ضع اعلانك هنا

العميد الكوكباني ناعيا الشهيد عبدالله شامي : نم قرير العين، هادئ القلب، مطمئن الروح؛ فما مات من أحيا المكارم، ولا غاب من أبقته المآثر. فالرجال لا تُقاس بطول أعمارها، وإنما بطول آثارها…

نقف اليوم أمام فاجعةٍ جديدة، وقد انكسر في القلب وترٌ آخر، لنودع فارساً من فرسان الوغى، وأسداً من أسود المقاومة التهامية، الشهيد البطل عبدالله شامي، رحمه الله رحمةً تليق بأهل التضحية والفداء، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً..

ما كان عبدالله شامي اسماً يمر في سجل المقاومة مرور العابرين، ولا رقماً يُذكر في عداد المقاتلين، بل كان علماً من أعلامها، وركناً من أركانها، وسيفاً من سيوفها، ومن أصحاب الطلقة الأولى الذين افتتحوا سفر البطولة، وخطّوا بمداد الدم أول سطور الكرامة، وأقاموا على جماجم الخوف صروح الحرية، حتى غدت تهامة تفاخر بهم الأمم، وتتباهى بهم القيم، ويزهو بهم التاريخ…

كان رفيق درب الشهيد يحيى الوحيش، والشهيد فادي حندج، منذ باكورة انطلاق المقاومة، في خليةٍ واحدة، في مدينة الخوخه جمعهم الإيمان قبل المكان، ووحّدهم الهدف قبل الصف، وآخت بينهم ساحات الجهاد، حتى غدوا أرواحاً في أجساد، وقلوباً في أفئدة، وإخوةً في الخندق قبل أن يكونوا إخوةً في الوطن…

ثم شاءت حكمة الله أن يُصاب عبدالله شامي في العملية الغادره التي استهدفت الشهيد القائد يحي وحيش وأن يبقى أياماً يصارع الألم، ويعانق الأمل، حتى لحق بركب الشهداء بعد أسبوعين من جراحه. وكأن القدر أراد أن يؤخر موعد ارتقائه؛ لا حرماناً له من الشهادة، ولكن إكراماً لذكراه، ليُفرد بيومٍ يخصه، ورثاءٍ يليق به، ودعاءٍ لا يشاركه فيه أحد، كما أفرد من قبل بالبذل حين بخل كثيرون، وبالثبات حين اضطرب آخرون، وبالوفاء يوم عزّ الوفاء…

أيها الشهيد… نم قرير العين، هادئ القلب، مطمئن الروح؛ فما مات من أحيا المكارم، ولا غاب من أبقته المآثر. فالرجال لا تُقاس بطول أعمارها، وإنما بطول آثارها، ولا بعدد السنين التي عاشوها، وإنما بعدد المبادئ التي أحيوها. وأنت تركت في الأرض سيرةً تُروى، وفي القلوب محبةً لا تُطوى، وفي الميدان ذكراً لا يَبلى، وفي التاريخ صفحةً لا يطويها النسيان…

نعزي أنفسنا قبل أن نعزي أهلك واخوانك وذويك ومحبيك ونعزي رفاق السلاح، وأحرار تهامة كافة؛ فقد فقدوا اليوم رجلاً إذا حضر حضر معه الثبات، وإذا تقدم تقدمت معه الرايات، وإذا نادى لبّى الرجال، وإذا قاتل انكسر أمامه المحال. كان صادق اللهجة، ثابت الحجة، عظيم النجدة، لا يعرف إلى التراجع سبيلاً، ولا إلى التردد دليلاً…

نسأل الله الكريم أن يجعل دماءه نوراً في قبره، ورحمةً في حشره، وشفيعاً له يوم نشره، وأن يرفعه في عليين، ويجمعه بإخوانه الشهداء الذين سبقوه، ويصبّر أهله ومحبيه، ويربط على قلوبهم ربطاً جميلاً…

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾…

رحم الله الشهيد عبدالله شامي… يوم حمل روحه على كفه، ويوم باع دنياه بآخرته، ويوم ارتقى إلى ربه ثابت الجنان، ويوم يُبعث حيّاً في زمرة الشهداء. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ضع اعلانك هنا