ضع اعلانك هنا

أثر الجغرافيا في رؤية العالم؛ أو ما يشبه القراءة في كتاب جغرافية الفكر والبحث عن المعنى ..

الكاتب :
استاذ دكتور / قاسم المحبشي ..

كيف يفكر الناس في البيئات الجغرافية المختلفة؟ وهل لجغرافياتهم أثر في أنماط تفكيرهم؟ لطالما حيرتني تلك الفكرة التي موادها؛ إذا كان الواقع المرئي المحسوس الملموس واحدا لجميع سكان العالم فلماذا يختلفون في رؤيته وتفسيره وتأويله وفهمه؟
في ندوة العولمة والمجايلة للتاريخية للدكتور سيار الجميل أورد مقارنات ذكية بين الدول العربية وبعض الدول الآسيوية ومنها ( ماليزيا وسنغافورة وتايلاند غيرها) التي كانت الدول العربية في زمن مضى افضل منها على مختلف المستويات وما ذلك تبدل الحال وهذا ما دفع الدكتور بن شرقي بن مزيان لصرح السؤال الذي استفزني وجعلني أشاطرهما التفكير في البحث عن ما يفسر هذا الاختلاف بين العرب وغيرهم هل يتصل بالأنثروبولوجيا التكوينية للمجتمعات العربية؟ أم له علاقة بالثقافة وهيمنة المؤسسة الدينية؟ أو يتصل بالبيئة الجغرافية وسياقاتها المختلفة؟ ولا أخفيكم سرا بانني منذ تلك اللحظة وأنا مهموما بالبحث فيما يشبع المعنى وفي اثناء ذلك تذكرت كتاب عالم النفس الأمريكي ريتشارد إي. نيسبت، استاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة ميشيغان، ويُعد رائداً في دراسة تأثير الثقافة على العمليات العقلية والإدراكية ففي كتابه المهم (جغرافية الفكر؛ كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف… ولماذا؟ ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة في الكويت عام 2003 يحاول ريتشارد نيسبت مقاربة السؤال: لماذا يبدو العالم، في عين غربي، مختلفًا عن العالم في عين آسيوي، مع أن الشمس ذاتها تشرق على الجميع، وأن الطبيعة البشرية، في ظاهرها البيولوجي، واحدة بالنسبة للجميع وأصل النوع الإنساني واحد والعقل أعدل الاشياء قسمة بين الناس بحسب ديكارت؟ فضلا عن كون جميع الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء ذاتها بما في ذلك الرسل والأنبياء وكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياء ذاتها بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات كما إن الكائنات الحية الأرضية جميعها تنطبق عليها قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين كل الاحياء التي يحكمها قانون الفطرة الطبيعية الحفاظ على البقاء ومقاومة الفناء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:

1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.

3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.

(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.

(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.

4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.
وهكذا هو حال الكائن الحي الوحيد الذي يمكنه تعريف نفسه ويقول (أنا)

واضح اختلافات انماط التفكير إن السؤال لا يهتم باختلاف الآراء العابرة، بل بالبنية العميقة للإدراك نفسه؛ بالطريقة التي يرى بها الإنسان الأشياء، ويرتبها، ويمنحها المعنى. فالاختلاف هنا ليس بين أشخاص، بل بين أنماط وعي تشكلت تاريخيًا داخل بيئات جغرافية وثقافية وحضارية مختلفة

لقد بدا العالم، مع ثورة الاتصالات والمعلومات، أقرب إلى قرية كونية صغيرة. تقلصت المسافات، وتداخلت الثقافات، وتشابكت المصالح، غير أن هذا التقارب المادي لم يؤدِّ بالضرورة إلى تقارب في الرؤية والفهم والتأويل. بل ربما حدث العكس تمامًا؛ إذ صار الإنسان أكثر احتكاكًا بالاختلافات الفكرية والرمزية والعقدية التي كانت، في الماضي، محجوبة خلف حدود الجغرافيا والتاريخ. وهنا يظهر السؤال الأكثر عمقًا: إذا كان الواقع المرئي نفسه يثير كل هذا الاختلاف في تفسيره وفهمه، فكيف سيكون الحال مع النصوص والمعتقدات والرموز التي تتحدث عن عوالم غير مرئية يستحيل التحقق منها بالحواس المباشرة؟ وكيف تتكون الحقائق في أذهان البشر؟ وهل الحقيقة شيء موجود في الأشياء ذاتها، أم أنها نتاج اتفاقات بشرية طويلة، صنعها التاريخ والثقافة واللغة والسلطة؟

يرى نيسبت أن العقل الغربي، منذ الإغريق، تشكل على نحو تحليلي يميل إلى تفكيك الظواهر إلى عناصر مستقلة، والبحث عن القوانين المجردة التي تحكم الأشياء، بينما تشكل العقل الآسيوي ضمن بيئات زراعية وجماعية جعلته أكثر ميلًا إلى التفكير الكلي والعلاقات والسياقات والانسجام بين العناصر. ولذلك فإن الغربي ينظر إلى الشيء بوصفه وحدة منفصلة يمكن تحليلها وتصنيفها، في حين ينظر الشرقي إلى الشيء بوصفه جزءًا من شبكة علاقات معقدة لا يمكن فهمه خارجها. هذا الاختلاف لا يظهر فقط في الفلسفة أو السياسة، بل حتى في الإدراك البصري واللغة والذاكرة والأخلاق وأنماط الحياة اليومية إذ إن الإنسان لا يعيش وفق الوقائع الظاهرة وحدها، بل وفق ما يعتقد أنه حقيقة. فالمعتقدات، مهما بدت غريبة أو وهمية أو غير قابلة للإثبات، تظل قادرة على توجيه السلوك الإنساني وصناعة التاريخ. من يعتقد أن العالم مسكون بالأرواح الشريرة سوف يعيش حياته تحت وطأة الخوف، ومن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة سينظر إلى الآخرين بوصفهم ضالين أو أعداء أو كفارًا أو تهديدًا وجوديًا. وهكذا تتحول الأفكار إلى قوى مادية فاعلة، لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأن الناس يؤمنون بها ويعيشون على أساسها.

فالمؤمن بعقدة ايديولوجيا لا يراها احتمالًا بين احتمالات، بل يراها الحقيقة ذاتها. وإذا تشكل ذهن المرء على نحو من أنحاء الاعتقاد المقدس صار من الصعب تغييره! وبهذا يمكن النظر إلى التاريخ الإنساني بوصفه تاريخًا لصراع السرديات الكبرى وأنماط التأويل المختلفة للعالم. فمن عبادة الطواطم البدائية حتى الأيديولوجيات الحديثة، ومن الأساطير القديمة حتى العقائد السياسية المعاصرة، ظل الإنسان يبحث عن معنى شامل يفسر الوجود ويمنحه الشعور باليقين. والمشكلة ليست في وجود المعتقدات ذاتها، فذلك جزء من الطبيعة البشرية، بل في تحولها إلى أنظمة مغلقة ترفض النقد وترى في الاختلاف تهديدًا ينبغي القضاء عليه.

لهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى ما يمكن تسميته بالرؤية الجشطالتية للعالم؛ أي النظر إلى الظواهر ضمن كليتها وترابطها، لا بوصفها أجزاء معزولة. فالعالم المعاصر لم يعد يحتمل الرؤى الاختزالية الضيقة، لأن الاقتصاد والسياسة والدين والتقنية والبيئة والثقافة باتت متداخلة بصورة غير مسبوقة. لم يعد ممكناً فهم الحروب أو الأزمات أو التحولات الكبرى من خلال سبب واحد أو تفسير أحادي. إن كل شيء يتفاعل مع كل شيء داخل شبكة عالمية معقدة، ولذلك فإن أي وعي نقدي حقيقي يجب أن يكون قادرًا على رؤية التشابكات العميقة بين الظواهر بدل الاكتفاء بالمظاهر السطحية إذ أن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له لغته وثقافته ومصالحه وتاريخه أن يراه وهذا هو فحوى كتاب اللغة الصامتة لعالم الأنثروبولوجيا الأمريكي إدوارد تي هول إذ درس الثقافة بوصفها نظامًا لإنتاج المعنى، لا مجرد مجموعة معارف وخبرات ومعتقدات. فكل جماعة بشرية تبني لنفسها تصورًا عن الكون والعالم والتاريخ والزمان والمكان والحقيقة والهوية والخير والشر والحياة والموت، ثم تدافع عنه بوصفه يقينًا نهائيًا. وحين يتحول هذا اليقين إلى تعصب، يصبح الاختلاف مستحيلًا، ويتحول الحوار إلى صراع. فالناس لا يقتتلون عادة حول الحقائق العلمية، بل حول التأويلات والرموز والمقدسات والهويات والسرديات التاريخية.

وهذا هو الفرق بين العلم، والاعتقاد الأيديولوجي؛ العلم لا يطلب الإيمان بل الاختبار. إنه لا يقوم على سلطة النصوص أو قداسة الأسلاف، بل على البرهان والتجربة وقابلية الدحض. حين نقول إن الماء يتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين، أو إن لكل فعل رد فعل مساويًا له في القوة ومضادًا له في الاتجاه، فإن هذه القضايا لا تعتمد على انتماء ثقافي أو ديني أو قومي، بل يمكن التحقق منها في أي مكان من العالم. ولذلك يتميز العلم بطابعه الكوني والموضوعي؛ فالمعادلات الرياضية لا تتغير بتغير الأديان، وقوانين الفيزياء لا تتبدل بتبدل الأنظمة السياسية أما في عالم المعتقدات والأيديولوجيات فترتفع الأصوات، وتحتدم الخطابات، ويتحول النقاش إلى معركة وجودية. وكلما افتقد الإنسان للحجج والبراهين، ازداد ميله إلى الصراخ والتخويف والتعبئة العاطفية. إن عالم الرياضيات أو الفيزياء لا يحتاج إلى المبالغة الخطابية لإثبات صحة نظريته، لأن البرهان يكفي. أما الأيديولوجي، فإنه غالبًا ما يستعيض عن ضعف الحجة بقوة الانفعال. ولذلك يمكن القول إن الصمت هو لغة العلم، بينما الضجيج هو لغة اليقين الأيديولوجي المغلق.

وبذلك ليست هناك إلا طريقتان أساسيتان في التعامل مع الآخرين: إما إكراههم بالقوة والتهديد والوعيد، وإما إقناعهم بالحوار والبرهان. الأولى تصنع الخضوع المؤقت لكنها لا تصنع اقتناعًا حقيقيًا، أما الثانية فتبني وعيًا حرًا قادرًا على إعادة التفكير والنقد. ولهذا فإن الفرق كبير بين السياسي والواعظ والعالم؛ فالأول يسعى إلى تغيير الواقع عبر السلطة والصراع، والثاني يدعو إلى الصبر والخلاص الروحي، أما الثالث فيحاول فهم العالم وتطوير الأدوات العلمية التي تمكن الإنسان من تحسين شروط حياته.

إن وظيفة الفلسفة، منذ بداياتها، لم تكن تقديم يقينيات نهائية بقدر ما كانت ممارسة نقدية لتحطيم أوثان العقل نفسه. فالفلسفة ليست عقيدة جاهزة، بل يقظة دائمة ضد التحجر الفكري. إنها الوعي الذي يراقب ذاته، ويعيد مساءلة مفاهيمه ومسلماته باستمرار. ولهذا كانت الفلسفة، كما قال نيتشه، ضربًا من الشك الخلاق الذي يكشف أن كثيرًا مما نسميه “حقائق” ليس سوى استعارات لغوية استهلكها التكرار حتى بدت بديهية.

ولعل مفهوم “الثورة” يقدم مثالًا واضحًا على تاريخية المعاني وتحولاتها. فالكلمة التي كانت تشير قديمًا إلى الهيجان أو الفوران أو الحركة الفلكية، تحولت في العصر الحديث إلى مفهوم سياسي واجتماعي مرتبط بالحداثة والتغيير الجذري. ومع الزمن صار المفهوم يتسع ليشمل ظواهر متباينة: الثورة الصناعية، الثورة العلمية، الثورة الفرنسية، الثورات التحررية، الثورات الرقمية، وحتى الثورات الرمزية والثقافية. وهكذا يتضح أن المفاهيم ليست كيانات ثابتة، بل تراكمات تاريخية تتغير دلالاتها بحسب السياقات التي تستخدم فيها بحسب حنا أرندت ارتبط مفهوم الثورة، بولادة العالم الحديث، أي بالعالم الذي انتقل من سلطة التقليد إلى سلطة الإنسان والعقل والتاريخ. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير سياسي، بل انقلابًا عميقًا في رؤية الإنسان لذاته وللعالم. فالثورة الحديثة لم تعنِ فقط إسقاط الأنظمة القديمة، بل إعادة تعريف مفاهيم الحرية والسلطة والشرعية والمعرفة والتقدم.

وهكذا نخلص إلى إن الاختلاف الجوهري ليس بين الشرق والغرب فقط، بل بين نمطين من التعامل مع العالم: نمط يرى الحقيقة شيئًا مغلقًا ومكتملًا ونهائيًا، ونمط يرى الحقيقة عملية مستمرة من البحث والنقد والتجربة. فالحقائق الأيديولوجية تبقى أسيرة الإيمان الجماعي، أما الوقائع العلمية فتظل قابلة للاختبار والتصحيح والتجاوز. ولهذا فإن المعرفة الحقيقية لا تبدأ حين نمتلك الأجوبة، بل حين نتعلم كيف نشك في الأسئلة نفسها، وكيف نعيد النظر في المسلمات التي تشكل وعينا بالعالم. وربما لهذا السبب كتب فريدريك نيتشه أن الحقيقة ليست سوى أوهام نسينا، عبر الاستعمال الطويل لها، أنها كذلك…

ضع اعلانك هنا