بروفيسور قاسم المحبشي…
ليست الفلسفة ترفًا ذهنيًا، ولا نشاطًا تأمليًا معزولًا عن العالم، بل هي في جوهرها أسمى أشكال الحب التي عرفها الإنسان؛ حبٌّ لا يتجه نحو الامتلاك بل نحو الفهم، ولا يسعى إلى السيطرة بل إلى المعنى. فالكلمة نفسها، منذ أصلها اليوناني، تشير إلى فيلو–صوفيا، أي حب الحكمة، وكأن التاريخ الإنساني منذ بداياته لم يكن سوى محاولة طويلة لتعلّم كيف يحب الإنسان العالم عبر التفكير فيه ،وهي بهذا المعنى، ليست علمًا بين العلوم، بل موقف وجودي شامل، طريقة في السكن داخل العالم، وسعي دائم لتجاوز الجاهز والمألوف. إنها لحظة دهشة أولى تحوّلت عبر التاريخ إلى مشروع حضاري كامل، بحيث يمكن القول إن الحضارة الإنسانية برمّتها ليست إلا مشروعًا فلسفيًا طويلًا يسعى الإنسان من خلاله إلى فهم ذاته ومصيره وحدود وجوده.
وكما نعرف بالتجربة أن الحب الحقيقي لا يبدأ باليقين بل بالسؤال، وكذلك الفلسفة. فالفيلسوف لا ينطلق من امتلاك الحقيقة، بل من الشعور بنقصها. إن التفكير الفلسفي هو اعتراف ضمني بأن العالم أكبر من تصوراتنا، وأن الإنسان كائن يبحث دائمًا عمّا يتجاوز خبرته المباشرة. لذلك كانت الفلسفة فعل تواضع قبل أن تكون فعل معرفة وحين نحب المعرفة، فإننا لا نبحث عن المعلومات بقدر ما نبحث عن المعنى؛ معنى ما نعتقد أننا نعرفه فالمعرفة العلمية تمنحنا القدرة على التفسير، أما الفلسفة فتمكّننا من الفهم؛ والعلم يجيب عن سؤال “كيف؟”، بينما الفلسفة تلاحق سؤال “لماذا؟”. ولهذا ظل الإنسان، رغم التقدم العلمي الهائل، محتاجًا إلى الفلسفة لأنها المجال الوحيد الذي يمنحه القدرة على مساءلة العدلة والغاية من وجوده ذاته.
إن الفلسفة هنا تشبه الحب في أعمق صوره: كلاهما يفتح الإنسان على ما هو غير مكتمل، ويجعله يعيش التوتر الخلاق بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وحينما ننظر إلى تاريخ الحضارات الكبرى، نجد أن كل تحول حضاري عميق كان مسبوقًا بتحول في طريقة التفكير. فالفلسفة لم تكن انعكاسًا للحضارة فقط، بل كانت محركها الخفي. من الأساطير الأولى إلى العقلانية اليونانية، ومن الفكر الديني الوسيط إلى الحداثة العلمية، كان الإنسان يعيد تعريف نفسه عبر أسئلة فلسفية كبرى: ما الحقيقة؟ ما الخير؟ ما العدالة؟ وما معنى التاريخ؟ فالحضارة الإنسانية ليست تراكم أدوات وتقنيات فحسب، بل تراكم رؤى للعالم. وكل رؤية جديدة كانت تعني إعادة صياغة علاقة الإنسان بالكون والزمن والمعرفة. ولهذا يمكن القول إن الفلسفة هي البنية العميقة التي تمنح الحضارة معناها الداخلي، بينما تمثل المؤسسات والإنجازات المادية مظاهرها الخارجية.
إن أزمة الحضارة الحديثة لا تكمن في نقص المعرفة، بل في تضخمها دون أفق معنوي واضح. لقد أصبح الإنسان قادرًا على تغيير العالم بسرعة غير مسبوقة، لكنه أقل يقينًا من أي وقت مضى بشأن الهدف من هذا التغيير. هنا تعود الفلسفة لتؤدي وظيفتها الأصلية: إعادة طرح السؤال عن المعنى.
وظيفة الفلسفة في عصر التحول الرقمي
في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يبدو أن المعرفة تتحول إلى بيانات، وأن الذاكرة الإنسانية تُستبدل بالخوارزميات. غير أن هذا التحول يعيد طرح الحاجة إلى الفلسفة بصورة أكثر إلحاحًا. فحين تصبح المعلومات متاحة بلا حدود، يصبح السؤال الفلسفي هو: ماذا نفعل بكل هذا السيل الجارف من المعلومات؟ وما القيمة الإنسانية للمعرفة؟ وكيف نمنحها المعنى؟ إذ إن الفلسفة لا تنافس التكنولوجيا الرقمية ، بل تمنحها أفقًا أخلاقيًا وإنسانيًا. فهي التي تسأل عن حدود التقنية، وعن معنى الحرية في عالم تحكمه الأنظمة الذكية، وعن هوية الإنسان حين تتقاطع قدراته مع قدرات الآلة.
ومن هنا تتحول الفلسفة إلى دفاع عن إنسانية الإنسان، لا عبر رفض الحداثة، بل عبر مساءلتها نقديًا. إنها الوعي الذي يمنع الحضارة من التحول إلى قوة عمياء.
الفلسفة والتاريخ: البحث عن المعنى
التاريخ ليس مجرد تسلسل أحداث، بل محاولة دائمة لفهم التجربة الإنسانية عبر الزمن. والفلسفة هي التي تمنح التاريخ معناه، لأنها تبحث في العلاقات العميقة بين الوقائع، وفي البنى الطويلة التي تشكل مصير المجتمعات.
فحين يتأمل الإنسان التاريخ فلسفيًا، فإنه لا يقرأ الماضي فقط، بل يعيد اكتشاف ذاته. فالتاريخ يصبح مرآة لأسئلة الحاضر، ومجالًا لفهم تحولات الإنسان في علاقته بالطبيعة والسلطة والمعرفة والبحر والحدود والهجرة والاكتشاف.
ولهذا فإن أزمة المعنى التاريخي في العصر الحديث ليست أزمة وقائع، بل أزمة تفسير؛ فالأحداث تتكاثر، لكن الرؤية التي تمنحها وحدة ومعنى تتراجع. وهنا يظهر دور الفلسفة بوصفها فنّ الربط بين الجزئي والكلي، بين اللحظة العابرة والمسار الطويل للحضارة وهذا هو ما اكده الفيلسوف الفرنسي ادغار موران إذ أكد إنّ المشكلةَ ليست في تضخم المعارف في حدّ ذاتها وإنّما في ”تشظّيها” إذ لم تعدْ مُرتبطة ولم يَعدْ لنا فهماً عميقاً وشاملاً لها، فغدتْ هشّة ناقصةً بفعلِ الاخْتزال والتبْسيط. فقد أفسدَ التَخَصّص المعرفة ونأى بها عن الأبعاد الإنسانية للتعليم، فالتركيز مثلا على الأعضاء البشريّة في دراسة الطبّ يجعل صورة الانسان باهتة ومُقسَّمَة إلى شظايا بينما الحقيقة الإنسانيّة أكثر تعقيداً من ذلك، ولذلك لا مناص من إصلاح الفكر والمعرفة لأنّهما يؤدّيان إلى إصلاح التعليم. ولم يُقَصِّر موران ”أخطاء العقل” على تلك المتأتيّة من الجهل والفكر المذهبي بل أيضا: «تلك التي تشمل خطأَ الفكر التجزيئي وبالتالي المنحاز، وخطأَ الفكر الثّنائي الّذي لا يرى إلاّ هذا الرأي أو ذاك، والأعمق من ذلك خطأَ الّتفكير الاختزالي والّتفكير المفكّك». (”تعليم الحياة”، ص 19).
وبهذا المعنى غدت الفلسفة في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي كمسؤولية إنسانية
إذ لم تعد تأملًا سلبيًا، بل مسؤولية أخلاقية. فالتفكير يعني مقاومة الابتذال الفكري، ورفض العيش داخل الأفكار الجاهزة. الفيلسوف، بهذا المعنى، ليس من يملك الإجابات، بل من يحافظ على حيوية السؤال داخل المجتمع والمجتمعات التي تفقد قدرتها على التفكير الفلسفي تفقد تدريجيًا قدرتها على النقد والإبداع، وتتحول المعرفة فيها إلى تكرار، والسياسة إلى إدارة يومية بلا أفق، والتعليم إلى تدريب تقني بلا روح.
الفلسفة بوصفها أسمى أنماط الحب
في النهاية، يمكن القول إن الفلسفة هي أرقى أشكال الحب لأنها حب لا ينتهي عند موضوع محدد. إنها حب الحقيقة دون امتلاكها، وحب الإنسان رغم هشاشته، وحب العالم رغم غموضه. إنها الحب الذي يجعل الإنسان قادرًا على العيش في السؤال دون خوف، وعلى تحويل القلق الوجودي إلى طاقة تُفكرية خلاقة بحسب صديقنا فيلسوف الشام الصاعد حسام درويش فالفلسفة تعلمنا كيف نرى العالم لا كشيء مكتمل، بل كحوار مفتوح. وهي بهذا المعنى ليست مجرد نشاط عقلي، بل تجربة روحية وعقلية في آن واحد، تجربة تجعل الإنسان أكثر إنسانية لأنه يتعلم أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يعتقد، وأن يحب الحكمة بدل ادعاء امتلاكها.
وهكذا تبقى الفلسفة، عبر العصور، ليست فقط بحثًا عن الحقيقة، بل شكلًا ساميًا من أشكال الحب: حب المعرفة، حب الحكمة، وحب المعنى الذي يجعل الوجود الإنساني جديرًا بأن يُعاش…
منشور برس موقع اخباري حر