ضع اعلانك هنا

المفاهيم المجرّدة؛ روح الفلسفة وثمرتها الأنضج..تمهيد لندوة المعهد العالمي للتجديد العربي..

الكاتب : استاذ دكتور قاسم المحبشي..

ليست كل أنواع المعرفة تمنح صاحبها المتعة ذاتها. فهناك معرفة تُضيف إلى الإنسان معلومات جديدة، وهناك معرفة أعمق تهز يقينه القديم، وتدفعه إلى إعادة النظر فيما كان يظنه من البديهيات. والاشتغال بالمفاهيم المجرّدة ينتمي إلى هذا النوع الثاني؛ إذ لا تكمن متعته في العثور على أجوبة نهائية، وإنما في اكتشاف مقدار الجهل المختبئ داخل أكثر الكلمات تداولًا بين الناس.

ربما لا توجد تجربة فلسفية أكثر إثارة من اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه كان يردد كلمات مثل الحرية، والعدالة، والدولة، والوطن، والهوية، والإنسان، والتاريخ، والوجود، والجمال، وهو يظن أنه يعرفها، ثم يكتشف عند أول محاولة لتعريفها أنه لا يمتلك منها سوى ألفة الاستعمال، لا حقيقة المعنى. عندئذ فقط يبدأ التفكير الفلسفي، ويولد السؤال الحقيقي.

من هنا بدأت الفلسفة مع سقراط، ولم تنتهِ حتى اليوم. فقد أدرك الرجل أن المشكلة الكبرى ليست في جهل الإنسان، بل في اعتقاده أنه يعلم. ولذلك لم يكن يقول للناس: تعالوا أعلّمكم الحقيقة، بل كان يدعوهم إلى اكتشاف جهلهم بأنفسهم، لأن الاعتراف بالجهل هو الشرط الأول لإمكان المعرفة.

ومن الخطأ الاعتقاد أن الفلسفة انشغلت عبر تاريخها بإنتاج المفاهيم المجردة فقط ، بينما الحقيقة أن كبار الفلاسفة لم يكتفوا أبدًا بصناعة المفاهيم، بل عملوا دائمًا على بناء العلاقات بينها داخل أنساق كلية. فأفلاطون لم يصنع مفهوم العدالة منفصلًا عن نظريته في النفس والدولة، وأرسطو لم يبتكر مفاهيم الجوهر والعلة والحركة إلا ضمن بناء ميتافيزيقي متكامل، وكانط لم ينتج مفاهيم العقل بمعزل عن هندسته النقدية لشروط المعرفة، وهيغل جعل المفهوم نفسه حركة تاريخية جدلية، بينما أعاد هايدغر بناء شبكة الوجود بأكملها، ولم يكن دولوز وغاتاري عندما تحدثا عن “إبداع المفاهيم” يقصدان إنتاج كلمات جديدة، بل إنشاء خرائط جديدة للتفكير فالمفاهيم المجرّدة ليست كلمات عابرة في اللغة، وإنما هي الأدوات التي يبني بها العقل عالمه. فالإنسان لا يدرك الواقع مباشرة، وإنما يدركه عبر شبكة من المفاهيم التي تمنحه النظام والمعنى. ولذلك فإن تغيير المفاهيم يعني في كثير من الأحيان تغيير العالم نفسه إذ إن المفاهيم لا تعمل في الفراغ، بل تتولد داخل شروط اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية معقدة، وتتفاعل معها بصورة جدلية. فلا الديمقراطية صنعت الحداثة وحدها، ولا الحرية أنشأت الرأسمالية، ولا العقلانية وحدها أنتجت الثورة العلمية، بل إن العلاقة بين الفكر والواقع علاقة تأثير متبادل، وليست علاقة سببية أحادية الاتجاه

ولعل هذا هو السر الذي يجعل البحث في المفاهيم المجرّدة، على ما فيه من مشقة ذهنية، من أكثر الأعمال الفكرية متعة وخصوبة. فالفيلسوف لا يبحث عن الأشياء ذاتها بقدر ما يبحث في الشروط التي تجعلنا نفكر فيها، ولا يكتفي باستعمال الكلمات، بل يسأل دائمًا: ماذا نعني عندما ننطق بهذه الكلمة؟ وكيف نشأ معناها؟ ولماذا تغير؟ وما حدود صلاحيتها؟ وما الذي تخفيه من افتراضات غير مرئية؟

.

لا شك إن المفهوم المجرد لا يملك حدودًا نهائية، بل يظل مفتوحًا على التأويل. وكلما اتسعت التجربة الإنسانية اتسعت دلالاته. ولذلك لم يتفق الفلاسفة منذ أكثر من ألفي عام على تعريف واحد للعدالة أو الحرية أو الخير أو الحقيقة. وليس هذا دليلًا على فشل الفلسفة، كما يتصور البعض، بل هو دليل على أن موضوعها هو الإنسان، والإنسان كائن تاريخي متغير لا يمكن اختزاله في تعريف جامد إذ إن المفاهيم ليست كيانات أزلية هبطت من السماء، وإنما هي مخلوقات تاريخية. لكل مفهوم لحظة ميلاد، ولكل مفهوم سياق اجتماعي وثقافي، ولكل مفهوم تجربة عاشها قبل أن يتحول إلى مصطلح فلسفي أو سياسي أو قانوني. ولذلك فإن المفهوم لا يعيش داخل القاموس بقدر ما يعيش داخل التاريخ.

ومن هنا تبرز إحدى أكبر إشكاليات الفكر العربي المعاصر، حين يتعامل مع المفاهيم الحديثة وكأنها ألفاظ محايدة يمكن نقلها من لغة إلى أخرى دون مساءلة. فالديمقراطية، والحداثة، والعلمانية، والهوية، والمواطنة، والمجتمع المدني، والدولة… ليست مجرد كلمات، وإنما هي تجارب تاريخية معقدة. وكل مفهوم منها يحمل في داخله قرونًا من الصراعات والتحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية ولذلك فإن المفاهيم المجرّدة لا توجد منفصلة عن بعضها. فالحرية لا تُفهم إلا في علاقتها بالمسؤولية، والعدالة لا تنفصل عن المساواة، والسلطة ترتبط بالشرعية، والهوية لا تُفهم خارج التاريخ والثقافة، والدولة لا تنفصل عن المجتمع، والقانون لا ينفصل عن الأخلاق، والوجود لا يُفهم بمعزل عن الزمان والمكان.

ولعل أخطر ما يواجه الفكر الإنساني هو الوهم الذي يجعل الكلمات تبدو وكأنها تشير إلى جواهر ثابتة قائمة بذاتها. فكثير من الأسماء الكلية التي ملأت التاريخ ليست سوى اختراعات لغوية منحها الإنسان وجودًا لم يكن لها في الواقع. وقد نبه إلى هذا الخطر عدد من كبار الفلاسفة، لأن اللغة قادرة على خلق أوهام لا تقل قوة عن الحقائق نفسها.

بهذا المعنى باتت الحاجة إلى تجديد المفاهيم ليست ترفًا فكريًا، وإنما ضرورة يفرضها تغير العالم نفسه. فالواقع لا يكف عن الحركة، والتاريخ لا يعرف السكون، والمجتمعات تعيد إنتاج ذاتها باستمرار، ولذلك لا يجوز للفكر أن يبقى أسير التعريفات القديمة.

إن المفاهيم، مثل الكائنات الحية، تولد وتنمو وتتغير، وبعضها يشيخ، وبعضها يموت، وبعضها يُبعث من جديد في سياقات مختلفة.

ولهذا فإن الفلسفة ليست حراسة للماضي، بل هي يقظة دائمة تجاه المستقبل.

ولعل أعظم ما تمنحه الفلسفة للإنسان أنها لا تزوده بإجابات جاهزة، وإنما تعلمه كيف يطرح الأسئلة الصحيحة. إنها لا تقدم يقينًا مغلقًا، بل تفتح أبوابًا جديدة للفهم. وكلما ازداد الإنسان وعيًا بغموض المفاهيم التي يستخدمها، ازداد تواضعًا أمام الحقيقة، واتسعت قدرته على الحوار، وقلت قابليته للتعصب.

إن الحضارات لا تتجدد بتغيير الأدوات وحدها، وإنما تتجدد قبل ذلك بإعادة بناء مفاهيمها الكبرى. فكل تحول تاريخي عظيم سبقه تحول في اللغة، وفي طريقة التفكير، وفي المفاهيم التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه وإلى العالم.

ولذلك ستظل الفلسفة، ما دام الإنسان يفكر، الحقل الأقدر على مساءلة المفاهيم، وتجديدها، وتحريرها من أوهامها، وربطها دومًا بحركة التاريخ وتجدد الحياة. فالمفاهيم المجرّدة ليست هامش الفلسفة، بل هي روحها الحية، وثمرتها الأنضج، وأفقها الذي لا ينتهي.

ضع اعلانك هنا