الكاتب : استاذ دكتور قاسم المحبشي …
———————
كانت المعرفة التاريخية قبل ابن خلدون تعيش حالةً من الفوضى والاضطراب، وتفتقر إلى القواعد والأدوات المنهجية العلمية المنظمة. وكان التاريخ مرتعًا خصبًا للأوهام والخرافات والأساطير والمبالغات والأهواء والأخطاء والأباطيل، وكان الناس يتدافعون إلى مباشرة التدوين التاريخي من غير معايير أو ضوابط تُمكّنهم من التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الممكن والمستحيل. وهكذا غدا التاريخ مشاعًا لكل من هبَّ ودبَّ من غير بحثٍ ولا رؤية، حتى صار فنُّ التاريخ مختلطًا، وناظره مرتبكًا، وعُدَّ من مناحي العامة، فأصبح انتحاله سهلًا، واستخفَّ العوامُّ ومن لا رسوخ لهم في المعارف بمطالعته والخوض فيه، فاختلط المرعى بالهمل، واللباب بالقشر، والصادق بالكاذب.
هكذا يبدأ ابن خلدون في التأسيس لمشروعية عمله، وبيان الحاجة الماسّة إلى نقدٍ جديد ومنهجٍ بديل.
فمنذ الصفحة الأولى من المقدمة قدّم ابن خلدون نقدًا واسعًا للتاريخ والمؤرخين وللمعرفة التاريخية المتداولة، التي تناقلها بعض المتطفلين على التاريخ وعلومه. وهذا ما يراه الباحث علي أومليل في كتابه «الخطاب التاريخي»، إذ يقول: «إن ما يثير انتباه قارئ المقدمة هو النقد العنيف الذي يوجهه ابن خلدون إلى مجمل التاريخ العربي؛ فمنذ الصفحات الأولى من الكتاب يدخل ابن خلدون في محاسبة نقدية للمؤرخين جميعًا، حتى كبارهم».
ولعل ما أفزع ابن خلدون وحفّزه على العمل هو إدراكه الأزمة العميقة التي بلغتها المعرفة التاريخية العربية ومناهجها؛ إذ وجد أن التاريخ، بوصفه معرفةً وتدوينًا وتفسيرًا للأحداث، قد تخلف كثيرًا عن التاريخ بوصفه سياقًا واقعيًا للأحداث والمتغيرات الحضارية والثقافية والمدنية. لذا يمكن النظر إلى «المقدمة» بوصفها دفاعًا عن مشروعية التغيير في التاريخ، وعن مشروعية نقد المعرفة التاريخية وتطويرها. وهي بذلك أرادت أن تبلغ خطابًا محددًا مفاده أن التاريخ قد انقلبت أوضاعه، ومع ذلك ظل حديث المؤرخين عنه على حاله لم يتغير.
لقد صيغ التاريخ العربي وتشكلت صورته العامة في عصور مضت وانقضت، ثم تجمد في قوالب التقليد، فأصبح المقلدون يستنسخون أحاديث عن التاريخ نُسيت أصولها والعصور التي أنشأتها. وهكذا تغيّر التاريخ، ولم يتغير الحديث عنه.
لقد كان هدف «المقدمة» إحداث تغيير جذري في المعرفة التاريخية، منهجيًا ونظريًا، بما يلائم التغيير الجذري الذي حدث في مسار التاريخ وحركته الواقعية. لذلك كان لا بد من الارتقاء بالخطاب التاريخي إلى مستوى التاريخ نفسه، الذي انقلبت أوضاعه وتبدلت أحواله.
وهذا ما ميّز المنهج النقدي التاريخي عند ابن خلدون من سائر المناهج التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة حركة التاريخ وتحدياته المتغيرة باستمرار.
وقد وجّه ابن خلدون نقده إلى المناهج التقليدية القديمة في الدراسات التاريخية، ثم إلى الأصول التي استند إليها التاريخ العربي الإسلامي منذ نشأته الأولى، والتي قامت على تقليدين راسخين:
الأول: التقليد السردي أو الإخباري، وهو الشكل الأصلي للتاريخ العربي الإسلامي، ويقوم على رواية الحدث عبر سلسلة من الرواة تناقلوا الخبر ابتداءً ممن شهده أو زعم شهوده، وفق منهج الإسناد والتعديل والتجريح؛ أي تصحيح الخبر بناءً على مدى الثقة بناقليه.
ومن المهم الإشارة إلى أن لفظ «الأخبار» ظل يُستعمل مدةً طويلة بمعنى «التاريخ»، حتى إننا لا نجد لفظ «التاريخ» في القرآن الكريم أو الأدب الجاهلي أو السنة النبوية بهذا المعنى الاصطلاحي.
وهكذا نُظر إلى التاريخ على أنه خبر عن الحروب والمغازي والأشخاص والأقوال والأنساب والأيام.
أما التقليد الثاني فهو التقليد الوصفي، القائم على جمع الوقائع والأحداث دون تفسيرها أو البحث في أسبابها. ومن هذين التقليدين تفرعت مثالب أخرى أعاقت انطلاقة المعرفة التاريخية العلمية، من أبرزها:
* تسخير التاريخ والمعرفة العلمية عمومًا لخدمة الأهداف والغايات اللاهوتية والدينية والمذهبية.
* شخصنة التاريخ بما أفقده النظرة الموضوعية المحايدة للأحداث؛ إذ أصبح من المتعذر الفصل بين الفاعلين والأفعال، وبين الحقب التاريخية والأشخاص الذين كان لهم الدور الفاعل فيها.
* طغيان الطابع السياسي والأيديولوجي على مسار التاريخ؛ فالتاريخ غالبًا ما يكون تاريخ المنتصر لا تاريخ الحقيقة.
* اختلاط التاريخي بالأسطوري، بحيث يصعب الفصل بين التاريخ والأسطورة في الفكر العربي الإسلامي.
* ارتباط التاريخ الإسلامي بالهويات الدينية والقومية والعصبية والقبلية والطائفية والحزبية الضيقة.
* اختزال معنى التاريخ في الزمن الماضي وحده.
* حصر قيمة التاريخ في الموعظة والاعتبار والتسلية بسماع الأخبار.
كل هذه الممارسات والتصورات والأفكار والمناهج التقليدية والغايات الأخلاقية في المعرفة التاريخية هي التي وجّه إليها ابن خلدون سهام نقده.
وكان أول ما قام به ابن خلدون هو تحديد معنى جديد للتاريخ، شكّل قاعدةً راسخةً للانطلاق في مشروعه النقدي المنهجي، القائم على الهدم والبناء، والنقد والإبداع.
فكيف فهم ابن خلدون التاريخ؟
لقد كان ابن خلدون على وعي عميق بأهمية مشروعه النقدي الجديد، وكان شديد الثقة بصواب رؤيته للتاريخ، وهو ما يظهر منذ الصفحات الأولى من «المقدمة». فبعد أن حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، حدّد بدقة مدهشة المعنى الكلي للتاريخ بقوله:
«هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق».
تلخص هذه العبارة المدهشة، إلى حد بعيد، حقيقة الطفرة الخلدونية في الدراسات التاريخية، إذ تمثل واحدة من أهم الأفكار الفلسفية التي تميز بها ابن خلدون عن غيره. ومن هنا تبدأ اللحظة النقدية الكبرى في المنهج الخلدوني، إذ تشكل هذه العبارة نقطة الانطلاق الأساسية لفلسفة التاريخ عنده.
والمقصود بالحكمة هنا هو الفلسفة؛ ومن هذا التمييز بين ظاهر التاريخ وباطنه تبدأ الثورة المنهجية الخلدونية. فابن خلدون يميز نفسه عن جمهور المؤرخين التقليديين الذين اكتفوا بسرد الأخبار وجمع الروايات، دون التعمق في أسباب الوقائع وعللها.
ولهذا يضيف مباشرة بعد العبارة السابقة قوله: «وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها… ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها».
وعلى هذا النحو يبدأ ابن خلدون بنقد أسس التاريخ التقليدي من جذورها، مبينًا أن حقيقة التاريخ تكمن في باطنه، وأن ظاهره، الذي لا يزيد على أخبار الأيام والدول، لا يكشف عن ماهيته وجوهره الفعلي، بل قد يحجبهما ويشوّههما إذا اقتصر الباحث عليه دون النفاذ إلى علله وأسبابه العميقة.
منشور برس موقع اخباري حر