ضع اعلانك هنا

النزوح واضطرابات ما بعد الصدمة.. تضامنوا مع النازحين المدنيين من المخا …

الكاتب / استاذ دكتور قاسم المحبشي..

وأنا أتابع الأخبار المؤلمة القادمة من اليمن اليوم، ولا سيما مشاهد أرتال النازحين المدنيين القادمين من الساحل الغربي إلى عدن، شعرت بغصة في القلب. ليست غصة المتفرج الذي يرى مأساة على شاشة، وإنما غصة الإنسان الذي يعرف، ولو قليلًا، المعنى الحقيقي لأن يُقتلع المرء من مكانه الأصلي، وأن يجد نفسه فجأة خارج الجغرافيا التي صنعت ذاكرته، وخارج البيت الذي كان يظنه آخر ما يمكن أن يفقده.

فكتبت منذ سنوات عن تجربة النازحين في جنوب اليمن، في دراسة بعنوان «تفعيل دور المجتمع المحلي للحفاظ على السلم الاجتماعي»، نشرتها صحيفة عدن الغد يوم الأربعاء 30 أكتوبر 2013م. ومنذ ذلك الوقت ظل النزوح يشغلني لا باعتباره مجرد نتيجة من نتائج الحرب، وإنما باعتباره ظاهرة اجتماعية ونفسية ووجودية مركبة، تكشف لنا الوجه الأكثر قسوة للحرب: إذ أن الحرب لا تقتل الإنسان فقط، بل قد تجعله حيًا بجسدٍ يحمل آثار موتٍ لم يقع كله بعد.

من الخطأ النظر الى النازح بوصفه إنسانًا غادر بيته، وكأن الأمر يتعلق بانتقال جغرافي من مكان إلى آخر. لكن النزوح أعمق بكثير من ذلك. إنه اقتلاع الإنسان من شبكة كاملة من المعاني والعلاقات والذكريات. فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا، والقرية ليست مجموعة من البيوت، والمدينة ليست شوارع ومباني. المكان الذي نعيش فيه يتحول بمرور الزمن إلى جزء من ذواتنا. هناك ولدت ذاكرتنا الأولى، وهناك تعلمنا أسماء الأشياء، وهناك عرفنا وجوه الجيران، وركضنا في الطرقات، ودفنا موتانا، وتركنا على جدرانه آثار أعمارنا فنحن لا نسكن المدن والقرى فحسب؛ بل هي التي تسكننا أيضًا.

لا ريب إن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تهدم البيوت وحدها، وإنما تهدم الإحساس بالانتماء. وحين يُجبر الإنسان على مغادرة مكانه تحت تهديد القصف أو الخوف أو الجوع، فإنه لا يحمل معه إلا ما يستطيع حمله بيديه، بينما يبقى الجزء الأكبر من حياته وراءه: البيت، الأرض، المقبرة، الشجرة، صور الراحلين، المدرسة، المسجد، السوق، رائحة الخبز، أصوات الجيران، وحتى التفاصيل الصغيرة التي لا ندرك قيمتها إلا عندما نفقدها.
فالنزوح أحد أبرز النتائج السوسيولوجية للحرب؛ لأنه لا يغيّر مكان الإنسان فقط، بل يعيد تشكيل حياته الاجتماعية بأكملها. تتشقق شبكات القرابة، وتتبدل الأدوار الاجتماعية، وتضيع مصادر الرزق، وتتوقف الدراسة، وتضطرب التربية، وتتغير علاقات الجوار، ويصبح المستقبل نفسه معلقًا بين ذاكرة لا تموت وواقع لا يستقر.
وقد يبدو النازح للآخرين شخصًا وصل إلى مكان آمن، لكنه قد يكون في داخله ما يزال يعيش لحظة الهروب الأولى.

وهنا بالضبط يقع الجرح النفسي الأكثر خطورة في النزوح: اضطرابات ما بعد الصدمة فالحرب قد تنتهي سياسيًا، وقد يتوقف إطلاق النار، وقد يوقّع المتحاربون اتفاقًا، لكنها لا تنتهي بالضرورة داخل الإنسان. قد يبقى صوت الانفجار في الذاكرة، ورائحة الدخان في المخيلة، وصورة القتيل أمام العين، ولحظة الهروب مختبئة في أعماق النفس، لتعود إلى الظهور عند سماع صوت مفاجئ أو رؤية مشهد يشبه المشهد القديم.

وهنا يمكن الحديث عن اضطراب ما بعد الصدمة: أن يستمر الماضي في احتلال الحاضر. وقد لا يكون المصاب بالاضطراب قادرًا على تفسير خوفه أو غضبه أو اضطراب نومه أو نوبات الفزع التي تعاوده، لأنه يعيش في حاضرٍ آمن نسبيًا بينما تتصرف ذاكرته كما لو أن الخطر ما يزال قائمًا ولذلك لا ينبغي أن ننظر إلى النازح باعتباره مجرد إنسان يحتاج إلى الطعام والشراب والمأوى. هذه ضروريات لا غنى عنها، لكنها ليست كل شيء. النازح يحتاج أيضًا إلى الأمان النفسي، وإلى الشعور بأنه إنسان له كرامة وحقوق، وإلى مجتمع يستقبله لا بوصفه عبئًا، وإنما بوصفه إنسانًا منكوبًا يحتاج إلى التضامن.

وتعد نظرية عالمة النفس الأمريكية إليزابيث كيوبلر-روس المعروفة بنموذج المراحل الخمس للحزن، التي عرضتها في كتابها الشهير عن الموت والاحتضار عام 1969. واحدة من اهم النماذج العلمية لتفسير اضطرابات ما بعد الصدمة فيما اسمته ب( مراحل الحزن الخمسة) خريطةً وجودية لأعماق النفس البشرية عندما يزلزلها الفقد والتغيير والنزوح . هذه المراحل ليست مساراً خطياً صارماً، بل هي موجات شعورية متداخلة تبدأ بـالإنكار؛ كدرعٍ مؤقت يحمي الروح من حقيقةٍ تفوق قدرتها على الاحتمال، حيث يعرف العقل الموت ويعجز القلب عن استيعابه.ثم ينفجر الغضب كاحتجاجٍ صارخ على انهيار نظام الحياة وخيانة العالم للتوقعات، يعقبه تدحرجٌ نحو المساومة في محاولة يائسة للتفاوض الرمزي مع واقعٍ لا يخضع للتفاوض. ومع تهاوي هذه الدفاعات، تغرق النفس في الاكتئاب والحزن العميق، مستسلمةً لسؤال الجدوى بعد الخسارة، حيث تنكفئ الذات على انكسارها زاهدةً في كل بهجة.أخيراً، يولد القبول من رحم المعاناة؛ وهو لا يعني نسيان الفاجعة أو الفرح البهيج، بل هو الاستسلام الشجاع للأمر الواقع، والاعتراف بأن الحياة قد تغيرت إلى الأبد، والبدء في تعلّم المشي مجدداً فوق أنقاض الماضي. إنها رحلة إنسانية شاقة، تحوّل الألم من طعنةٍ شالة للحياة إلى جرحٍ نلتئم حوله لنستمر.

في اليمن اليوم، لا تكمن مأساة النزوح في أن الإنسان فقد بيته فحسب، بل في أنه فقد معه شيئًا من العالم الذي كان يمنحه معنى الأمان والانتماء والهوية. حين يُقتلع الإنسان من مكانه تحت وطأة الحرب، لا يحمل معه إلا جسده وذاكرته وبعض ما استطاع إنقاذه، لكنه يترك خلفه بيتًا وأرضًا وذكريات وعلاقات وأحلامًا كانت تشكل في مجموعها معنى الوطن. ولهذا فإن النازح ليس رقمًا في تقرير إغاثي، ولا عبئًا على مدينة استقبلته، ولا حالة إنسانية عابرة؛ إنه إنسان جُرّد قسرًا من حقه الطبيعي في أن يعيش آمنًا في المكان الذي ينتمي إليه. ومن هنا فإن التضامن مع النازحين المدنيين ليس منّةً ولا صدقة، وإنما اعتراف بالإنسان وكرامته وحقه في الحياة. إن إيواء النازح وإطعامه وعلاج جراحه وتعليم أطفاله ومساندته نفسيًا واجتماعيًا واجب أخلاقي عاجل، لكن الواجب الأعمق هو إنهاء الأسباب التي جعلت من النزوح قدرًا لملايين اليمنيين. فلا يمكن معالجة جرح النزوح من دون معالجة جرح الدولة، ولا يمكن بناء السلام من دون بناء دولة تحمي مواطنيها بالقانون، وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات، وتمنع أن يصبح السلاح أقوى من المواطنة، والقوة أقوى من الحق. إن اليمن لا يحتاج بعد هذه السنوات الطويلة إلى إعادة بناء الحجر وحده، بل إلى إعادة بناء الإنسان: ذاكرته وثقته وكرامته وعلاقته بوطنه ومستقبله. فالمدينة يمكن أن تُعمر، والبيت يمكن أن يُبنى، والجسر يمكن أن يُصلح، أما الإنسان الذي كُسر خوفه في داخله فلا يُرمم إلا بالأمان والعدالة والاعتراف والمصالحة. ولذلك فإن السلام الحقيقي ليس مجرد توقف المدافع، وإنما أن يستعيد اليمني حقه في أن يعيش دون خوف، وأن يعود إلى بيته أو يجد وطنًا يحميه أينما كان. إن أخطر ما تفعله الحرب أنها تقتلع الإنسان من وطنه، ثم تحاول أن تقتلع الوطن من داخله. ولهذا يبقى النازح هو نحن؛ نحن حين يفقد الإنسان المكان الذي كان يظنه وطنًا آمنًا..

ضع اعلانك هنا