ضع اعلانك هنا

تجربتي مع الهوية من الاستفزاز إلى الإستشكال….

الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي…

يعود اهتمامي بمشكلة الهوية إلى زمن مضى، إذ اتذكر بأنني في عام ١٩٩٢ حملت رسالة من رئيس جامعة عدن حينها الدكتور محمد سعيد العمودي إلى رئيس جامعة صنعاء عبدالعزيز المقالح بعد نجاحي في امتحان المفاضلة الذي أعلنت عنه الجامعة عن حاجة قسم الفلسفة بكلية التربية العليا عدن إلى معيدين في القسم. تقدمت مع سبعة زملاء بعضهم من خريجي الدولة الاشتراكية أتذكر منهم المرحوم طه حيدر، والزميل توفيق والزميل أحمد العبد وثلاثة نسيت اسماهم. علمًا بأنني كنت الأول على دفعتي بقسم الفلسفة والاجتماع بتقدير ممتاز ومرتبة الشرف ومنحت ميدالية وشهادة التفوق العلمي وساعة يد جميلة في عيد العلم الموافق ١٠ ديسمبر ١٩٩٨م ويفترض تعييني مباشرة بعد التخرج ولكن بسبب عدم انتمائي للشلل الأيديولوجية التي ازدهرت بعد كارثة ١٣ يناير ١٩٨٦م لم أكن مشمولًا بالرعاية الحربية. تقدمت إلى امتحان المفاضلة وكانت لجنة التحكيم مكونة من الاستاذة التالية أسمائهم:
١- الاستاذ الدكتور نمير العاني، عراقي الجنسية
٢- الاستاذ الدكتور طيب تيزيني، سوري الجنسية.
٣- الأستاذ الدكتور أحمد نسيم برقاوي، فلسطيني وسوري الجنسية.
٤- الاستاذ الدكتور، عبدالسلام نور الدين، سوداني الجنسية.
٥- الاستاذ الدكتور حمود العودي رئيس قسم الفلسفة والاجتماع حينها بعد أن هرب من صنعاء بسبب التهديد.
كان امتحان المفاضلة شديد الصرامة كتابي وشفهي. تقدمنا ونجحنا خمسة فقط. أنا أولهم بتقدير ٩٢ بالمئة وبعي توفيق مجاهد بتقدير ٩٠ بالمئة. وتم إقرار النتيجة في اجتماع القسم واجتماع مجلس الكلية. كان عميد الكلية حينها هو الأستاذ الدكتور الراحل يعقوب بعد أن أطمئن قلبي للنتيجة فإذا بي أتفاجأ بأن الجامعة اقرت الزميلين الذين في مؤخرة القائمة المرحوم طه والزميل أحمد العبد. أحدهم حصل على ٧٥ والآخر ٧٠ فقط. احدهما كان يعمل سكرتيرا ايديولوجيا لمنظمة الحزب الاشتراكي اليمني في مديرية كريتر عدن والأخر بذات الوظيفة في جعار أبين. ذهبنا أنا وزميلي توفيق إلى عميد الكلية وقدمنا له تظلمنا. قال: لنا هذه توجيهات عليا. ذهبنا إلى رئيس الجامعة العمودي فقال: هذه توجيهات حزبية عليا وأقترح علينا منحنا رسالة إلى رئيس جامعة صنعاء المقالح لترتيب وضعنا هناك. ذهبنا صنعاء وقابلنا المقالح وأتذكر أن الدكتور يحيى الشعيبي كان مسجلا للجامعة حينها. المهم تهنا في صنعاء وجامعتها وروتينها الغريب علينا نحن القادمين من عدن. اتذكر أن المقالح وجه إلى نائبه الأكاديمي بالنظر في الأمر وحينما ذهبت لمتابعة التوجية: استقبلني سكرتير النائب وقال لي: ما أسمك؟ قالت له: اسمي قاسم عبد عوض، نظر في وجهي باستغراب وصرخ باللهجة الصنعانية .. قاسم من؟! اليس لك لقب أو قبيلة؟ قلت له؛ المحبشي. قال قل كذا من الصبح وأضاف محبشي وتبحث عن وظيفة حكومية؟! والله هذا قده جنان! المهم عدنا من صنعاء بعد شهرين بخفي حنين! ولكن سؤال السكرتير أيها عن هويتي التقليدية استفزني وفتح ذهني على مشكلة الهوية في المجتمعات العربية الإسلامية. إذ بدأت منذ ذلك الحين أجمع كل ما يتصل بموضوع الهوية من كتب ودراسات وبعد حرب ١٩٩٤ الغاشمة كتبت مقالًا في صحيفة الأيام الصفحة الأخيرة بعنوان ( شعب يبحث عن هوية) حينما رأيت الكثير ممن أعرفهم في عدن يبحثون عن هويات دول أخرى تمكنهم من السفر إلى أمريكا وأوروبا ودول الخليج العربي . بعضهم ذهب إلى الصومال لشراء جواز صومالي وبعضهم ذهب اريتريا وبعضهم ذهب السودان وبعضهم ذهب نيجيريا وبعضهم ذهب كوبا وبعضهم ذهب مخيمات اللجوء في البلدان العربية وبعضهم نزح إلى مصر الدولة العربية الوحيدة التي تستقبل النازحين العرب بطريقة إنسانية وغير ذلك من الدول ذهبوا لشراء هويات تلك البلدان ليتمكنوا من دخول بعض دول الخليج أو الدول الأوروبية. بعد ذلك كتبت ونشرت عدد من الدراسات في الهوية واستراتيجياتها منها؛ دراسة شاركت بها في المؤتمر الدولي للهوية بين الدين والسياسية والمجتمع المدني في جامعة تبسة الجزائرية في ٢١ أكتوبر ٢٠١٣م ونشرت دراسة في علاقة الهيمنة بالهوية. في الحوار المتمدن وغير ذلك من الدراسات المنشورة. وفي الأمسية التي نظمها مكتب البورد العربي في الدقي، طلب مني الحديث عن مفهوم الهوية فكشفت لهم لأول مرة عن تلك الواقعة التي حفزتني للبحث في الهوية ومداراتها المضنية ؟ وكانت ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي التي نظمتها وحدة الدراسات الثقافية مساء يوم الجمعة الماضية الموافق ١٨ ديسمبر٢٠٢١م اونلاين عبر Zoom عن دوائر الهوية ومدراتها الثقافية – التي أدارها أستاذ النقد الأدبي واللسانيات الحديثة الأكاديمي المخضرم دكتور عبدالقادر فيدوح بكفاءة واقتدار وناقشني فيها الأستاذ الدكتور مصطفى النشار أستاذ الفلسفة وتاريخها في جامعة القاهرة ورئيس الجمعية الفلسفية المصرية. بحضور نخبة متميزة الأكاديميين والأكاديميات والباحثين والباحثات العرب من مختلف البلدان( فلسطين والعراق ومصر ولبنان واليمن وتونس والجزائر والمغرب والإمارات والمملكة العربية السعودية واسبانيا والمانيا وغيرها)- كانت تلك الندوة الأخيرة هي حصيلة خبرة حياتية وتغذية راجعة على مدى ثلاثة عقود من الزمن شهدت فيها النتائج الفاجعة لحروب الهويات القاتلة في العراق واليمن وسوريا والسودان وليبيا ولبنان وغيرها من البلدان.

وعلى مدى السنوات الماضية استقطب سؤال الهوية والتعددية الثقافية ومشكلة الطائفية والأقليات اهتمام عدد واسع من الدارسين أمثال: بارت آلان، الهوية والتمثيل، وفريد بارت، بناء الهوية، وجان فرانسو بايار, أوهام الهوية، وجون جوزيف, اللغة والهوية, وأمارتيا صن, الهوية والعنف، ودنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، وبينديكت أندرسون, الجماعات المتخيلة, وجون هيلز واخرون, الاستبعاد الاجتماعي: محاولة للفهم, وكلود دوبار, أزمة الهويات. وجيل دولوز، الاختلاف والتكرار.وآدم كوبر, الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي, ومحمد عابد الجابري مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب، ومصطفى النشار، الهوية والاختلاف في الفلسفة الهيلنية، وعلي أسعد وطفة إشكالية الهوية والانتماء في المجتمعات العربية، وبرهان غليون، نقد مفهوم الطائفية، وصالح الطائي، نحن والآخر والهوية ، ومحمد نور الدين حيان، إشكالية الهوية والمغايرة في الفكر العربي ،وحسن حنفي،الهوية: مفاهيم ثقافية، وفتحي التريكي, استراتيجيات الهوية، وادونيس الهوية غير المكتملة، وعلي حمدان, إشكالية الهوية والانتماء، سلسلة الأستراليون العرب, وشريف يونس, سؤال الهوي: الهوية العربية في ظل العولمة، وسعد الدين ابراهيم، تأملات في مسألة الأقليات, ومحمد السماك,الأقليات بين العروبة والإسلام, وحيدر إبراهيم وميلاد حنا، أزمة الأقليات في الوطن العربي، وجورج طرابيش هرطقات، وعبد الحسين شعبان، الطائفية السياسية كأداة للتدخلات الإقليمية: تخوم الطائفية وأدلجة الهوية انعكاسات الجيوبولتيك، فاضل الربيعي، ووجيه الكوثراني, الطائفية والحرب ، وطه جابر العلواني، أدب الاختلاف في الإسلام, وعبد الخالق حسين, الطائفية السياسية ومشكلة الحكم، وحسن الصفار، الطائفية بين الدين والسياسة، وكتاب الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية عن مركز دراسات الوحدة العربية، وفالح عبد الجبار،في المشكلة الطائفية، ومايكل أنجلوياكوبوتشي، أعداء الحوار أسباب اللا تسامح ومظاهره, وسكوت هيبارد في كتاب, السياسة الدينية والدول العلمانية: مصر والهند والولايات المتحدة الأمريكية,وغير ذلك من سلسلة الدراسات والإصدارات المتصلة .

وتنطلق فرضيتنا الأساسية من الاعتقاد بأن الهويات بمختلف صيغها الجمعية, ومنها الطوائف المتنوعة ليست مشكلة في ذاتها وبذاتها كما أنها ليست مشكلة دينية خالصة, وإن بدت كذلك أحيانا, بل هي ظاهرة اجتماعية سياسية تاريخية ثقافية متصلة بحياة الكائن الحر المفطور على التنوع والتعدد والاختلاف, إذ لا يوجد شخصان حتى بين أولئك الذين لا يرتابون قط في ثقافتهم متماثلان حد التطابق، ومن ثم فإن التنوع ألهوياتي في الوضع الأصلي هو مصدر ثراء ونماء وازدهار للحياة الإنسانية، بيد أن ما يجعله يتحول إلى (هويات قاتلة ) وطائفية خطيرة هو علاقات الهيمنة وسياسات إدارة شبكة القوة وتصريفها, إذ تبرز الهويات بمختلف صيغها وصورها وتمثلاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والجهوية ( البسيطة والمركبة ، ميكرو وماكرو سوسيولوجي أنا_ أنت ، ذات_آخر ، نحن _ أنتم ، نحن _ هم ) بوصفها رهانات صراع حول التسمية والتصنيف والتعريف, صراع يستهدف تمكين أو حفظ وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة أو قلبها وتغييرها بصيغة علاقة أخرى وبذلك يمكن تشبيه الهويات بالفارماكون الأفلاطوني (السم والترياق)() وبهذا المعنى يمكن للهوية أن تكون سلاحا ذا حدين؛ فهي من جهة تؤدي وظيفة ايجابية تمنح الجماعة شعورا بالانتماء والقوة والثقة, وهذا هو سر جاذبيتها السحرية, ومن جهة أخرى تؤدي وظيفة تأكيد الاختلاف والتميز والاستبعاد للآخرين سرعان ما يتحول إلى تعصب وعنصرية وكراهية في المجتمعات غير الصحية.

فعلى مدى نصف قرن فقط غير الناس هوياتهم في اليمن شمالا وجنوبا مرات عدة، وها نحن اليوم نشهد جدلا صاخبا وصراعا متقدا بشأن الهوية اليمنية، وهوية الجنوب: أهي عربية أم يمنية؟ فضلا عن احتدام أوار الهويات الطائفية, الزيدية والشافعية والحوثية والسلفية وغير ذلك من خطابات الهويات الفرعية الكثيرة وهي خطابات أخذت تستقطب جموع واسعة ومتزايدة من الناس في الجنوب والشمال؛ ليس لأنهم يرغبون في ذلك بل بسبب الممارسات السياسية التي دفعتهم إليه . وقد أذهلني ما شهدته في بغداد من تبدل سريع وعنيف في صراع الهويات الطائفية قبل الاجتياح الأمريكي وبعده, إذ سنحت لي فرصة الدراسة العليا في جامعة بغداد في تلك المدة الفاصلة, التعرف عن حقيقة المعضلة الهويات الطائفية في العراق التي نشهد اليوم أهوالها فما الذي يدفع الناس إلى تبديل هوياتهم وإنشاب مخالبهم في بعضهم البعض تحت راياتها وبتحفيز منها كسراطين البحر حتى الموت؟! انه العنف المقدس الذي يكتسب طبيعة مفارقة لاعقلانية إذ تتحول العلاقة الاجتماعية بين الذوات المتصارعة من صيغة حرب بين أنا _أنت أو ذات_ أخر , (نحن ـــ هم) إلى حرب بين الملائكة والشياطين! وهذا هو ما شهدناه في ومازلنا نشهده في الحروب الطائفية في سوريا والعراق وما تميزت به من قسوة وفظاعة تقشعر لها الأبدان وتذهل لهولها العقول والقلوب ! وتلك هي صفة العنف حينما يكون مقدساً إذ يتحول إلى ثأر مزدوج جاهلي وعصبوي ديني, الثأر من بين جميع مظاهر العنف هو أخطرها على الإطلاق ، ذلك لان ( الثأر الحر ) يشكل حلقة مفرغة وعملية لامتناهية ولا محدودة ، ففي كل مرة ينبثق منها من أي نقطة ما من الجماعة مهما تكن صغيرة ، يميل إلى الاتساع والانتشار (كالنار في الهشيم ) إلى إن يعم مجمل الجسد الاجتماعي ، ويهدد وجوده بالخطر . إذ يدفع إلى تصاعد كإرثي ، ومشهد العنف له شيء من ( العدوى ) ويكاد يستحيل أحيانا الهروب من هذه العدوى ، فاتجاه العنف يمكن بعد التمحيص يظهر التعصب مدمرا كالتسامح ، وعندما يصبح العنف ظاهرا ، يوجد أناس ينساقون اليه بحرية وحماس ، ويوجد آخرون منهم يعارضون نجاحاته ولكنهم أنفسهم ، غالبا الذين يتيحون له النصر وفي ظل غياب مؤسسة محايدة للعدالة, اقصد الدولة الحديثة القائمة على الفصل بين السلطات الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية) واستقلال المجالات, (السياسي والديني والمدني والاقتصادي والثقافي والعلمي ..الخ) فيستحيل إيجاد وسيلة ناجعة يمكنها السيطرة على ظاهرة الحروب الطائفية المشتعلة, وكل المحاولات الراهنة المعتمدة على المدخل الأمني في ضبط ظاهرة العنف في المجتمعات العربية بالقوة العسكرية العارية المحلية أو الخارجية, من المؤكد انها تزيد اشتعاله, بل أن تلك الوسيلة العنفية الرسمية تشبه (اللهب الذي يلتهم كل ما يمكن ان يلقي عليه بقصد إطفائه) حسب جيرار.

فهل آن الاوان الى إعادة التفكير بالعلمانية بعيدا عن المنظور الأيديولوجي الذي يشوّش معناها التقني الحقيقي، بوصفها تقنية سياسية ناجعة ومجربة ومختبرة عبر ثلاثة قرون من التاريخ السياسي للدولة الحديثة؛ ليس في أوروبا وأميركا فحسب بل في كثير من دول أسيأ وأفريقيا المستقرة والمزدهرة اليوم من الصين الى جنوب افريقيا وفي مجتمعات إسلامية مماثلة لمجتمعاتنا العربية الإسلامية، ومنها ماليزيا وأندونيسيا وباكستان وغيرها. إذ أن الفصل بين المجال السياسي والمجال المدني يستلزم بالنتيجة استقلال المجال الديني عن هيمنة السياسي، وبهذا تكون العلمانية ليس كما جرى ويجرى تصويرها بوصفها ضد الدين والتدين بل هي في حقيقة الأمر تحرير المقدس من تبعيته للمدنّس واستعادت روح الدين الإسلامي الحقة الذي جاء رحمة للعالمين ومتتماً مكارم الأخلاق بما حمله من تعاليم وقيم إنسانية سامية…

ضع اعلانك هنا