصنف التمثيل بالجثث والعبث بالرفات كـ “تجاوزات سلوكية”، بل يُكيف في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي باعتباره جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً جسيماً للكرامة الإنسانية.
البعد السياسي والدولي:
على الصعيد السياسي تضع هذه الجرائم المتكررة—من تعز إلى الخوخة—المجتمع الدولي والمنظمات الأممية أمام اختبار حقيقي لمصداقية آليات الحماية الدولية، وتكشف عن سياسة ممنهجة تُمارس ضد المجتمع والمدنيين من خلال إهانة رموزه وضحاياه.
إن صمت المجتمع الدولي تجاه هذه الانتهاكات يُقرأ ميدانياً كضوء أخضر لارتكاب المزيد من الجرائم؛ لذا فإن المطلوب اليوم يتجاوز مجرد بيانات الإدانة الشفهية إلى خطوات سياسية وحقوقية إجرائية:
تحرك في الأمم المتحدة: مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن بفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف لكشف ملابسات هذه الوقائع وتحديد المسؤول عنها.
تدابير رادعة: فرض عقوبات دولية تحت مظلة قرارات مجلس الأمن ضد القيادات المتورطة في إعطاء الأوامر أو التستر على جرائم التمثيل بالجثث ونبش القبور.
دور الصليب الأحمر: تفعيل دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإلزام أطراف النزاع بالوصول إلى المقابر والجثامين وتسليمها لذويهم لدفنها بشرف وكرامة.
منشور برس موقع اخباري حر