ضع اعلانك هنا

في الحريات الأكاديمية في الجامعات اليمنية …

الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي…

للبحث في سؤال الحرية الأكاديمية في الجامعات اليمنية أهمية مزدوجة؛ فهو أولا: يضعنا على بينة من أمر المؤسسة الأكاديمية اليمنية وعجزها عن تنوير المجتمع اليمني وتنميته؛ تنمية ثقافية مستدامة. وثانيا يكشف مدى الخراب الذي أصاب الجامعة ووظائفها الأساسية بسبب غياب الحرية الأكاديمي وأنماط القمع وحجم الضرر وعدد الذين أصابهم.
ألجامعة في اليمن تحديدا هي مؤسسة حديثة وجديدة في كينونتها المؤسسية وبنيتها التنظيمية ووظيفتها العلمية والتعليمية والبحثية والتنموية وقيمها المهنية والأكاديمية، وأنماط علاقاتها وأهدافها وعاداتها وتقاليدها، في حين أن مجتمعنا بحكم التخلف التاريخي لا تزال أسير البُنى والعلاقات والقيم التقليدية على مختلف صعد الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية، والاجتماعية والأخلاقية؛ هذه البُنى الثقافية التقليدية لا ريب وأنها تؤثر في المؤسسة الجامعية وتخترقها بسهامها المنطلقة من كل حدب وصوب، إذ إن الجامعة ليست جزيرة منعزلة عن المجتمع التي توجد فيه، بل هي جزء من هذا المجتمع الذي يؤثر فيها وتأثر فيه ولما كانت الجامعة هي المؤسسة الحديثة التي تنهض برعاية العلم والعلماء؛ تعليما ونقدا وبحثا وتطبيقا ، فمن المهم أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة، إذ أن الحرية الأكاديمية هي الشرط الجوهري لنمو العلم وتقدمه وازدهاره إذ تنبع أهميتها الحيوية من مقتضيات الحقيقة العلمية ذاتها وحاجة العلم إلى الحرية، مثل حاجة النباتات التي تنمو في البيوت الزجاجية إلى الشمس والأكسجين، أما إذا طليت النوافذ بالسواد كما في الحروب، فلا تنمو إلا الأعشاب الطفيلية الضارة، فكذلك تجف ينابيع الإبداع العلمي والفني في البيئات الاستبدادية والتسلطية بحسب كروبر.
ورغم شيوع التعليم العالي في الوطن العربي ومؤسساته الأكاديمية منذ تأسيس جامعة القاهرة عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م صار لدينا ما يربوا على 700 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م ففي اليمن وحدها يوجد اليوم أكثر من أربعين جامعة فضلا عن المعاهد والمؤسسات التعليمية الأخرى، غير إن هذا التوسع الكمي في مؤسسات التعليم العالي ومخرجاتها لا أثر له في التنمية الاجتماعية والثقافية المستدامة! وهذا أمر مفارق للمنطق السليم! فلماذا لم يتحول العلم والتعليم الجامعي الحديث في الوطن العربي إلى ثقافة علمية عقلانية رشيدة؟ وذلك بالاتساق مع مبدأ ( حينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة) فكيف هو وضع الحريات الأكاديمية في الجامعات اليمنية اليوم؟على مدى نصف قرن من عمر المؤسسة الأكاديمية الوليدة في الجمهوريتين اليمنيتين المضطربتين في صنعاء وعدن، والجمهورية الثالثة بعد عام ١٩٩٠، ظلت تلك المؤسسة خاضعة للتقلبات والرهانات السياسية الأيديولوجية ، ولم تتمكن من الاستقلال المالي والإداري والأكاديمي المفترض حتى تكون مثل اسمها؛جامعة Universities إذ كانت الفكرة القانونية التي تعامل فيها جماعة من الناس كأنها وحدة نسقية أو مؤسسة مستقلة هي أساس نشوء الجامعات وتطورها في القرون الوسطى؛ إذ اعتبرت المؤسسة المتحدة Universities ومن المصادفات التاريخية أن الكلمة اللاتينية Universities التي تعني Corporation أي الجسم كله، قد انحصر معناها ليعني أماكن التعليم العالي التي تحتفظ باسم الـ Universities؛ أي الجامعات. ونحن نعلم أن مسألة النمو العلم مؤسساته الأكاديمية هي مسألة ليست علمية فقط، بل سياسية حضارية وثقافية، ففي مجتمع لا يمتلك ثقافة مؤسسية ولا ثقافة قانونية، ولا يزال يخضع لهيمنة العلاقات التقليدية وفي ثقافة لا يزال بعض الناس فيها ينكرون الطبيعة وقوانينها، والإنسان وعقله وحريته؛ كيف يمكن أن تكون المؤسسة الأكاديمية وقيمها؟ لاسيما إذا تركت مكشوفة لخصومها التقليديين بلا حماية، وبلا رعاية من الدولة والمجتمع، وبلا سلطة خارجية أو داخلية تحميها؟
إن الجامعات اليمنية لا تفتقد إلى الحريات الأكاديمية التي يفترض بها تأمين بيئة مناسبة لأعضاء الهيئة التدريسية والمساعدة فضلا عن الطالبات والطلاب لممارسة نشاطهم التعليمي والعلمي في ظروف صحية فحسب بل وتحولت إلى أجهزة قمعية في اضطهاد الأصوات الأكاديمية الحرة أمثال أستاذ الفلسفة في جامعة صنعاء الدكتور، ابوبكر عبدالرحمن السقاف الذي تعرض للفصل من الجامعة والضرب المبرح بالهراوات بسبب كتاباته وقناعاته الفكرية ديسمبر 1996م صنعاء. والدكتور حمود صالح العودي، أستاذ قسم الاجتماع بجامعة صنعاء الذي تم تكفيره وحُكم عليه بالقتل الشرعي بسبب كتاباته الأكاديمية بتاريخ 17 يناير 1995م كما تعرض عدد من أعضاء هيئة التدريس في جامعة عدن للتصفيات الجسدية ومنهم: الدكتورة نجاة علي مقبل، عميد كلية العلوم بجامعة عدن 15مايو 2018م والدكتور، أحمد صالح الصلاحي، عميد كلية اللغات بجامعة عدن 12 يناير2018م والدكتور زين محسن اليزيدي أستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة عدن، قضى مختنقا بالغازات السامة بتاريخ 17 ديسمبر2014م فضلا عن الكثيرين ممن تم قمعهم وأنا منهم عام 2013 ومنذ ذلك الحين تم اغتيال العشرات من أساتذة الجامعات اليمنية في عدن وصنعاء وتعز وحضرموت، ولحج وأبين بينما اضطر أخرون للهروب من جحيم الحرب وتهديداتها ، ومن بقي منهم يعيش حياة شديدة البؤس والقسوة بسبب الحرمان من المرتبات المستحقة، لمدة أربع سنوات. هذا فضلًا عن الإجراءات الإدارية والتشريعية والمنهجية التي أقدمت عليها المليشيات الحوثية في مناطق نفوذها، بتغيير شبه كلي للمؤسسات الأكاديمية في صنعاء في الإدارة والمناهج والتشريعات والرموز والشعارات وإغلاق أقسام الفلسفة والعلوم الإنسانية، وقمع الحريات الأكاديمية بحجج العلمانية والانفتاح والتجسس وغير ذلك التهم الطائفية، بما أعاد تشكل المؤسسة الأكاديمية على صورتها الدينية المتطرفة؛ هذا فضلًا عن أن الحرب المفتوحة على كل الجبهات قد أعادت تشكيلة المجتمع اليمني برمته، بما يشبع حاجاتها التدميرية؛ إذ بدلًا من أن تفتح أبواب الجامعات للشباب فتحت لهم معسكرات وجبهات قتالية، وقد أكلت الحرب عشرات الآلاف من الشباب الذين يفترض أن يكونوا في مدرجات الجامعة، وقد علمت بأن معظم الجامعات اليمنية تعاني اليوم من خلو مقاعدها من الطلاب، إذ غدت هياكل خاوية على عروشها. سوف نقارب موضوعنا في ثلاثة محاور أساسية على مدى عشرة أشهر من ديسمبر 2024 إلى ديسمبر 2025م…

ضع اعلانك هنا