الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي ..
لا أدري من أين يستمد بعض البشر قدرتهم على الفرح بالحرب، ولا كيف تتحول المأساة الإنسانية في وعي البعض إلى نشوة أو انتصار رمزي. ربما لأن الحرب بالنسبة لكثيرين مجرد خبر عاجل في شاشة، أو خريطة تتحرك عليها الأسهم والسهام، أو خطاب سياسي مليء بالشعارات. أما بالنسبة لأولئك الذين يعرفون الحرب حقاً، الذين عاشوا أتونها أو رأوا آثارها في المدن المدمرة والبيوت الخاوية والوجوه المنكسرة، فإن الحرب ليست حدثاً سياسياً عابراً بل مأساة إنسانية عميقة لا يمكن الاحتفاء بها ولا حتى التعايش معها ببرود.
الحرب في حقيقتها ليست مجرد صراع بين جيوش أو تنافس بين دول، بل هي لحظة انهيار أخلاقي للحضارة حين تفشل السياسة ويفشل العقل وتفشل الحكمة. ففي اللحظة التي تبدأ فيها المدافع بالكلام، تكون الإنسانية قد اعترفت ضمنياً بعجزها عن حل خلافاتها بوسائل العقل والحوار. ولهذا كان الفلاسفة عبر التاريخ ينظرون إلى الحرب بوصفها علامة على أزمة عميقة في الوعي الإنساني، لا مجرد حادثة عسكرية أو استراتيجية.
واليوم يقف الشرق الأوسط مرة أخرى على حافة مشهد مأساوي يتكرر في التاريخ الحديث للمنطقة؛ مشهد التصعيد العسكري بين قوى كبرى وإقليمية، حيث تتداخل المصالح الجيوسياسية مع الحسابات الأيديولوجية ومع ذاكرة طويلة من الصراعات. في مثل هذه اللحظات تتراجع لغة العقل لصالح لغة القوة، وتصبح المنطقة بأسرها ساحة مفتوحة لتجارب السلاح واستعراض الهيمنة. غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب التي تبدأ غالباً بشعارات الأمن أو الردع أو حماية المصالح تنتهي عادة بمآسٍ إنسانية لا يمكن تبريرها بأي خطاب سياسي.
إن أخطر ما في الحروب المعاصرة ليس فقط حجم الدمار الذي تخلّفه، بل قدرتها على تحويل الإنسان إلى رقم. آلاف القتلى يمكن أن يتحولوا في نشرات الأخبار إلى إحصائية باردة، وملايين النازحين يمكن أن يصبحوا مجرد ملف إنساني في تقارير المنظمات الدولية. وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى في عصرنا: كلما تقدمت الحضارة علمياً وتقنياً، أصبحت وسائل القتل أكثر دقة وأكثر قدرة على التدمير الشامل.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن الذين يدفعون الثمن الحقيقي للحروب ليسوا أولئك الذين يعلنونها أو يخططون لها، بل المدنيون العاديون الذين يجدون أنفسهم فجأة داخل جغرافيا النار. الأطفال الذين يولدون تحت القصف، العائلات التي تهرب من بيوتها، المدن التي تتحول إلى أنقاض، والذاكرة الجماعية التي تمتلئ بالخوف والكراهية. وهكذا تتحول الحرب من صراع سياسي إلى جرح عميق في الروح الإنسانية.
لقد اعتاد الشرق الأوسط منذ عقود أن يكون مسرحاً للصراعات الدولية والإقليمية، وكأن الجغرافيا هنا قد كُتب عليها أن تكون ساحة اختبار لمعادلات القوة العالمية. غير أن استمرار هذه الحلقة من العنف لا يعني أنها قدر محتوم. فالتاريخ أيضاً يعلمنا أن السلام ليس مستحيلاً، بل هو نتيجة لإرادة سياسية وأخلاقية تدرك أن الأمن الحقيقي لا يصنعه السلاح وحده بل يصنعه العدل والتفاهم والتعاون بين الشعوب.
إن الوقوف ضد الحرب لا يعني بالضرورة تجاهل تعقيدات السياسة أو إنكار وجود الصراعات، لكنه يعني قبل كل شيء الدفاع عن قيمة الإنسان في مواجهة منطق القوة العارية. فالحضارة الإنسانية لم تتقدم عبر الحروب بقدر ما تقدمت عبر القدرة على تجاوزها. وكل إنجاز كبير في تاريخ البشرية كان في جوهره انتصاراً للعقل على العنف، وللحوار على الصدام، وللقيم الإنسانية على نزعات الهيمنة.
لهذا فإن السؤال الأخلاقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس من سينتصر في هذه الحرب أو تلك، بل ما الذي ستخسره الإنسانية إذا استمرت الحروب بوصفها الوسيلة المفضلة لحل النزاعات. فحتى المنتصر في الحرب يخرج منها مثقلاً بالخسائر، بينما يبقى السلام وحده هو النصر الحقيقي الذي يمكن أن يتقاسمه الجميع.
إن العالم اليوم بحاجة إلى استعادة الحكمة القديمة التي أدركها فلاسفة كثر عبر العصور: أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو شرط أساسي لازدهار الإنسان وكرامته. وإذا كانت الحروب تترك وراءها الخراب والمرارة، فإن السلام وحده يترك وراءه المستقبل…
منشور برس موقع اخباري حر