الكاتب: استاذ دكتور قاسم المحبشي..
وأنا أتأمل تاريخ الأفكار والصراعات البشرية، في ذلك القناع الذي يضعه الإنسان على وجه الحقيقة، ثم ينسى، بعد طول استعماله، أنه يرتدي قناعًا. والأسوأ من ذلك أن يدافع عن القناع كما لو كان وجهه الحقيقي، وأن يقاتل الآخرين لأنهم لا يرون العالم من خلال ثقوبه الضيقة.
ذلك القناع اسمه: الإيديولوجيا.
ولعل أكثر ما يختصر معناها تلك العبارة الساخرة والعميقة في آن واحد: الإيديولوجيا هي أن يفكر الناس من أقدامهم. لا من عقولهم المجردة، ولا من الأبراج العالية التي يتحدثون عنها، بل من الأرض التي يقفون عليها؛ من مواقعهم ومصالحهم، من خوفهم وطموحاتهم، من الجماعة التي ينتمون إليها، ومن شبكة القوة التي تمنحهم مكانًا أو تحرمهم منه.
لكن الإنسان نادرًا ما يعترف بأنه يفكر من مصالحه. بل يفضل دائمًا أن يمنح مصالحه اسمًا أجمل: الحقيقة، الدين، الوطن، الثورة، الحرية، الشعب، العدالة أو التاريخ. وهنا تبدأ وظيفة القناع. فالإيديولوجيا لا تكذب دائمًا بالمعنى البسيط للكذب، لكنها تستطيع أن تجعل الإنسان يرى جزءًا من الحقيقة ويعتقد أنه امتلك الحقيقة كلها.
منذ أن ظهر مفهوم الإيديولوجيا في العصر الحديث، وهو يغيّر أقنعته. فقد أراد دي تراسي أن يجعل منها «علم الأفكار»، مشروعًا تنويريًا لتحرير العقل من الخرافة والأوهام. لكن نابليون، الذي لم يكن مولعًا كثيرًا بالمفكرين حين يعترضون طريق السلطة، حوّل كلمة «الإيديولوجيين» إلى تهمة، وكأن التفكير في الأفكار نوع من الانفصال عن الواقع.
ثم جاء ماركس ليكشف قناعًا آخر. فالإيديولوجيا عنده ليست مجرد خطأ فكري بريء، بل قد تكون وعيًا زائفًا يجعل الناس يرون العالم مقلوبًا، ويخفون وراء المبادئ المجردة مصالح مادية وعلاقات إنتاج وقوى اجتماعية حقيقية. الإنسان قد يتحدث عن الحرية، بينما يدافع في الواقع عن امتيازاته؛ وقد يرفع راية الأخلاق، بينما يخفي خلفها علاقة قوة.
ومع ألتوسير أصبحت المسألة أكثر تعقيدًا. فالإيديولوجيا ليست فكرة نضعها في رؤوسنا ثم نستطيع أن نخلعها متى شئنا، بل هي جزء من المؤسسات والطقوس واللغة والعادات التي تصنعنا كذوات. نحن ندخل إليها قبل أن ندركها، وننطق بلغتها أحيانًا قبل أن نسأل أنفسنا: من الذي وضع هذه الكلمات في أفواهنا؟
أما ريجيس دوبرية فقد أعاد الأفكار إلى أجسادها المادية، إلى المدارس والكتب ووسائل الإعلام والمؤسسات والتنظيمات. فالأفكار لا تطير في الهواء كالعصافير الحرة؛ إنها تحتاج إلى أعشاش تحميها، وإلى مؤسسات تنقلها، وإلى بشر يكررونها جيلاً بعد جيل.
وهكذا تصبح الإيديولوجيا قناعًا لا لأنه يخفي الحقيقة فقط، بل لأنه يقدّم نفسه باعتباره الحقيقة ذاتها.
حين يقول إنسان: «أنا لا أملك إيديولوجيا»، أحيانًا تكون تلك أول إشارة إلى أن الإيديولوجيا قد نجحت في الاختفاء. فالإيديولوجيا الأكثر قوة ليست تلك التي تصرخ بشعاراتها في الشوارع، بل تلك التي تصبح مألوفة إلى درجة أننا نتوقف عن رؤيتها. إنها تجعل التاريخ يبدو طبيعيًا، والمصلحة تبدو مبدأً، والنسبي يبدو مطلقًا، والاختيار البشري يبدو قدرًا لا فكاك منه.
وفي السياسة يظهر القناع بأوضح صوره.
السياسة ليست دائمًا كما نتمنى أن تكون. ليست قصيدة أخلاقية ولا درسًا في الفضيلة. إنها، في أحد وجوهها، عالم المصالح والقوة والتفاوض والصراع. وفي هذا العالم تُستعمل الشطارة والمكر والخداع والترغيب والترهيب، وتتشابك التحالفات وتتغير المواقع. وكما يقول المثل: «ما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا».
لكن المشكلة تبدأ حين نخلط بين السياسة والسياسي. فالسياسة، في معناها المدني، هي فن إدارة حياتنا المشتركة، وهي المجال الذي ينبغي أن يتعلم فيه المواطنون الحوار والمشاركة والمساءلة. أما السياسي فهو ذلك البعد الأعمق المتصل بالقوة والصراع والتنافس على النفوذ والموارد والسلطة.
وقد يحدث أن تخفي السياسة عنّا السياسي، كما يخفي القطار السكة التي يجري عليها. نرى القطارات تتجه يمينًا ويسارًا، تتصارع وتتنافس، لكننا ننسى القضبان التي تحدد مسار حركتها.
والإيديولوجيا هي، في كثير من الأحيان، ذلك القناع الذي يغطي السكة.
إنها تجعل الصراع على السلطة يبدو معركة مقدسة، وتجعل المصلحة الخاصة تبدو رسالة عامة، وتجعل الهيمنة خلاصًا. وحين تنقسم الجماعات إلى «نحن» و«هم»، يبدأ القناع في أداء وظيفته بأقصى طاقته. نحن نمثل الخير، وهم يمثلون الشر؛ نحن نملك الحقيقة، وهم أسرى الضلال؛ نحن الضحايا الأبديون، وهم المتآمرون الدائمون.
وفي تلك اللحظة تتوقف السياسة عن كونها فنًا لإدارة الاختلاف، وتتحول إلى صناعة للعدو.
وهنا تكمن خطورة عبادة الخرافات. فالخرافة لا تكتفي بأن تطلب منك الإيمان بها؛ إنها تخاف من السؤال. وكل فكرة تخاف من السؤال تبدأ، عاجلاً أو آجلاً، في البحث عن سلطة تحميها. وحين تعجز الحجة عن الإقناع، يتقدم العنف ليقوم بمهمة العقل.
لذلك فإن عبادة الخرافات لا تكتفي بتلقين الإيمان، بل قد تعمد إلى العنف والإرغام لإخضاع المخالفين. ليس لأن المخالف أخطأ بالضرورة، بل لأن وجوده نفسه يمثل خطرًا على القناع. فالسؤال الصغير قد يصنع ثقبًا في القناع، ومن ثقب صغير يمكن أن يدخل الضوء.
السياسة، مثل السباحة، لا يمكن تعلمها على اليابسة. تستطيع أن تقرأ عشرات الكتب عن حركة اليدين والتنفس ومقاومة الماء، لكنك لن تصبح سباحًا قبل أن تنزل إلى الماء. وكذلك لا يتعلم شعب السياسة من الخطب والشعارات وحدها، بل من الممارسة؛ من الانتخابات، والنقابات، والمنتديات، والصحافة الحرة، والاختلاف السلمي، والقدرة على الخطأ وتصحيحه.
وحين يُحرم الناس من هذا الميدان العام، ويُحتكر القرار في أيدي نخبة أو جماعة أو قائد، تصبح الشعارات بديلًا عن الخبرة. ويصبح اليقين بديلًا عن الحوار، والغضب بديلًا عن التفكير، والإيديولوجيا بديلًا عن الواقع.
في المجتمعات التي أُغلقت فيها الساحات العامة، وحُوّلت السياسة إلى شأن خاص يُدار خلف الأبواب أو بقوة الحديد والنار، لم تتح للناس فرصة تعلم قواعد الحياة المشتركة. وحين يأتي وقت الانفجار، يكتشف الجميع أن الغضب لا يكفي لبناء دولة، وأن إسقاط خصم لا يعني بالضرورة معرفة كيف تُدار المدرسة والمستشفى والجامعة والقانون.
لقد حُرم المواطن من تعلم السباحة، ثم طُلب منه فجأة أن يعبر المحيط.
لهذا لا أرى الإيديولوجيا مجرد مجموعة أفكار سيئة ينبغي التخلص منها، فليس هناك إنسان يقف خارج التاريخ والمجتمع واللغة والمصالح تمامًا. كل واحد منا يقف على أرض ما، وينتمي إلى زمن ما، ويرى العالم من نافذة محددة.
لكن الفرق كبير بين من يعرف أن نافذته ليست العالم كله، ومن يعتقد أن ما يراه منها هو الكون بأكمله.
الوعي بالإيديولوجيا لا يعني أن نخلع كل أقنعتنا ونصبح كائنات بلا انتماء أو موقف؛ فهذا وهم آخر. لكنه يعني أن نمتلك الشجاعة للنظر في المرآة، وأن نسأل أنفسنا من حين إلى آخر: هل نحن ندافع عن الحقيقة أم عن موقعنا؟ هل نختلف مع الآخرين لأنهم مخطئون حقًا، أم لأن اختلافهم يهدد الصورة التي رسمناها لأنفسنا؟ هل نحن نفكر بعقولنا، أم أن أقدامنا اختارت لنا الطريق قبل أن يبدأ العقل في الكلام؟
ربما كانت بداية التحرر ليست في أن نزعم امتلاك الحقيقة، بل في أن نعترف بأننا جميعًا نرتدي أقنعة بدرجات مختلفة.
وحين ندرك ذلك، يصبح ممكنًا أن ننزع القناع قليلًا، لا لنجد وجهًا بريئًا من كل تاريخ ومصلحة، بل لنرى السكة التي تجري تحت أقدامنا.
عندها فقط يمكن أن تتحول السياسة من حلبة للغلبة العمياء إلى حياة مشتركة، ومن صراع على احتكار الحقيقة إلى حوار بين بشر يعرفون أن الحقيقة أكبر من أقنعتهم، وأن الإنسان، مهما ارتفع صوته باسم السماء أو الوطن أو التاريخ، يبقى في النهاية واقفًا بقدميه على الأرض.
ومن لا يعرف الأرض التي يقف عليها، قد يقضي عمره كله وهو يظن أنه يفكر بعقله، بينما كانت قدماه تفكران نيابة عنه.
منشور برس موقع اخباري حر