الكاتبة / هبة مسعد الحيدري..
اليوم، ليس كمثل سائر الأيام. اليوم، هو اللحظة الفاصلة بين ما كنت عليه وبين ما سأكونه. في هذا اليوم من الرابع من إبريل، لا أحتفل بمرور سنة أخرى على ولادتي فحسب، بل أحتفل بكل لحظة خُطّت في سجلات حياتي، بكل تجربة ساهمت في صياغتي، وبكل حلم كان في زمن مضى محض خيال.
كل عام يمضي، يزداد اقترابي من تلك النسخة الأشد بأسًا مني، تلك التي لا تهاب المجهول، بل تسعى نحوه بشغف وتوق. اليوم، وبعد سنوات من الصبر والمثابرة، أرى بعيون أكثر وضوحًا أنني أعيش اللحظة التي لطالما حلُمت بها، بل وتحققت بأفعالٍ ومواقف، حتى أصبحت واقعًا ملموسًا. لم تكن كل الدروب مفروشة بالورد، ولكن كل ألم، وكل سقوط، وكل خيبة كانت جزءًا من الصراع الداخلي الذي خضته لأصل إلى هذه اللحظة، لحظة الإبداع والإنجاز.
يختلف عيد ميلادي هذا العام عن سابقيه، إذ لم يعد مجرد ذكرى لولادة جسدي، بل هو ولادة جديدة لروحي التي باتت أكثر صفاءً وإشراقًا. مضت أعوام كنت أبحث فيها عن نفسي، واليوم، أجدني أقف على أعتاب عظمة لم أكن لأحلم بها. اليوم، أراهن على قوتي، نضجي، وقدرتي على تحقيق كل ما أسعى إليه. وهذا العام، أشعر بأنني على بُعد خطوة واحدة من تحقيق ما طالما تمنيت. هذه السنة هي نقطة التحوّل في حياتي، خطوة نحو غدٍ مشرق كنت أراه بعيدًا، أما اليوم فهو أقرب إليّ من أي وقت مضى.
ومع كل سنة أحتفل بها، أشعر بتغير أكثر في شخصيتي، بتجدد أكثر في روحي، فأصبح أكثر تميزًا عن نفسي السابقة. أشعر أنني أصبحت أكثر قدرة على تقبّل نفسي بكل ما فيها من ملامح، رغم جميع الأحداث التي مرت. اليوم، أجد نفسي راضية عن كل ما أنجزت، عن كل ما مررت به. فكل تجربة، وكل لحظة من الضياع، وكل خيبة، كانت مسارًا في تكويني، وسهمًا في بناء شخصيتي.
هذا اليوم، هو ليس مجرد تاريخ، بل هو عهد. عهد أنني سأظل في حالة سعي دائم، في حركة لا تهدأ، نحو الأفضل. عهد بأنني سأظل أطور نفسي في كل لحظة. كل معركة خضتها، وكل درس تلقيته، وكل لحظة اكتشاف كانت حافةً على الطريق إلى هذه اللحظة التي أنا فيها الآن. إنها لحظة التحول، لحظة التحدي، لحظة الأمل الأشد تألقًا.
لقد مضت أعوام مررت فيها بطرق مظلمة، ولكنني اليوم أرى النور يشرق في كل زاوية من حياتي.
وفي وسط هذا الوجع والضغوطات، هناك لحظات صغيرة كانت بمثابة النور الذي يهدي الطريق. لحظات ضحك مع الأصدقاء، وحديث مع العائلة يخفف عني كل ألم. تلك الأيام في المدرسة التي كانت مليئة بالأمل، والآمال العذبة التي تتراقص في قلبي. لحظات قد تكون عابرة، لكنها كانت حاضرة بألق لا ينسى، تذكرني دائمًا أن في كل لحظة محنة، هناك دومًا فسحة من الفرح تنير الروح. مهما كانت السنين التي مضت، سواء كانت مليئة بالأحزان أو الآلام، إلا أن تلك اللحظات من السعادة العفوية كانت هي الوشم الذي نقش في قلبي.
أتمنى أن تحمل السنوات القادمة في طياتها تلك اللحظات السريعة، والسعيدة، التي تترك أثرًا طويلًا في القلب، تمامًا كما تترك الندى على الأوراق، لحظات سريعة ولكن أثرها يظل خالدًا في الذاكرة.
هذا عيد ميلادي. وهذه هي البداية الحقيقية..