الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي ..
هذا العام يكتسب العيد دلالة رمزية استثنائية، إذ يتقاطع في يومٍ واحد تقريبًا ثلاثة أعياد كبرى تحمل في جوهرها معنى الولادة والتجدد: عيد الفطر بما يمثله من انبثاق الفرح بعد الصوم، وعيد النيروز بوصفه عيد الطبيعة وانبعاثها، وعيد الأم باعتباره احتفاءً بأصل الحياة ومصدر الحنان الأول. وليس من قبيل المصادفة أن يتزامن هذا كله مع افتتاح مهرجان تفتح الزهور في أمستردام، المدينة التي تتزين سنويًا بربيعها الباذخ، حيث تتحول الحقول إلى لوحات نابضة بالألوان، في مشهدٍ يختصر العلاقة العميقة بين الإنسان والأرض. إن هذا التلاقي بين الأعياد، الدينية منها والإنسانية والطبيعية، يكشف عن وحدة المعنى خلف تنوع الرموز: فالحياة، في جوهرها، فعلُ تجددٍ دائم، والطبيعة الخصيبة ليست مجرد خلفية لوجود الإنسان، بل هي شرطه الأول ومصدر استمراره. وهكذا، تتوحد الثقافات في لحظةٍ كونية نادرة، لتعلن أن الإنسان، مهما اختلفت معتقداته وأعياده، يظل ابن الربيع، وابن الأم، وابن الأمل الذي يتجدد مع كل دورة زمن.
في مساءٍ ربيعيّ من أمسيات لاهاي، حيث يتجاور البحر مع القصيدة، ويهدأ صخب السياسة في حضرة الثقافة، كنت مدعوا لتلاوة قصيدة في مهرجان النيروز الشعري الذي نظمته مؤسسة بلاد ما بين النهرين، بالتعاون الوثيق مع مؤسسة أوراسيا، في مركز كولتورهافن فان ويست الثقافي بمدينة دنهاخ البحرية التي أحبها؛ مدينةٌ تليق بالقصيدة كما يليق بها البحر؛ قصيدة أهديتها إلى زميلي وصديقي العزيز الدكتور سربست نبي، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة كردستان العراقية؛ إذ يكتسب الاحتفال بالنسبة لي بحكم تخصصي واهتمامي معنى يتجاوز طقوسه المباشرة، ليغدو سؤالًا فلسفيًا عن الزمن والحياة والإنسان. هناك، في مدينةٍ ارتبط اسمها بـ باروخ سبينوزا، الفيلسوف الذي رأى في الطبيعة جوهر الوجود كله، تبدو أعياد تعاقب الأعوام وكأنها تجسيد حيّ لفكرته عن «الطبيعة الطابعة» التي تُنتج كل شيء، و«الطبيعة المطبوعة» التي تتمثل في مظاهر هذا الإنتاج؛ في الكائنات، والفصول، والاحتفالات ذاتها فالاحتفال، في جوهره، ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو لحظة وعيٍ كثيف بالزمن. الإنسان، بوصفه الكائن الوحيد الذي يمتلك ذاكرةً وتوقعًا، لا يكتفي بأن يعيش الزمن كما تفعل الكائنات الأخرى، بل يعيد إنتاجه رمزيًا عبر الأعياد. ومن هنا، فإن كل احتفال برأس سنة، أو بموسمٍ جديد، هو إعلان ضمني عن انتصار الحياة على العدم، وعن رغبة الإنسان في الإمساك بما لا يُمسك: الزمن المتحوّل.
عبر التاريخ، لم تخرج الاحتفالات عن هذا الإطار العميق، وإن اختلفت أشكالها. ففي مصر القديمة، ارتبطت السنة الجديدة بفيضان النيل وبظهور نجم الشعرى اليمانية، حيث كان عيد «Wepet Renpet» إعلانًا عن ولادة كونية جديدة. وفي بلاد الرافدين، تجلّى هذا المعنى في عيد أكيتو، حيث عودة الإله تموز من العالم السفلي كانت رمزًا لعودة الخصب والحياة. أما في شمال أفريقيا، فإن «ينّاير» الأمازيغي لا يزال حتى اليوم احتفالًا بالأرض وخصبها، فيما يحتفل العالم الحديث برأس السنة الميلادية بوصفه لحظة تقييمٍ ومراجعة وأمل.
وسط هذا التنوع، يبرز عيد النيروز بوصفه أحد أكثر الأعياد تعبيرًا عن هذا التداخل بين الطبيعة والتاريخ. عيد النيروز، الذي تعود جذوره إلى الحضارات الإيرانية القديمة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، يرتبط بالاعتدال الربيعي، حين يتساوى الليل والنهار، في لحظة توازن كوني نادرة. وهو، في رمزيته، انتصار للنور على الظلام، وللحياة على السكون، ولذلك ارتبط في الوجدان الكردي والإيراني بمعاني الحرية والانبعاث. إن إشعال النيران، والرقص حولها، وارتداء الأزياء التقليدية، ليست مجرد طقوس فولكلورية، بل هي إعادة تمثيل رمزي لدورة الكون نفسها.
وقد اكتسب النيروز بعدًا عالميًا حين اعتمدته اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2009، في اعترافٍ بأن هذا العيد لا يخص شعبًا بعينه، بل يمثل تراثًا إنسانيًا مشتركًا يعبر عن علاقة الإنسان بالطبيعة وتجددها. ثم أعلنت الأمم المتحدة يوم 21 مارس يومًا عالميًا للنيروز، تأكيدًا على قيمه المرتبطة بالسلام والتضامن بين الشعوب.
من هذا المنظور، تتشابه أعياد الشعوب رغم اختلاف طقوسها؛ فهي جميعًا تعبير عن حاجة إنسانية واحدة: كسر رتابة الزمن، وإعادة شحن المعنى في الحياة. سواء كانت حبة البن المخفية في طبقٍ تقليدي، أو قطعة نقدية في كعكة رأس السنة، أو شمعة تُشعل، أو شجرة تُزيَّن، فإنها جميعًا رموز للأمل، ومحاولات صغيرة للسيطرة على المجهول.
غير أن الفارق الحقيقي لا يكمن في شكل الاحتفال، بل في شروطه التاريخية. فحين يكون الإنسان قادرًا على الفعل في العالم، يصبح الاحتفال تتويجًا للإنجاز، أما حين يعيش في الهشاشة والخوف، فإنه يتحول إلى حنينٍ أو تعويضٍ رمزي عن واقعٍ مفقود. وهنا تتجلى المفارقة التي أشار إليها الفكر الحديث: نحن لا نحتفل بالزمن ذاته، بل بقدرتنا على العيش داخله بكرامة.
في ضوء فلسفة سبينوزا، يمكن القول إن الاحتفال هو لحظة انسجام بين الإنسان والطبيعة؛ لحظة يدرك فيها أنه ليس خارج هذا الكون، بل جزء من ضرورته. فالزمن، كما الطبيعة، ليس خصمًا للإنسان، بل هو الإطار الذي يمنحه معنى وجوده. ومن هنا، فإن كل عيد هو فعل مقاومة للنسيان، وإعلان متجدد بأن الإنسان، رغم هشاشته، قادر على تحويل تعاقب الأيام إلى قصة، وعلى تحويل الفناء نفسه إلى معنى.
وهكذا، من لاهاي إلى دمشق، ومن جبال كردستان إلى ضفاف النيل، تتعدد الأعياد، لكن الرسالة واحدة: الأحياء وحدهم يحتفلون، لأنهم وحدهم يدركون أن الزمن ليس مجرد مرورٍ للأيام، بل إمكانية دائمة لبداية جديدة. اليكم القصيدة مع ترجمتها إلى الهولندية التي تفضلت بقرائتها
الاستاذةFatma Aktas رئيسة منظمة أوراسيا في هولندا. قصيدة اهديتها إلى سربست نبي
قليلٌ من الحبّ يكفي…
قليلٌ من الحبّ
كي لا نموتَ تمامًا،
كي نتذكّر
أنّ للقلب نافذةً
تطلّ على أحد
قليلٌ من الغيم
كي تقولَ الأرضُ:
ما زلتُ حيّةً
وأنّ الصحارى،
وإن طال صمتُها،
تُخفي في الرمل
أغنيةً للمطر
قليلٌ من الطلّ
كي تعودَ الشجرةُ
إلى اسمها،
وترتّبُ أوراقَها
كمن يستعيدُ
رسائلَه القديمة
قليلٌ من الغيث
كي ينهضَ الوردُ
من تعب الانتظار
ويكتبَ الياسمينُ
سيرتَه في الهواء،
فتعرفُ الحمائمُ
طريقَ الغناء،
وتسترجعُ الفراشاتُ
ذاكرةَ الضوء
قليلٌ من الحبّ
كي يقولَ القلب:
أنا هنا،
ولا شيء ينقصني
سوى نبضةٍ
لا تخاف
قليلٌ من الحلم
كي تتعبَ الحرب،
وتخلعَ خوذتها
على عتبات الصباح،
وتنسى البنادقُ
أسماءَها
قليلٌ من الحقد
كي لا يتكاثرَ الظلام
في عيوننا،
ونضيع…
كأن الطريق
لم يُخلق لنا
🕊️قليلٌ من السلم
كي يضحك البحر
بموجٍ خفيف،
وتغنّي النوارسُ
لأفقٍ
لا يشيخ
قليلٌ من الأمن
كي تصدّقَ المراكبُ
أنّ الريحَ صديقة،
وأنّ العودةَ
ليست مستحيلة
قليلٌ من العقل
كي تقفَ الأرض
على اسمها،
وتعرفَ أنّ الخراب
ليس قدرًا
قليلٌ من العدل
كي تعودَ المدنُ
إلى حلمها،
وتمشي الشوارعُ
نحو أهلها
دون خوف
قليلٌ من النور
كي ينكسرَ هذا الليل،
وترى العيونُ
ما كان يجب أن يُرى
منذ البداية:
أنّ الشمس
لم تغب…
بل كنّا
نُغلقُ النوافذ
وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة
قاسم المحبشي لاهاي
22 مارس 2026م
⸻
Een beetje liefde is genoeg…
Een beetje liefde
zodat we niet helemaal sterven,
zodat we ons herinneren
dat het hart een venster heeft
dat op iemand uitkijkt
Een beetje wolken
zodat de aarde zegt:
ik leef nog
en dat de woestijnen,
hoe lang hun stilte ook duurt,
in het zand
een lied voor de regen verbergen
Een beetje dauw
zodat de boom
naar zijn naam terugkeert,
en zijn bladeren ordent
als iemand die
zijn oude brieven terugvindt
Een beetje regen
zodat de roos opstaat
uit de vermoeidheid van het wachten
en de jasmijn
haar levensverhaal in de lucht schrijft,
zodat de duiven
de weg naar het zingen kennen
en de vlinders
het geheugen van het licht hervinden
Een beetje liefde
zodat het hart zegt:
ik ben hier,
en niets ontbreekt mij
behalve een hartslag
die niet bang is
Een beetje droom
zodat de oorlog moe wordt,
haar helm aflegt
op de drempels van de ochtend,
en de geweren
hun namen vergeten
Een beetje haat
zodat de duisternis zich niet vermenigvuldigt
in onze ogen,
en wij niet verdwalen…
alsof de weg
niet voor ons was geschapen
🕊️ Een beetje vrede
zodat de zee lacht
met een zachte golf,
en de meeuwen zingen
voor een horizon
die niet veroudert
Een beetje veiligheid
zodat de boten geloven
dat de wind een vriend is,
en dat terugkeer
niet onmogelijk is
Een beetje verstand
zodat de aarde
bij haar naam blijft,
en begrijpt
dat verwoesting
geen lot is
Een beetje rechtvaardigheid
zodat de steden
naar hun droom terugkeren,
en de straten
zonder angst
naar hun mensen lopen
Een beetje licht
zodat deze nacht breekt,
en de ogen zien
wat vanaf het begin gezien had moeten worden:
dat de zon
niet verdwenen is…
maar dat wij
de ramen sloten
En op deze aarde is er wat het leven verdient
منشور برس موقع اخباري حر