الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي …
ثمة لحظة بدئية، سابقة على كل الفلسفات، يقف فيها كائن أمام صفحة ماء. يذكر المسعودي أن بعض الحيوان إذا ورد الماء صافياً اضطرب وضربه حتى يكدّره، ثم شرب منه مطمئناً، كأن صفاء الصورة يوقظ فيه قلقاً لا يحتمله. ربما لأن الصورة المنعكسة تقول شيئاً لا يريد أن يسمعه. فهل نكدّر نحن أيضاً ماءنا كي نستطيع أن نشرب؟ هل نفضّل مرآة مشوشة على مرآة صافية، حتى لا نصطدم بوجه لا يتطابق مع فكرتنا عن أنفسنا؟
بين الماء والمرآة مسافة خطيرة. الماء يمكن أن يتكدّر ويظل ماءً؛ يروي العطش حتى لو أخفى الصورة. أما المرآة فلا تتكسّر من أجلنا. إنها تعكس ولا تفاوض. وبعض الهويات تشبه المرآة: صلبة، عاكسة، لا تجامل أوهامنا. من يؤسس هويته على صورة مثالية عن نفسه، إنما يدخل في امتحان دائم مع انعكاس لا يرحم.هنا نستدعي نرسيس، لا بوصفه أسطورة قديمة فحسب، بل بوصفه بنية دائمة فينا. لم يمت لأنه أحب نفسه، بل لأنه أراد أن يمتلك صورته، أن يحوّل الانعكاس إلى جسد. حين انحنى ليشرب، رأى نفسه لأول مرة، فوقع في حب صورة لا يمكن القبض عليها. أراد أن يقبّل وجهه في الماء فغرق فيه. الهوية حين تتحول إلى موضوع امتلاك، تصبح فخاً. وما بقي منه زهرة النرجس، عطرٌ هو أثر نظرة، وهوية تحولت إلى ذكرى غير أن المرآة ليست حدثاً أسطورياً فقط، بل مرحلة تأسيسية في تكوّن كل “أنا”. هنا يأتي جاك لاكان بما سماه “المرحلة المرآوية”، تلك اللحظة التي يمر بها الطفل بين ستة وثمانية عشر شهراً حين يتعرف على صورته في المرآة ويقول – دون لغة – “هذا أنا”. لكنها ليست لحظة وعي بسيط، بل لحظة خادعة ومؤسِّسة في آن. الطفل يرى صورة متماسكة كاملة، بينما تجربته الجسدية ما تزال مجزأة، لا يتحكم في أطرافه، ولا يملك انسجاماً حركياً كاملاً. إنه يتماهى مع صورة مثالية خارجية، فينشأ “أنا” متخيّل، “أنا” يتأسس على انعكاس بهذا المعنى، الهوية منذ بدايتها علاقة بمرآة. نحن لا نولد بوعي متماسك بذواتنا، بل نتعلم أن نكون “أنا” عبر صورة، عبر آخر، عبر انعكاس. ولذلك فإن سؤال الهوية متداخل منذ البداية مع سؤال الذاكرة. حين أقول “أنا”، ماذا أعني؟ أعني اسمي الذي يحمل جسدي هنا والآن، لكن هذا الاسم تشكّل في الماضي، منذ الطفولة، منذ تلك اللحظة المرآوية الأولى. “أنا” ليست مجرد ضمير حاضر، بل تراكم زماني، سردية طويلة من الصور والتجارب والتذكر والنسيان.
سؤال الذاكرة إذن ليس سؤالاً نفسياً فحسب، بل سؤال وجودي. الذاكرة تتشابك مع العقل واللغة والهوية والزمان والمكان والتاريخ والسرد والخيال والنسيان والندم والصفح والتوقع والحنين. إنها ليست مخزناً محايداً للوقائع، بل آلية تشكيل للذات. نحن لا نتذكر فقط ما حدث، بل نصوغ أنفسنا عبر ما نتذكره وننساه. كل ذاكرة هي اختيار، وكل نسيان أيضاً اختيار أو عجز أو حماية.
في الأزمنة القديمة، حين كانت تقنيات الذاكرة محدودة بلغة الجسد والطقس والأسطورة، لجأ الإنسان إلى مقاومة الفناء عبر الجسد نفسه. تحنيط الموتى في مصر القديمة لم يكن مجرد طقس ديني، بل تقنية للذاكرة. المومياء ليست جسداً ميتاً فحسب، بل مستودع هوية، ملفوفاً بذاكرة طقسية، محاولة لربط الحياة بالموت، والزمن بالأبدية. الأهرامات ليست مجرد مقابر، بل ذاكرة من حجر، إعلان هندسي ضخم يقول: “نحن هنا، كنا هنا، وسنبقى”. إنها تحدٍّ للنسيان، مشروع لتمديد الـ “أنا” إلى ما بعد الفناء وهكذا يمكن أن نفهم أن تحويل الجسد إلى مومياء كان من أقدم تقنيات حفظ الهوية، مثلما كانت الكتابة اختراعاً آخر للذاكرة، وكأن الإنسان منذ البداية يخشى أن تتبدد صورته، أن يختفي اسمه من صفحة الزمن. الذاكرة إذن هي مرآة مؤجلة، انعكاس نحاول تثبيته في وجه العدم.
لكننا اليوم نعيش في زمن مرآة أخرى: المرآة الرقمية. لم تعد المرآة قطعة زجاج معلّقة على جدار، بل شاشة لا تنطفئ. نرى أنفسنا عبر صور الآخرين، ونقارن حياتنا بما يعرضه الفضاء الافتراضي. لا يكفّ الناس عن مقارنة أوضاعهم بما يشاهدونه من أنماط عيش وسعادة ونجاح. كل صورة هناك انعكاس مضاعف، وكل حساب رقمي مرآة مفلترة. نحن نعيش في حوض ماء عالمي صافٍ إلى حد القسوة، يعكس ملايين الصور في اللحظة نفسها.
وهنا يتجدد قلق نرسيس، ويتعمّق سؤال لاكان. إذا كان “الأنا” قد تأسس أصلاً على صورة خارجية، فماذا يحدث حين تتكاثر الصور بلا حد؟ حين تصبح ذاكرتنا موزعة بين خوادم رقمية، وحين تصير حياتنا أرشيفاً مستمراً من اللقطات والمنشورات؟ هل نحن نمتلك ذاكرتنا أم أن ذاكرتنا تمتلكنا؟ وهل يبقى لـ “أنا” معناها إذا عجز الكائن عن قولها، أو إذا صارت “أنا” مجرد ملف بيانات؟
ثمّة خطر مزدوج: أن نغرق في حب صورتنا كما فعل نرسيس، أو أن نكره أنفسنا لأن المرآة تكشف مسافة لا تحتمل بين ما نحن عليه وما نظنه عن أنفسنا. هنا يعود الحطيئة، الذي حين لم يجد من يهجوه هجا نفسه. هجاء النفس ليس مجرد شتيمة، بل اعتراف بأن الهوية تحمل في داخلها “لا-هوية”، احتمالات الآخر، نقصاً بنيوياً. من لا يجرؤ على مساءلة صورته، لن يعرفها. ومن لا يحتمل إساءة ذاته العميقة إلى ذاته السطحية، سيظل أسير مرآة مصقولة على مقاس الوهم.
لماذا نكره أنفسنا إذن؟ ربما لأننا نريد هوية بلا شقوق، بلا زمن، بلا آخر يسكنها. لكن الوجه يحمل خرائط العمر، والذاكرة تحمل آثار ما عشناه وما أخطأنا فيه. القبح ليس إهانة، بل قراءة لتاريخ منقوش على الملامح. ليس الزمن من يسيء إلينا، بل نحن من نسيء إلى ذاكرتنا حين نطلب منها أن تكون نقية بلا أثر.
ذلك الحيوان الذي يكدّر الماء كي يشرب، يسألنا من بعيد: هل الصفاء شرط للرؤية أم للغرق؟ ومتى نتعلم أن نشرب من ماء يعكسنا دون أن نحاول امتلاك صورتنا؟ ربما تكون الحكمة لا في كسر المرآة ولا في تحطيم الصورة، بل في قبول أن “الأنا” منذ بدايتها انعكاس، وأن الهوية ليست جوهراً صلباً، بل حواراً مستمراً بين الذاكرة والمرآة، بين ما نتذكره عنا وما يراه الآخر فينا، بين ما كنا وما نرجو أن نكون، في تلك المسافة الدقيقة بين الصورة والجسد، بين الاسم والزمن، بين الذاكرة والنسيان، تتشكل إنسانيتنا. لا كتمثال حجري يتحدى الزمن، ولا كصورة رقمية تبحث عن إعجاب، بل ككائن يعترف بأن هويته ليست ما يملكه، بل ما يسعى إلى فهمه، مرة بعد مرة، في مرآة لا تنكسر، وماء لا يكفّ عن العكس…
منشور برس موقع اخباري حر