الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي ..
في مكانٍ ما من العالم، حيث تهب الرياح بانتظام وتُقاس فائدتها بميزان العقل، تحوّل الهولنديون طواحين الهواء إلى أدوات إنتاج: تطحن الحبوب، تجفف الأراضي، وتدير اقتصادًا كاملًا من الماء والهواء. هناك، لا أحد يختلف على اسم الطاحونة ولا على تعريفها؛ فهي ببساطة آلة نافعة، تُقاس قيمتها بما تُنجزه. أما في عدن، حيث تقف طواحين الهواء القديمة في المملاح كأثرٍ صامت، فقد تحولت الطاحونة من أداة عمل إلى استعارةٍ مُرّة: جعجعة بلا طحين، وصراعٌ حول الشكل بدل الوظيفة، وحول الاسم بدل الفعل.
ليس الفرق بين الطاحونتين في المادة أو الشكل، بل في الذهنية التي تتعامل معهما. في هولندا، الريح تُسخّر، وفي عدن تُستعار كصورة لصراعٍ عبثي. هناك تُدار الطاحونة لتخدم المجتمع، وهنا تُدار الكلمات لتستهلكه. وبينهما يتجلى الفارق بين عقلٍ علميّ يرى في الظواهر إمكانًا، وعقلٍ أيديولوجيّ يرى في الكلمات ساحة معركة.
ومن داخل هذا المناخ المشحون، برزت أزمة أخرى لا تقل دلالة: أزمة “العَلَم” بوصفه رمزًا سياسيًا، لا قطعة قماش. فالعلم الذي يُفترض أن يكون علامة توحيد وانتماء، تحوّل في الجنوب إلى موضوع مزايدة وانقسام؛ يُرفع أحيانًا لإثبات الولاء، ويُرفض أحيانًا لإثبات النقيض، وكأن قيمته تُستمد من موقعه في الصراع لا من معناه الجامع. صار السؤال: من يرفع العلم؟ ومن يرفضه؟ بدل أن يكون: ماذا يمثل؟ ولمن ينتمي؟ وهكذا دخل العلم نفسه في طاحونة الكلمات، ففقد رمزيته الجامعة، وصار أداة فرز واستقطاب، يُستخدم لإثبات المواقف لا لبناء المشترك. تمامًا كما حدث مع كثير من المصطلحات الأيديولوجية، لم يعد الرمز يُقاس بوظيفته في توحيد الناس، بل بقدرته على إثارة الخلاف بينهم.
منذ لحظة خروج الاستعمار، لم يكن الصراع في عدن – في كثير من محطاته – صراعًا على المصالح الواقعية بقدر ما كان صراعًا على المصطلحات: أيّ تسمية للدولة؟ أيّ وصف للنظام؟ أيّ طريق أصدق: اشتراكي أم قومي أم ديني؟ كانت الكلمات تُستدعى من سياقات بعيدة، كما تُستدعى أرواح غريبة إلى جسدٍ لا يعرفها، فتُحدث فيه اضطرابًا بدل أن تمنحه الحياة. لم تكن المشكلة في وجود الأفكار، بل في تحويلها إلى شعارات منفصلة عن الواقع، تتصارع في الهواء كما تتصارع طواحين لا تطحن شيئًا.
وهنا تحديدًا تكمن أزمة العلم: ليس غيابه التام، بل غياب روحه. فالعلم ليس مجرد معرفة، بل منهج يُخضع المفاهيم للتجربة، ويختبرها بالواقع، ويُبقي منها ما ينفع الناس. أما حين تُرفع المفاهيم إلى مرتبة المقدّس، وتُعامل كحقائق نهائية، فإنها تفقد طبيعتها كأدوات للفهم، وتتحول إلى أدوات صراع. وهكذا يصبح السؤال: من الأصدق في التسمية؟ بدل أن يكون: ما الأنفع للناس؟
في مثل هذا المناخ، تنمو ظاهرة “النضال اللفظي” بوصفها بديلًا رخيصًا عن الفعل الحقيقي. تتحول كلمة “مناضل” من وصفٍ لفعلٍ استثنائي قائم على التضحية والإنجاز، إلى لقبٍ يُمنح بالجملة، بلا معيار ولا كلفة. ومع تضخم الألقاب، يتآكل المعنى، ويصبح النضال نفسه نوعًا من الادعاء الاجتماعي، أو سلّمًا للوصول إلى النفوذ، لا طريقًا لتحرير الإنسان أو بناء الدولة. وكما أن الطاحونة التي لا تطحن تفقد وظيفتها، فإن الكلمة التي لا تُترجم إلى فعل تفقد قيمتها.
المفارقة أن هذا كله يحدث في مجتمعٍ يدرك، في لحظات صفائه، أن مشكلته ليست في تعدد المشاريع بقدر ما هي في غياب القاسم المشترك. الجميع يتحدث عن قضايا كبرى، بينما الواقع يُختزل في حقيقة بسيطة: غياب السيادة، وغياب الدولة بوصفها إطارًا جامعًا. لكن بدل أن تتجه الجهود نحو هذه النقطة المركزية، تتشظى في نقاشات لا تنتهي حول التعريفات والتسميات، كأن تغيير الاسم يمكن أن يغير الواقع.
التاريخ هنا لا يتحرك إلى الأمام بقدر ما يدور في حلقة، لأن الماضي لم يُهضم بعد. وحين يعجز الحاضر عن إنتاج معنى قابل للعيش، يعود الماضي بوصفه ملاذًا وهميًا، وتعود معه لغته وصراعاته. وهكذا تستمر الطواحين في الدوران، لا لأنها تنتج، بل لأنها لم تتوقف يومًا لتُسأل: ماذا تفعل؟
لو أُعيد النظر في المشهد من زاوية بسيطة، لبدت المقارنة كاشفة: طواحين هولندا تعمل لأنها جزء من منظومة إنتاج، وطواحين عدن ترمز إلى العطب لأنها جزء من منظومة خطاب. هناك تُقاس الأشياء بنتائجها، وهنا تُقاس بنيّاتها. هناك تُختصر الكلمات لتفسح المجال للفعل، وهنا يتضخم الكلام حتى يبتلع الفعل، حتى صار العَلَم نفسه – الذي يفترض أن يُرفع فوق الخلاف – يُسحب إلى داخله.
ربما ليست المشكلة في الريح، ولا في الطاحونة، ولا حتى في العلم، بل في من يدير كل ذلك. فإما أن تتحول الرموز إلى جسور مشتركة تُنتج المعنى، أو تبقى أدوات صراع تُنتج الضجيج. وفي هذا الفارق الصغير بين الإنتاج والضجيج، بين الرمز الجامع والرمز المُسيّس، يتحدد مصير المجتمعات: إما أن تتقدم، أو أن تظل تدور… حول نفسها.
✍🏻تنوية👇🏾لولا احتفاظي بهذا الصورة ( النضالية المبكرة) من قبل أن يخلق بعضهم- لضاع كل نضالي الوطني في زحمة المناضلين الجدد الذين جاءوا في اللحظة الأخيرة فاختطفوها بالمزايدة والهرجلة والوقاحة😳وأصبحنا واصبح الملك لله✋🏼..
منشور برس موقع اخباري حر