أحمد عبدالله المجيدي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
https://althawry.net/71267/
تابعت، مثل غيري، الحلقات التي تبثها قناة «العربية» مع الأخ حيدر العطاس، تحت عنوان «الذاكرة السياسية». ومع أنني من الناس الذين لا يحبّذون نبش الماضي لأغراض سياسية، وجعله مدخلاً لمزيد من الاحتقان، خاصة في مثل هذه الأوقات العصيبة التي يمر بها وطننا وشعبنا، وحاجتنا الماسّة لمعالجة الحاضر ومداواة جروح الماضي المليء بالمرارة، وفتح أفق المستقبل في ظل حرب جائرة أكلت الأخضر واليابس، وأدّت إلى أوضاع كارثية يكتوي بنارها المواطن اليمني أينما كان؛ فإن استرجاع تاريخ التجربة في الجنوب، وعلى لسان العطاس وبالاعتماد على ذاكرته، ليس أوانها الآن، كما أنها جاءت لأغراض مبيّتة لا تخفى على أحد.
ولكن ما دفعني للكتابة عما قاله حيدر العطاس في سياق حديثه عن الأحداث والصراعات المؤلمة التي عصفت بجنوبنا الحبيب، وكان ذروتها الأحداث المؤسفة في 13 يناير 1986م، فقد اتهم العطاس الأخوين علي سالم البيض وسعيد صالح سالم بقتل الأخ عبدالفتاح إسماعيل. ولأننا كنا شهوداً على الأحداث وقريبين منها بشكل مباشر، فإننا نستغرب هذا الاتهام، بل ونستهجنه، إلا أن يكون الأخ العطاس قد اختلطت عليه الأحداث والأسماء بحكم عامل السن، وهو ما يتوجب منه تصحيح ذلك والاعتذار عما بدر منه.
وأتذكر جيداً أن الأخ علي سالم البيض كان مرقداً في معاشيق إثر الإصابة التي لحقت به عند خروجه من مبنى اللجنة المركزية. وعند اتصالي به للاطمئنان عليه، قال لي كلمات مؤثرة: «لم يزرني أحد، ولم يسأل عني أحد من الرفاق، غير ملكي التي تمارضني».
قلت له: «الرفاق جنبك جالسين يناقشوا ومختلفين على ترتيبات الأمانة العامة للحزب». وكان أبرز المتنافسين عليها الأخوان صالح منصر السييلي وسالم صالح محمد، اللذان تغيّبا عن اجتماع المكتب السياسي يوم 13 يناير، ولم نعرف أو نسمع أن الأخ علي سالم البيض كان طامحاً أو منافساً لأي شخص على منصب الأمين العام للحزب.
لكن أغلب قيادات اللجنة المركزية والمكتب السياسي كانت ترى في البيض رجل المرحلة، خاصة بعد استشهاد عبدالفتاح إسماعيل وعلي عنتر وصالح مصلح وعلي شائع، وخروج الأخ علي ناصر محمد. وهذا ما اقترحناه في اجتماع في منزلي بتاريخ 18 يناير، ضم ثمانية عشر عضواً، إن لم تخن الذاكرة، من أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي. وجميعنا اتفق على أن الأخ علي سالم البيض هو من تبقّى من القيادات التاريخية، وهو المناسب والأكفأ لتحمّل قيادة الحزب، وأن يكون الأخ سالم صالح محمد نائباً للأمين العام.
وكان همّنا وقف القتال ووضع حد للمتنافسين على منصب الأمين العام والمواقع القيادية المهمة من الأعضاء القياديين المتواجدين في معاشيق، في الوقت الذي يجري فيه الاقتتال في شوارع عدن والشيخ عثمان ودار سعد وغيرها، ووضع حد للسحل والأسر وغيرها من الأعمال التي جعلتنا نتداعى لذلك الاجتماع عصر يوم 18 يناير.
وحضر الاجتماع 18 عضواً، بينهم عضوان من المكتب السياسي، هما الشهيد جار الله عمر وسالم جبران، إلى جانب سعيد صالح سالم، وقائد محمد علي صلاح، ومحمد جرهوم، وسيف منصر محمد، ود. صالح محسن الحاج، ود. أحمد عبداللاه، وحسان حسين علي، ومحمد سالم بادينار، وسعيد الخيبة، وسعيد مثنى الكحيل، وأحمد عبدالله المجيدي. وذلك في منزلي الكائن في منشآت المياه، بستان الكمسري، حديقة الملاهي حالياً.
وليعذرني الإخوة الذين لم تحضرني أسماؤهم الآن.
في الاجتماع تقدمنا بمقترح إلى الإخوة أعضاء القيادة الموجودين في معاشيق: المقترح الأول أن يكون الأمين العام للحزب علي سالم البيض، وبررنا ذلك المقترح. وثانياً، أن يكون الأخ حيدر العطاس رئيساً، وثالثاً، أن يكون الأخ د. ياسين سعيد نعمان رئيساً للوزراء.
وقد رفض الأخ سعيد صالح مقترحنا بأن يكون نائباً للرئيس، كما اقترحنا المفاضلة بين الأخوين صالح عبيد أحمد وهيثم قاسم، بأن يكون أحدهما وزيراً للدفاع والآخر رئيساً لهيئة الأركان.
كما وضعنا مقترحاً بمعظم أسماء الوزراء، واستلم القائمة الإخوة جار الله عمر وسعيد صالح سالم وقائد علي صلاح، وذهبوا بها إلى معاشيق لمناقشتها مع الإخوة المتواجدين هناك. وفعلاً جرت مناقشات مطوّلة حول القائمة المقترحة، وتمت الموافقة عليها، باستثناء بعض التعديلات في بعض الحقائب؛ حيث رفض الأخ محمد سعيد محسن قبول أي منصب أمني، وحلّ محله صالح منصر السييلي وزيراً للداخلية، والأخ سعيد صالح لأمن الدولة.
هذا كان بعد أن صدر بيان النعي للشهيد عبدالفتاح إسماعيل، وبعد أن أقرت اللجنة المركزية تقرير اللجنة التي حققت في ملابسات استشهاد عبدالفتاح.
هذه الحقائق التي أوردتها، كما حدثت بالفعل، تؤكد عدم صحة حديث العطاس لـ«العربية»، واتهامه للأخ البيض والأخ سعيد صالح باغتيال عبدالفتاح إسماعيل.
وفي صباح 19 يناير، اتصل بي هاتفياً الأخ علي سالم البيض وقال: «بلغني أنكم اجتمعتم في بيتك. خير ما عملت يا أبا عمرو لوقف نزيف الدم. فقط، لو أنكم اقترحتم الأخ صالح أبوبكر بن حسينون وزيراً للدفاع، لما يمتلكه من تجربة طويلة في القيادة العسكرية، وشخص عاقل».
قلت له: «أتفق معك، ولكن لا تنسَ أهمية الأمانة العامة للحزب ورئاسة الدولة أهم، وأن الأخوة قد لا يقبلوا ذلك وتكون مشكلة».
فقال: «صحيح».
واختتم حديث الذكريات هذا أن البيض لم يكن مسؤولاً، لا من قريب ولا بعيد، عن اغتيال عبدالفتاح إسماعيل، ولا أدري من أين جاء العطاس بمثل هذا القول الخطير.
آمل في الأخير أن يتصدّى للكتابة التاريخية، وخاصة تلك التي لا تزال ذيولها وتداعياتها باقية إلى اليوم، مؤرخون أكاديميون محايدون، وأن يبدأوا بتوثيق الحقائق والوقائع وتدوينها والمحافظة عليها إلى فترة لاحقة ليس فيها أية تداعيات، ويكون فيها هذا التاريخ الموثّق مسروداً للباحثين والطلاب للمراجعة وأخذ التجارب والدروس والاستفادة من أخطاء الماضي.
رابط قناة الحزب الاشتراكي اليمني على الواتساب
https://whatsapp.com/channel/0029VaGiDrN3GJP6tpE7th3h
منشور برس موقع اخباري حر