ضع اعلانك هنا

ربيعية الشتاء؛ كل ما بقى من حلم هباء…

مقال للكاتب :
استاذ دكتور قاسم المحبشي ..
———————

( ذا جمرُ صنعاءَ، خفتُ إذ أحرقوا
فيهِ بخورَ الشيخِ أن تسعلي )..
بردوني..

ليست قصيدة بالمعنى المألوف للقصيدة الغنائية التي تكتفي بالتعبير عن عاطفة أو انفعال عابر، بل هي ملحمة شعرية مكتوبة بوعي نبيّ يرى ما وراء الحدث، ويقرأ التاريخ لا بوصفه ما وقع فقط، بل بوصفه ما سيؤول إليه المصير. فالملحمة تختلف عن القصيدة الغنائية في أن القصيدة تنطلق من ذات الشاعر نحو العالم، بينما تنطلق الملحمة من العالم بكل تناقضاته نحو ذات الشاعر؛ القصيدة لحظة شعورية، أما الملحمة فهي زمن كامل يتكثف في اللغة. ولهذا كانت «ربيعية الشتاء» نصاً يتجاوز حدود الشعر إلى فضاء الرؤيا التاريخية والفلسفية، إذ استطاع عبدالله البردوني أن يحوّل حدث الوحدة اليمنية من مناسبة سياسية احتفالية إلى سؤال وجودي عميق عن معنى الاجتماع البشري حين يقوم على الوهم أكثر مما يقوم على الوعي.

لقد كان الجميع يوم إعلان الوحدة اليمنية عام 1990 مأخوذين بنشوة اللحظة؛ الشوارع تضج بالأغاني، والسياسيون يوزعون الأوهام بوصفها حقائق نهائية، والجماهير ترى في الوحدة فردوساً مؤجلاً هبط فجأة من السماء. وحده البردوني بدا كأنه يقف خارج المهرجان، لا لأنه ضد الحلم، بل لأنه كان يرى هشاشة الأساس الذي بُني عليه ذلك الحلم. كان يدرك أن الوحدة التي تُنجز بعاطفة مرتجلة، وبورقة سياسية صغيرة كتبت على عجل، لا يمكنها أن تصمد أمام تعقيدات التاريخ والاجتماع والثقافة والسلطة. ولهذا انزوى شهرين كاملين يتأمل الحدث، ثم خرج بهذه الملحمة التي بدت آنذاك غامضة وعصية على الفهم، لكنها مع مرور الزمن تحولت إلى وثيقة شعرية تكشف ما عجزت السياسة عن رؤيته.

العنوان نفسه «ربيعية الشتاء» يختزن المفارقة الكبرى التي تقوم عليها القصيدة كلها. فالربيع رمز الخصب والبدايات والانبعاث، بينما الشتاء رمز الانطفاء واليباس والبرودة والموت. الجمع بينهما ليس لعبة بلاغية، بل إعلان مبكر عن طبيعة الوحدة ذاتها: ربيع يولد داخل شتاء، أو حلم أخضر ينمو في تربة متجمدة. إن البردوني هنا لا ينفي الحلم، بل يشكك في شروط تحققه؛ فالربيع ممكن، لكنه محاصر بمناخ شتوي خانق، ولذلك يتحول التفاؤل نفسه إلى مأساة مؤجلة.

القصيدة كلها مبنية على هذا التوتر بين الوعد والانهيار، بين الحلم والكارثة، بين العرس والمأتم. ولهذا تبدو اللغة فيها متشظية، كثيفة، متداخلة الرموز والإشارات والأصوات. فالبردوني لا يكتب بلغة مباشرة، لأنه لا يرى الحدث سطحياً. إنه يكتب من طبقات التاريخ اليمني العميقة، حيث تختلط أسماء المدن والقبائل والأساطير والأغاني الشعبية والرموز السياسية والموروث الصوفي والإشارات الثقافية في نسيج واحد. القصيدة هنا لا تسرد حدث الوحدة فحسب، بل تسرد الوعي اليمني نفسه وهو يحاول أن يتصالح مع انقساماته القديمة.

والمرأة التي تُخاطَب في القصيدة ليست امرأة بالمعنى الحرفي، بل هي رمز مركزي متعدد الوجوه: إنها الوحدة، واليمن، والحلم، والتاريخ، والقدر في آن واحد. لذلك يخاطبها الشاعر أحياناً كعاشق، وأحياناً كنبي، وأحياناً كخائف يرى محبوبته تسير نحو هاوية لا تدركها. ولهذا تتكرر في النص أسئلة القلق والارتياب أكثر مما تتكرر أناشيد الفرح. فالوحدة عند البردوني ليست اكتمالاً رومانسياً، بل تجربة وجودية محفوفة بالخطر.

ومن أعمق المعاني الفلسفية في القصيدة أن البردوني لا يرى الانقسام اليمني مجرد انقسام سياسي بين شمال وجنوب، بل يراه انقساماً داخل الذات اليمنية نفسها. ولهذا تتكرر صور النصفين والشطرين والجسد المشطور. فالإنسان اليمني في القصيدة يبدو كائناً ممزقاً بين ماضيه ومستقبله، بين القبيلة والدولة، بين الحلم والواقع، بين الرغبة في التغيير والخوف منه. إن الوحدة هنا ليست لقاء جغرافيا بجغرافيا، بل محاولة مستحيلة لترميم ذات تاريخية متصدعة منذ قرون.

ومن هنا نفهم لماذا تبدو القصيدة مشبعة بالسخرية السوداء. فالبردوني لا يسخر من الوحدة بوصفها قيمة، بل يسخر من الطريقة التي جرى بها تحويلها إلى مهرجان دعائي يخفي التناقضات الحقيقية. الطبول والزفة والهتافات في النص ليست علامات فرح بريء، بل ضجيج يغطي على هشاشة البناء. ولذلك تبدو الأصوات الكثيرة في القصيدة وكأنها سوق صاخبة من الشعارات المتعارضة، بينما الحقيقة غائبة في مكان آخر.

كما أن البردوني يكشف بعمق مأساة النخب السياسية اليمنية التي تعاملت مع الوطن كغنيمة لا كمشروع تاريخي. ففي القصيدة حضور كثيف لفكرة التلاعب والتزييف والتنكر للحقائق. كل طرف يريد الوحدة بالشكل الذي يخدم سلطته، لا بالشكل الذي يبني دولة حديثة عادلة. ولهذا تتحول الوحدة من مشروع خلاص إلى بداية أزمة أكبر. لقد أدرك البردوني مبكراً أن أي وحدة لا تُبنى على العدالة والمؤسسات والوعي المدني ستتحول إلى صراع مؤجل، وهذا ما حدث لاحقاً في الحروب والانقسامات والانهيارات المتعاقبة.

لكن عبقرية البردوني لا تكمن فقط في استشراف المصير السياسي، بل في قدرته على تحويل التاريخ إلى شعر، والشعر إلى رؤية فلسفية. فالقصيدة ليست بياناً سياسياً، بل بناء جمالي شديد التعقيد، تتداخل فيه الأزمنة والرموز والأصوات حتى يبدو النص كأنه متاهة لغوية تعكس متاهة الواقع نفسه. اللغة هنا لا تشرح العالم، بل تعيد خلقه. ولهذا يحتاج قارئ البردوني إلى أكثر من معرفة لغوية؛ يحتاج إلى حس تاريخي وثقافي وتأويلي قادر على التقاط الإشارات المضمرة خلف الكلمات.

لقد كان البردوني يدرك أن المأساة الكبرى في اليمن ليست الفقر أو الحرب فقط، بل العجز المزمن عن إنتاج وعي تاريخي حقيقي. ولهذا جاءت القصيدة وكأنها صرخة ضد السذاجة الجماعية التي تستبدل التفكير بالهتاف، والرؤية بالانفعال. إنه يرى شعباً يحلم كثيراً لكنه لا يسأل بما يكفي، ويحتفل كثيراً لكنه لا يفكر في العواقب. ومن هنا تبدو «ربيعية الشتاء» أقرب إلى نبوءة شعرية منها إلى قصيدة مناسبات.

وإذا كان نيتشه يقول إن العبقرية تصيب هدفاً لا يستطيع الآخرون رؤيته، فإن البردوني فعل ذلك تماماً. لقد رأى في لحظة النشوة ما كان الجميع عاجزين عن رؤيته: رأى أن الوحدة التي لا تُنجز داخل الإنسان ستظل مهددة خارجه، وأن الأوطان لا تُبنى بالعواطف وحدها، بل بالوعي والعدالة والعقل التاريخي. ولهذا بقيت القصيدة حيّة بعد كل هذه العقود، بينما ماتت معظم الخطب والشعارات التي صاحبت تلك اللحظة.

إن «ربيعية الشتاء» ليست رثاءً للوحدة، بل رثاءً للطريقة التي أُهدرت بها إمكانية الحلم. إنها ملحمة عن شعب أراد أن يقفز إلى المستقبل بأقدام الماضي، وعن وطن حاول أن يغني فيما كانت الشقوق تتسع تحت جدرانه. ولذلك تبدو القصيدة اليوم أكثر راهنية مما كانت عليه لحظة كتابتها؛ لأنها لم تكن تكتب الحدث العابر، بل كانت تكتب البنية العميقة للمأساة اليمنية.

وهكذا يظل عبدالله البردوني في هذه القصيدة ليس مجرد شاعر، بل مؤرخاً للرؤيا، وفيلسوفاً يكتب بالتخييل، وعيناً مبصرة وسط زمن أعمى. لقد فقد البصر، لكنه امتلك ما هو أبعد من الرؤية: امتلك البصيرة التي ترى خراب المستقبل وهو لا يزال يرتدي ثياب الاحتفال.

🌺 ربيعية الشتاء 🥀

لعبدالله البردوني

هذا الذي سمَّيتُهُ منزلي
كان انتظاراً قبل أن تدخلي

كان سؤالَ القلبِ عن قلبِهِ
يشتاقُ عن قلبيْهِ أن تسألي

أن ترجعي مثلَ الربيعِ الذي
يغيبُ في الأعوادِ كي ينجلي

أن تصبحي مثلَ نثيثِ الندى
مثلَ نجومِ الصيفِ أن تُلْيلي

أن تومئي واعدةً ليلةً
وليلةً تنسين كي تبتلي

كيما تنادي الأرضُ: أجنيتِ يا
حدائقي أينعتْ يا سنبلي

أقبلَ سُكرُ الوعدِ؟ قالوا: اصحُ!
أيُّ هوىً أرغى بها: عجِّلي؟

هذا زمانٌ مذهلٌ ذاهلٌ
عنهُ، فمن حاولتِ أن تُذهلي؟

ذا جمرُ صنعاءَ، خفتُ إذ أحرقوا
فيهِ بخورَ الشيخِ أن تسعلي

أن تصرخي: هل رامني موئلاً
من غاب عن حسبانهِ موئلي؟

أظنُّ ما أسرعتِ كي تُدهشي
هل قال داعي القلبِ أن تُقبلي؟

أقولُ ماذا؟ صاحَ من لا أرى:
عليكِ من نصفيكِ أن ترحلي

من مكتبِ التأجيلِ قالوا: ثبِي
أنهي كتابَ الأمس؟ لا، أجِّلي

لا تحملي أيَّ كتابٍ ولا
دواةَ جيفارا ولا الزركلي

رحلتُ من ساقي إلى سرَّتي
من أعرضي أعدو إلى أطولي

مفاصلي كانت طريقي وما
درتْ حصاةٌ أنها مفصلي

أقرأتُ كفّي البرقَ حتى فمي
قرأتُ كفَّ المشمشِ الحوملي

هل مرَّ يا ابني من هنا أو هنا
أيُّ جوادٍ جدُّهُ موكلي؟

هل خلتَ موالاً كسربِ القطا
يزقو ويدعو: يا ربى موِّلي؟

أسمعتُهُ الجرّاشَ والقعطبي
بكى على بستانَ والموصلي

ومدَّ نحوي سلّةً لم يقلْ:
صِلي بها مهواكِ أو وصِّلي

ناديتُ: يا ذا الوردِ ضمِّخ يدي
فقال: أهلي قطَّعوا أكحلي

وقال قاعُ الوطيةِ: استخبري
عيشانَ عن قمحي وعن خردلي

ماذا ألاقي يا بنَ علوانَ؟ قلْ
يا عيدروسُ احملْ معي مثقلي

أيّي أنا بيني وبيني على
أيِّ الشطايا وجهي الجرولي؟

سألتُ ذاتَ الودعِ: ما طالعي؟
أفضتْ بردَّيْنِ: عليَّ ولي

لأيِّ أزواجي جنى عشرتي؟
خذي سواهم قبل أن تحملي

جمالُ هذي الحقبةِ استنوقتْ
والآن يا إنسانةُ استرجلي

وغيّري «يحيى بيفنى» وكي
تبدِّلي عن جوفكِ استبدلي

واحتثَّني مستقبلي قبل أن
أعدَّ رُمّاني ولا حنظلي

قولي: أيبدو منزلي غير ما
عهِدتِهِ من قبل أن تنزلي؟

تنحنحتْ مثلَ الخطيبِ الذي
أنساه شيءٌ صوتَهُ المحفلي

كان كوجرِ الضبِّ ذا البيتُ لو
أتيتِ قبلاً خفتُ أن تجفلي

والآن من بعد التصابي صبا
وقام بعد العري كي يحتلي

أحضانهُ امتدّتْ وجدرانهُ
سكرى على قاماتها تعتلي

لكلِّ قنديلٍ وكأسٍ صِبا
ولليالي فرحٌ مشتلي

وقال مضنٍ: يا لعقيمِ التي
شاءتْ مواني «هنتُ» أن تحبلي

يا بنتَ أمِّ الضمد قولي لنا:
أيُّ عليٍّ سوف يخصي علي؟

قولي لماذا كنتِ أمثولةً
سحريةً من قبل أن تمثلي؟

فقال هَجسُ الأرضِ: مني رقتْ
تعيدُ تشكيلي، ألا شكِّلي

من بعضها انصبهضتْ إلى كلِّها
أكلُّ وادٍ قال: ذي منهلي؟

شغلتْ أعراقَ الثواني، فهل
يرضى سهيلٌ عنهُ أن تشغلي؟

في طعمِ ريقِ القاتِ تحمين عن
ما قال تُفشين الصدى المخملي

يا طلعةً ما أذبَلتْ مطلعاً
تقدّمي، هيهات أن تذبلي

ويا ربيعاً شقَّ عمرَ الشتا
تهدّلي للصيفِ واخضوضلي

إن زيّن الإكليلُ من قبلهُ
فكلِّلي من بعدهِ كلِّلي

مذ جئتِ جاء البدءُ من بدئهِ
وعاد من آخرهِ أوّلي

واجتاز ومضاً كان مستدفئاً
بهِ إلى الوهجِ الذي يصطلي

فأنكر التاريخُ تأريخَهُ
لمّا استبان الأمسُ مستقبلي..

ضع اعلانك هنا