ضع اعلانك هنا

الفلسفة والسينما والتعقيد والتركيب؛ تمهيد لمهرجان أفلام الشرق الأوسط وشمال أفريقيا…

الكاتب : استاذ دكتور قاسم المحبشي…

من خبرتي المتواضعة في الحياة والتعليم، تعلمت أن الاهتمام هو مفتاح كل معرفة ممكنة. فالاشياء التي لا تهمنا أو لم نهتم بها لن نبذل أي جهد لفهمها فما يشغلنا في حياتنا الواقعية هو ما يشغل انتباهنا وما نتعلمه لا يبدأ من الكتب وحدها، بل من تلك الشرارة الأولى التي توقظ فضولنا وتدفعنا إلى التساؤل. ولعل دهشتي الأولى بالسينما تعود إلى طفولتي المبكرة في ريف عدن، حين شاهدت وأنا في العاشرة من عمري فيلماً روسياً بعنوان «كيف سقينا الفولاذ» إذ لم تخني الذاكرة. لم أكن أدرك آنذاك شيئاً عن الفلسفة أو النقد السينمائي أو جماليات الصورة، لكنني أدركت أن شيئاً ما كان يحدث في داخلي بعد انتهاء الفيلم وطوي شاشته التي تم تعليقها على جدار مدرسة الحرية.

تنقلت بعد ذلك بين معظم دور السينما في عدن ومنها ( سينما هريكن (الحرية) شاهيناز (ريجل) سينما برافين (أروى) وسينما بلقيس وحلقات وسينما الشرق وغيرها) وما زلت أذكر العبارة التي كانت تتصدر شاشة سينما أروى: «من بين جميع الفنون، تبقى السينما هي الأهم» يومها لم أفهم مغزىها لكنني شعرت بقوتها كنت أذهب إلى السينما بحثاً عن المتعة والدهشة ولم أتوقف طويلاً عند المعاني والدلالات الميتافيزيقية إلا حين أقمت في القاهرة متفرغاً للدراسة والبحث العلمي. هناك بدأت أكتشف أن العلاقة بين السينما والفلسفة ليست علاقة عابرة بين فن وفكر، بل هي علاقة عميقة تجعل من الشاشة فضاءً للتأمل في الإنسان والعالم والزمان والتاريخ ففي مؤتمر فلسفة التعليم الذي نظمه قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة 23 نوفمبر 2019م استوقفت انتباهي ورقة بحثية بعنوان( كيف يمكن توظيف السينما في تعليم الفلسفة للأطفال ) تناولت في البدء تاريخ السينما منذ بدايتها في مطلع القرن العشرين إذ استعرضت العلاقة العضوية بين التنكولوجيا والسينما وكيف مهدت التنكولوجيا السبيل لازدهار السينما إذ اشارت إلى أن السينما ” بدأت السينما كفكرة عرض صامت موحي، يعتمد على تتابع المشاهد لتكوين قصة، مستخدمة في ذلك لونين فقط هما الأبيض والأسود، ثم بدأت تتطور بتطور العلم والتكنولوجيا البصرية والسمعية لتتحول إلى ما هي عليه الآن. على أن العمل الفني السينمائي منذ بدايته وحتى الوقت الحالي اتخذ من القصة ركيزة رئيسة في بناءه، تدور حولها الأحداث. ويعد استخدام هذه الأساس أمر ممتد في التاريخ الحضاري؛ حيث عرف الإنسان القصة بمفهومها البدائي منذ الحضاارت الشرقية القديمة، فصنع بها ميثولوجيا عَّبرت عن “مظاهر الكون والحياة تعبيرا فنيا” وهي بذلك الاستهلال الذكي للعلاقة بين الفلسفة والسينما وكانما كانت تعي البعد الجمالي للصورة في عالم المحسوسات والمعقولات التي شغلت الفيلسوف أفلاطون في الزمن القديم إذ تبدو مغامرة السينما مثل مغامرة الفلسفة.

غير أن السؤال الأهم بالنسبة لي لا يتعلق فقط بما تقوله السينما عن العالم، بل بما تفعله بنا ونحن نشاهدها. فمنذ اختراعها لعبت السيما دوراً كبيراً في تغيير حياة الناس والتأثير في تفكيرهم ومتخيلهم وإدراكاتهم بطريقة فعالة أصبحت معها مادة تستحق التفكير بالنسبة إلى المفكرين والفلاسفة منذ مطلع القرن العشرين .
ففي كتابه السينما أو الإنسان المتخيل الفيلسوف الفرنسي ادغار موران إن السينما تشبه الحلم من حيث آلياتها النفسية. ففي الحلم تختلط الذكريات بالرغبات والمخاوف، وفي الفيلم يحدث شيء مشابه عبر الصورة والمونتاج والموسيقى. لذلك اعتبر أن دراسة السينما تسمح بفهم البنية العميقة للخيال الإنساني.

إذ يعيش الإنسان دائماً بين عالمين: عالم الواقع وعالم الخيال. الأحلام والأساطير والذكريات والرغبات ليست أقل حضوراً في حياتنا من الوقائع المادية. ففي المجتمعات التقليدية كانت الأساطير الدينية والبطولية تقدم نماذج مثالية للإنسان. أما في المجتمعات الحديثة فقد أصبحت السينما تنتج أساطير جديدة تتمثل في النجوم. والسينما تنبع قوتها من قدرتها على الجمع بين هذين العالمين في تجربة واحدة. فنحن ندرك عقلانياً أن ما نشاهده على الشاشة ليس حقيقياً، لكننا نتفاعل معه وجدانياً كما لو كان جزءاً من حياتنا الخاصة. نبكي لمصير شخصية خيالية، ونفرح لانتصار لم نشارك فيه، ونشعر بالخوف من خطر لا يهددنا فعلياً. هذه المفارقة هي التي جعلت موران يعتبر السينما مختبراً لفهم البنية العميقة للخيال الإنساني.

اهتم هنري برغسون بمسألتي الزمن والحركة، وهما المسألتان اللتان ستصبحان لاحقاً في قلب التجربة السينمائية. أما سيغفريد كراكور فقد رأى في السينما مرآة للاوعي الجماعي، تكشف ما تخفيه المجتمعات عن نفسها أكثر مما تكشفه الخطب السياسية والبيانات الرسمية. وجاء جان بودريار ليحلل عالم الصورة والمحاكاة، محذراً من قدرة الصور على صناعة واقع بديل قد يبدو أحياناً أكثر إقناعاً من الواقع نفسه.

لكن الفيلسوف الذي منح السينما مكانتها الفلسفية الأكثر عمقاً ربما كان الفرنسي جيل دولوز 1926-1995 فبالنسبة إليه لا تقتصر السينما على رواية القصص أو تمثيل الواقع، بل إنها تفكر بطريقتها الخاصة. وإذا كانت الفلسفة تبدع المفاهيم، فإن السينما تبدع الصور. وإذا كانت الفلسفة تفكر عبر المفهوم، فإن السينما تفكر عبر الصورة المتحركة. يَعتبر “دولوز” أن قيمة الصورة تتمثل في الأفكار المتولدة عنها. تُعدُّ الصورة السينمائية وعاء رفيع من المفاهيم والأفكار، تُناقش من خلالها القضايا والتصورات الفكرية المطروحة. وهذه بمثابة الخاصية الجوهرية لجدلية العلاقة بين الفلسفة والسينما. أي «إذا كانت الصورة هي الوحدة الأساس للفيلم وكان المنتوج الأساس للفلسفة هو المفهوم، فلقاء الفلسفة بالسينما هو لقاء المفهوم بالصورة في أفق استجلاء تحولات صورة الفكر داخل الصورة السينمائية والتفكير عند جيل دلوز لا يبدأ من انسجام، بل من صدمة، لا من إرادة، بل من اضطرار، فنحن لا نفكر لأننا نريد، بل لأن شيئاً ما يجبرنا على التفكير وبهذا المعنى نفهم عبارة آرنولد توينبي بان التفكير ليس فطريا عند الإنسان كما قد رسخ في الأذهان -بسبب الخلط الشائع بين العقل والتفكير- بل هو أشبه بالسير على الأقدام بالنسبة للقرود!

فالفكر والتفكير في الثقافة العربية الإسلامية هو النقيض لراحة البال والطمأنينة والسكينة والناس في كل زمان ومكان قلما يميلون إلى الفكر والتفكير ، ولا يكون ميلهم اليه إلا كرها لا اختيارا وذلك في أوقات المحن والأزمات الكبرى إذ يضطرون اليه في مواجهة التحديات العسيرة ، أما في أزمنة اليسر والرخاء والدعة ، فالناس يعيشون حياتهم ويحمدون ربهم على راحة البال ورضا الضمير وبهذا المعنى نفهم صيغة المؤرخ الانجليزي ارنولد توينبي ، في التحدي والاستجابة ، الذي أكد فيها إن الظروف الصعبة لا السهلة هي السر في فهم نشوء الحضارات ونموها وازدهارها وتعاقبها الدوري.

في كتابه «تأمل الشاشة: السينما كنوع من الفلسفة»، يدافع توماس وارتنبيرج عن فكرة جريئة مفادها أن بعض الأفلام لا تشرح الأفكار الفلسفية فحسب، بل تنتجها. ويقدم مثالاً على ذلك فيلم (إشراقة أبدية لعقل نظيف) عام 2004 يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً حول معنى الألم والذاكرة. فالفيلم يتخيل إمكانية محو الذكريات المؤلمة تقنياً، لكنه يقودنا في النهاية إلى إدراك أن الحياة الإنسانية ليست مجرد عملية حسابية لتقليل المعاناة وتعظيم اللذة. ثمة أشياء تمنح وجودنا معناه حتى وإن كانت مؤلمة.

لقد أدرك إدغار موران أن العالم الحديث أصبح أكثر تعقيداً من أن يُفهم بواسطة التفسيرات الأحادية أو الاختزالية. فالظواهر الإنسانية لم تعد منفصلة عن بعضها البعض، بل أصبحت متشابكة بصورة تجعل الاقتصاد مرتبطاً بالثقافة، والسياسة مرتبطة بالهوية، والتكنولوجيا مرتبطة بالأخلاق، والبيئة مرتبطة بمستقبل الحضارة نفسها.
من هنا جاءت دعوته منهج تفكير تركيبي يربط بينها ويكشف علاقاتها المتبادلة. فالحقيقة ليست موجودة في الجزء وحده ولا في الكل وحده، بل في الحوار المستمر بينهما. والعالم لا يُفهم عبر التجزئة فقط، بل عبر إعادة تركيب ما تم تفكيكه.

والسينما تمثل نموذجاً مثالياً لهذا المنهج المركب. فهي الفن الذي يلتقي فيه الأدب بالموسيقى، والصورة بالفكرة، والتاريخ بالخيال، والسياسة بالعاطفة، والفردي بالجماعي. ولهذا استحقت أن تسمى «الفن السابع»، لأنها لم تضف فناً جديداً إلى الفنون السابقة فحسب، بل احتضنتها جميعاً داخل فضاء واحد. فالفيلم ليس مجرد قصة أو صور أو أصوات، بل هو تفاعل مستمر بين عناصر متعددة: الصورة والصوت، الفرد والمجتمع، الماضي والحاضر، الواقع والخيال، الوثيقة والأسطورة، والعقل والعاطفة.

فما كان يُنظر إليه في زمنٍ ما بوصفه أمراً عادياً أو مقبولاً قد يصبح بعد عقود موضع نقد وتساؤل، مع تغيّر القيم الاجتماعية وتبدّل الوعي الجمعي تجاه قضايا الهوية والعدالة والتمثيل. لذلك تبدو بعض الأعمال السينمائية وكأنها تنتقد نفسها بنفسها عندما تُشاهد في سياق تاريخي مختلف؛ إذ تتحول مشاهد أو شخصيات أو رموز كانت منسجمة مع معايير عصرها إلى شواهد على حدود ذلك العصر وانحيازاته. ومن هنا تنشأ قيمة إضافية للسينما، فهي لا تحفظ القصص فحسب، بل تحفظ أيضاً نظرة المجتمعات إلى نفسها، بما فيها من إنجازات وأخطاء، لتصبح الشاشة مرآةً يتأمل فيها كل جيل ماضيه ويعيد مساءلته وفق أسئلته الأخلاقية والثقافية الجديدة

وهنا تكمن أهمية التفكير النقدي المركب. فالمطلوب ليس إدانة الماضي بأحكام الحاضر فقط، ولا تبرير الماضي باسم ظروفه التاريخية، بل فهم الكيفية التي تنتج بها المجتمعات صورها عن الآخر، وكيف تتحول تلك الصور إلى ممارسات وثقافات وأنظمة تمييز. وهذا بالضبط ما تستطيع السينما أن تكشفه حين تكون وفية لرسالتها الإنسانية.

في أزمنة الحروب والمحن والهويات القاتلة والحدود المغلقة والأسلاك الشائكة، تظل السينما إحدى أهم النوافذ التي تسمح للإنسان بأن يرى نفسه في الآخر، وأن يكتشف أن ما يجمع البشر أكبر بكثير مما يفرقهم إذ يرى ادغار موران أن السينما تؤدي دورًا إنسانيًا عميقًا يتجاوز الترفيه،فهي تخلق مساحة آمنة للتعاطف مع شخصيات مختلفة، حتى تلك التي قد نرفضها في الواقع ومن خلال الإسقاط والتماهي، تساعد السينما الفرد على استكشاف ذاته وفهم مشاعره ورغباته.

ختاما يمكنني القول بأن السينما بوصفها الفن السابع الذي جمع معظم الفنون البصرية والصوتية والفكرية ( العمارة والموسيقى والرسم والنحت والشعر والرقص) تعد أهم الفنون الإنسانية قدرة على التأثير وتوسيع الفهم والتعاطف وتعميق التواصل بين البشر المعاصرين فالإنسان يخاف ما يجهله ، ويحذر مما لا يعرفه ويعادي ما لا يفهمه. أما السينما فتمنحه فرصة نادرة ليعيش، ولو لساعتين، داخل حياة شخص آخر. إنها تدفعه إلى رؤية العالم من زاوية مختلفة، وإلى اختبار آلام لم يعشها وأحلام لم يحلم بها. ومن خلال هذا الانتقال الرمزي من الذات إلى الآخر، تتزعزع الأحكام المسبقة وتفكيك خطابات العنصرية والوثوقية والتمييز …

ضع اعلانك هنا