ضع اعلانك هنا

مشاهد من موسكو عاصمة الجمال والثورة والدهشة.. انطباعات زائر عابر….

عيبان محمد السامعي

(المشهد الأول)

بعد نزولنا في فندق “كارلتون ريتز” الواقع بالقرب من الساحة الحمراء قلب مدينة موسكو عاصمة روسيا الاتحادية، وبعد أن أخذنا قِسط من الراحة، بدأ الفضول يتسلل إلى نفوسنا، وتنامت لدينا رغبة شديدة في استكشاف المدينة، والتجوُّل في شوارعها، والتعرُّف على معالمها عن قُرب.

اقترح علينا أحد الرفاق الضالعين في معرفة موسكو بأن نبدأ جولتنا بالتعرُّف على شارع أو زقاق “كاميرغيرسكي”، وذلك لسببين، أولهما أنه يقع على مقربة من الفندق وهذا يتناسب مع الوقت المتأخر لخروجنا حتى نتمكن من العودة إلى الفندق قبل حلول منتصف الليل. والسبب الثاني يتعلق بالقيمة الرمزية الكبيرة التي يحتلها المكان في تاريخ المدينة وفي الثقافة الروسية. رحبنا بفكرة الرفيق على الفور وبدون نقاش، قائلين له: الأمر إليك فخذنا حيثما تشاء!

ما إنْ وطئتْ أقدامنا الزُّقاق حتى اعتلت على وجوهنا تعابير الدهشة والإعجاب، شعرنا وكأننا قد انتقلنا عبر الزمن إلى حقبة تاريخية كلاسيكية. أول ما لفت أنظارنا ذلك الطابع المعماري الكلاسيكي الأنيق للمباني التي تصطف على جانبي الزُّقاق، بما تكتنزه من تفاصيل جمالية وفنية تعكس عراقة التاريخ وعبق الماضي.

عملتُ – لاحقاً – (search) بسيط على محرك البحث (google) للحصول على معلومات أكثر عن المكان، وجدتُ فيما وجدته أنّ الجذور التاريخية لهذا الزُّقاق تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، وقد أُطلِقَ عليه تسميات متعددة عبر مراحل تاريخية مختلفة، قبل أن يستقر على اسمه الحالي “كاميرغيرسكي” الذي يشتق من لقب “كاميرغير” وهو منصب رفيع، كان يمنح لكبار رجالات بلاط القيصر الروسي. تحوّل في نهاية التسعينات من القرن الماضي إلى مكان مخصص للمشاة، ليصبح من أكثر الفضاءات الحضرية حيوية وجاذبية في المدينة.

يعجُّ الزُّقاق بالمقاهي والمطاعم الصغيرة المتنوّعة التي تعكس تنوُّع المطبخ الروسي، والمأكولات التي ترتبط بالجماعات الإثنية والقومية مثل: السلافية والقوقازية والتركية والأرمنية والأذرية وغيرها الكثير. كما يحتضن الزُّقاق مسارح عديدة أشهرها “مسرح موسكو للفنون” الذي يعد أحد المعالم الثقافية البارزة. إلى جانب ذلك يتميز الزُّقاق بطابع جمالي مدهش، فقد زُيّن بأحواض الياسمين وأنواع أخرى من الأزهار والنباتات الزخرفية، فضلاً عن وجود أعمدة إنارة ذات نمط كلاسيكي، فيما تتدلى المئات من المصابيح من الأعلى التي تُضيءُ في الليل لتشكّل مشهداً ساحراً أشبه بـ”سماء مرصعة بالنجوم”.

في منتصف الزُّقاق ينتصب تمثال “سيرغي بروكوفييف” أحد أبرز مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية الروسية في القرن العشرين. استوقفني هذا التمثال، فهو لا يتخذ هيئة تقليدية كما في التماثيل الأخرى، بل يبدو “بروكوفييف” وكأنّه خرج للتوّ، يمشي مع المارة، مُرتدياً مِعطفاً طويلاً وقُبَّعة أنيقة، ويتأبَّط تحت ذراعه اليسرى مجموعة من الأوراق وقد كتب فيها مجموعة من النُّوتات الموسيقية، في حين يضع يده اليمنى داخل جيب مِعطفه الطويل. أما ملامح وجهه فتبدو بين الصرامة والتأمُّل، مع نظرات مُثبَّتة ومُصوَّبة نحو الأمام، وهو ما يُوحي بأنّ ذهنه منشغل بتفكير داخلي عميق، ربما يتعلق الأمر بتوارُد أفكار عن مقطوعة موسيقية تداعب خياله، ويريد أن يستجمع خيوطها حتى يُحوِّلها إلى نص موسيقي مكتمل.

أما الأضواء المتدلية فوق رأسه وفوق رؤوس المارة فتزيد المشهد جمالاً وسحراً، وتعطي انطباع وكأنّ الجميع يسبحون في وسط نهر من الأضواء الفاتنة.

في أثناء تجوّلنا في أرجاء المكان، لاحظنا – أيضاً – الحضور الطاغي للفن؛ فقد صادفنا ثلاث فِرق موسيقية وغنائية كانت تُقدِّم عُروضها الحيَّة في الهواء الطَّلْق، ناشرةً أجواء من البهجة والحيوية في نفوس الزُّوار.

قعدنا في أحد المقاهي بغرض تناول وجبة خفيفة، والاستمتاع بهذا الجمال الآسر، فيما كانت الأنغام الموسيقية العَذبة تنساب إلى مسامعنا، فتزيد المشهد جمالاً وبهجة، وتجعل من تلك اللحظات التي قضيناها من أمتع اللحظات التي يمكن للمرء أن يعيشها في حياته.

يتبع…

*رابط قناة الحزب الاشتراكي اليمني في الواتساب*
https://whatsapp.com/channel/0029VaGiDrN3GJP6tpE7th3h

ضع اعلانك هنا