ضع اعلانك هنا

جذبتني النباتات أكثر من الموميات تجربتي في متحف التاريخ الطبيعي…

الكاتب : استاذ دكتور قاسم المحبشي..

لم أكن أتوقع، وأنا أخطو خطواتي الأولى في متحف التاريخ الطبيعي، أن تقودني هذه التجربة البسيطة إلى اكتشاف معنى عميق من معاني الحياة. كنت أظن أنني ذاهب إلى مكان يحفظ ذاكرة الكائنات التي غابت عن عالمنا، فإذا بي أكتشف أن أكثر ما شدني فيه لم يكن ما بقي من الموت، وإنما ما كان يواصل نموه في صمت الحياة.

بعد جولتي في المتحف الأثري وانا أتامل الساقية الخشبية الجميلة في الحديقة تذكرت قول محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة وتسألت: ماذا يحدث للإنسان حين يوضع أمام خيار بين تأمل آثار الموت ورعاية مظاهر الحياة؟

كانت السيدة الرائعة جولين شراس، مديرة التطوير والتنمية، قد خيّرتني بين العمل داخل المتحف الأساسي، حيث المقتنيات الأثرية والهياكل العظيمة وموميات الكائنات المختلفة من طيور وفراشات وأسماك وزواحف وغيرها، وبين العمل في الحديقة الممتدة إلى جواره، بما فيها من مساحات خضراء وقنوات مائية ونباتات وشتلات تحتاج إلى من يرعاها ويسقيها.

في البداية، انجذبت إلى المتحف.

كان في داخله شيء من رهبة التاريخ وسحر الاكتشاف. دخلت بين أجنحته أتأمل الهياكل العظيمة، ووقفت طويلاً أمام هيكل الماموث الضخم عند المدخل، ثم صعدت إلى الطوابق العليا، متتبعاً آثار كائنات عاشت في أزمنة بعيدة، وانقضت حياتها، وبقيت هياكلها ومومياتها شاهدة على وجودها القديم.

في اليوم الأول كنت مبهوراً.

كانت الدهشة تملأ عينيّ وأنا أتنقل من قاعة إلى أخرى، وأتأمل تلك الأجساد التي غادرتها الحياة وبقيت أشكالها محفوظة بعناية. شعرت أنني أسافر في الزمن دون أن أتحرك من مكاني، وأن المتحف يشبه كتاباً ضخماً مفتوحاً على صفحات التاريخ الطبيعي.

لكن شيئاً ما بدأ يتغير.

في اليوم الثاني خفّت الدهشة قليلاً.

وفي اليوم الثالث لم أعد أشعر بالحماسة نفسها.

وفي اليوم الرابع بدأ الملل يتسلل إليّ.

أما في اليوم الخامس، فقد قادتني خطواتي، دون تخطيط مسبق، نحو الحديقة.

هناك حدث شيء لم أكن أتوقعه.

وجدت نفسي فجأة في مكان آخر تماماً؛ مكان لا يعرض الحياة خلف زجاج، ولا يحفظها داخل صناديق، ولا يكتفي بتوثيق ما كان موجوداً ذات يوم. هنا كانت الحياة تحدث أمام عينيّ، في اللحظة نفسها. تراب، وماء، وشتلات صغيرة، وأوراق خضراء، وضوء، وهواء، وجذور تبحث عن طريقها في الأرض.

جلست أعمل في الحديقة، أمهد التربة، وأغرس الشتلات، ثم أسقيها كل ثلاثاء وخميس. ومع كل شتلة كنت أغرسها بيدي، كنت أشعر أنني لا أزرع نباتاً فحسب، بل أشارك في صناعة حياة صغيرة.

وهنا اكتشفت الفرق.

هناك كنت أتأمل آثار الموت، وهنا كنت أشارك في صناعة الحياة.

لم يكن الأمر مجرد اختلاف بين قاعات المتحف والحديقة، وإنما كان اختلافاً في علاقة الإنسان بالوجود نفسه. في الداخل، كنت أقف أمام ما انتهى؛ أما في الخارج، فكنت أتعامل مع ما لم يبدأ اكتماله بعد.

المومياء تقول لك: هذا ما كان.

أما الشتلة فتقول لك: هذا ما يمكن أن يكون.

ولعل هذا هو سر انجذابي إلى النباتات أكثر من الموميات.

فالزراعة درس في الصبر، لكنها في الوقت نفسه درس في الأمل. أنت تغرس اليوم ولا تنتظر الثمرة غداً. تسقي، وتراقب، وتحمي، وتنتظر. وقد تمر أيام لا ترى فيها فرقاً كبيراً، لكن الجذر في الأسفل يعمل بصمت، والحياة تنمو بعيداً عن العين قبل أن تظهر أمامها.

وهكذا تعلمني النبتة الصغيرة شيئاً من فلسفة الحياة: ليس كل نمو مرئياً، وليس كل تغيير سريعاً، وليس كل ما لا نراه موجوداً.

كنت كلما سقيت الشتلات أشعر أنني أتعلم الصبر من الماء والتراب معاً. فالماء لا يصرخ وهو يمنح الحياة، والتراب لا يتباهى بما ينبت فيه، والنبتة نفسها لا تستعجل الوصول إلى اكتمالها.

إنها تنمو ورقة بعد ورقة، وجذراً بعد جذر.

وكذلك الإنسان.

نحن أيضاً لا نصبح ما نريد في يوم واحد. نحتاج إلى الرعاية، والوقت، والصبر، وإلى من يمنحنا شيئاً من الماء حين تجف أرواحنا، وشيئاً من الضوء حين يشتد علينا الظلام.

ولعل أجمل ما تمنحنا إياه الزراعة أنها تعيدنا إلى الأشياء الصغيرة التي اعتدنا أن نمر بجانبها دون أن نراها. ورقة خضراء جديدة، قطرة ماء، جذر صغير، زهرة تتفتح، شتلة تقاوم الريح… كل ذلك يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في داخله فلسفة كاملة عن الوجود.

كانت كل ورقة جديدة تظهر أمام عينيّ تذكرني بأن الجمال والنمو يحتاجان إلى وقت ورعاية.

وكانت رعايتي للنبتة تعلمني، دون أن أشعر، أن أرعى نفسي أيضاً، وأن أرعى الآخرين بالصبر واللطف والاهتمام.

لكن شيئاً آخر كان يحدث في داخلي وأنا أسقي تلك الشتلات.

كانت الذاكرة تستيقظ.

كنت أعود، دون إرادة مني، إلى طفولتي الأولى، إلى الزمن الذي كان أبي، رحمه الله، يعلمني فيه غرس شتلات البن ورعايتها.

وهنا فهمت لماذا كان شعوري تجاه النباتات مختلفاً.

لم تكن الحديقة مجرد حديقة بالنسبة إليّ؛ كانت طريقاً سرياً إلى طفولتي.

كل شتلة كنت أسقيها كانت تستدعي شتلة أخرى من زمن بعيد، وكل قطرة ماء كانت تفتح نافذة في الذاكرة، وكل ورقة خضراء كانت تحمل شيئاً من رائحة الأرض الأولى التي عرفتها.

وتتربع شجرة البن في ذاكرتي على عرش أشجار الأرض.

ليست لأنها تمنحنا الثمر فقط، وإنما لأنها، في تجربتنا الشعبية والريفية، كانت شجرة حنان وعطاء. أوراقها الخضراء المصقولة تحنو على حباتها كما تحنو الأم على أطفالها، وحين تنضج الحبات تتغير ألوانها، وكأن الشجرة تحتفل باكتمال ما رعته طويلاً.

وحين تزهر، ترتدي ثوباً أبيض ناصعاً، وتفوح منها رائحة عطرة تشبه الياسمين.

إنها شجرة لا تمنح الإنسان حبات البن وحدها، بل تمنحه معنى.

من صبر الأرض وعرق الفلاح تصنع شيئاً يصل في النهاية إلى فنجان القهوة؛ ذلك الفنجان الصغير الذي يجمع الأحبة، ويواسي المتعبين، ويفتح أبواب الحديث والذاكرة.

وربما لهذا السبب كانت شجرة البن في طفولتي أكثر من مجرد شجرة.

كانت جزءاً من البيت، ومن الأسرة، ومن الحكاية.

كان أبي يعلمني أن الشتلة لا تكفيها أن تُغرس في الأرض؛ عليها أن تجد تربتها المناسبة، وأن تُروى دون إسراف، وأن تُحمى من قسوة الشمس والرياح، وأن تُرعى حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها.

كنت يومها أتعلم الزراعة، ولم أكن أعرف أنني أتعلم معها درساً في الحياة.

فالإنسان، مثل الشجرة، يحتاج إلى تربة ينتمي إليها، وإلى ماء يحييه، وإلى رعاية تحميه، وإلى مساحة يستطيع فيها أن ينمو دون أن يخاف.

وحين كبرت، بدأت أفهم أن التاريخ نفسه يشبه الزراعة أحياناً.

نحن نغرس أفعالنا في تربة الزمن، ثم ننتظر نتائجها. لكن التاريخ لا يمنحنا دائماً ما نريد، ولا يستجيب لرغباتنا كما تستجيب الأرض للفلاح. وقد كان أسلافنا، في الأزمنة القديمة، أكثر التصاقاً بالطبيعة وإيقاعاتها من الإنسان المعاصر الذي ابتعد عنها كثيراً.

لقد فقدنا شيئاً من الطبيعة الحانية، ولم ننجح في ترويض التاريخ؛ فالتاريخ لا قلب له ولا عيون، ولا يعرف الرحمة إلا من خلال ما يفعله البشر داخله.

واليوم، وأنا أقف في حديقة متحف التاريخ الطبيعي في هولندا، وأسقي شتلات صغيرة لا أعرف أيّها سيكبر وأيّها قد لا يكمل طريقه، أدرك أن المسافة بين طفولتي وهذه اللحظة ليست كبيرة كما كنت أظن. لقد تغيّر المكان، وتغيّرت اللغة، وتغيّرت القارة، لكن شيئاً عميقاً ظل كما هو: الإنسان يبحث عن الحياة في النبات، وعن المعنى في الرعاية، وعن الأمل في شيء صغير ينمو أمام عينيه.

كنت أظن أنني جئت إلى المتحف لأتعرف إلى الماضي، فإذا بالحديقة تعلمني أن الماضي لا يسكن الموميات والهياكل وحدها؛ إنه يسكن الذاكرة، ورائحة التراب، ويد أبي وهي تغرس شتلات البن، ويدي وأنا أسقي شتلة أخرى بعد عقود. هناك أدركت أن بعض الأشياء لا تغيب، حتى حين يغيب أصحابها.

لهذا جذبتني النباتات أكثر من الموميات. فالمومياء تحفظ صورة حياة انتهت، أما النبتة فتدعونا إلى المشاركة في حياة لم تكتمل بعد. هناك كنت أقف أمام الماضي، وهنا كنت أشارك في المستقبل.

ولعل أجمل ما تعلمته من الزراعة أن الإنسان لا يعرف أين ستنبت بذوره. قد ينسى المكان الذي زرع فيه الخير، ثم يأتي المطر يوماً ليخبره أين ترك أثره. لذلك علينا أن نبذر المحبة والمودة والسماحة والأمان والثقة حيثما مررنا، وأن نزرع جميلاً ولو في غير موضعه؛ فالبذرة الطيبة لا تضيع، وإن تأخر إنباتها.

ليس مهماً دائماً أن نرى الثمرة بأعيننا؛ يكفينا أن نعرف أننا زرعنا شيئاً قد يأتي يومٌ فيستظل به إنسان لا نعرفه.

وهكذا، وأنا أسقي الشتلات كل ثلاثاء وخميس، لم أكن أعتني بالنبات وحده؛ كنت أستعيد أبي، وطفولتي، وعلاقتي الأولى بالأرض، وأكتشف من جديد أن أجمل ما يستطيع الإنسان فعله في هذه الحياة القصيرة هو أن يترك وراءه بذرة طيبة.

فحين يغيب الإنسان، قد تبقى شجرته، وكلمته، وابتسامته، وأثر يده.
وإذا فقدت يوماً مكان البذور التي بذرتها، فربما يخبرك المطر أين زرعتها.

ضع اعلانك هنا