ضع اعلانك هنا

في معنى المهرجان؛ العنوان والرمز والمكان وشعبان..

الكاتب : استاذ دكتور قاسم المحبشي …

أسعدني كثيراً أن تخصّص مؤسسة بلاد الرافدين (ميزوبوتاميا) مهرجانها الشعري الدولي لهذا العام، «كلمات ضد الجدران»، للأديب والرحالة الهولندي الكبير سيس نوتيبوم، الذي غادر عالمنا مؤخراً عن عمر ناهز الثانية والتسعين، تاركاً وراءه إرثاً إنسانياً وفلسفياً وأدبياً عظيماً، لا تقاس قيمته بعدد كتبه، ولا بعدد اللغات التي ترجمت إليها أعماله، وإنما بقدرته النادرة على تحويل الكتابة إلى فضاء حر يتجاور فيه الإنسان والتاريخ والذاكرة والموت والوجود، وتلتقي فيه الجغرافيا بالسيرة، والمكان بالزمان، والحاضر بالماضي.

ولعل أجمل ما في هذا المهرجان أن تكريم نوتيبوم لا يأتي بوصفه احتفاءً بكاتب رحل فحسب، وإنما بوصفه استعادةً لفكرة ما تزال حية: هل تستطيع الكلمة أن تهدم الجدران التي عجزت السياسة والحروب عن هدمها؟
فالجدار ليس حجراً وإسمنتاً وحديداً فقط. قد يكون الجدار حدوداً مغلقة، أو لغة لا تريد أن تفهم لغة أخرى، أو هوية تتحول إلى سلاح، أو ديناً يتحول من معنى للروح إلى وسيلة لإقصاء الآخرين، أو قوميةً تنسى أن الإنسان أوسع من قوميته، أو طائفةً تتحول من انتماء اجتماعي إلى سجن سياسي، أو خوفاً يستقر في أعماق الإنسان حتى يمنعه من رؤية الإنسان الآخر.

إذ إن الكلمة الحرة فعلاً من أفعال المقاومة الإنسانية؛ لأنها تستطيع أن تعبر حيث لا تستطيع الأجساد، وأن تدخل الأماكن التي تغلقها الجدران، وأن تفتح في الذاكرة نوافذ لا تستطيع السجون إغلاقها.

ولد سيس نوتيبوم في لاهاي عام 1933، وعاش طفولة قاسية أثقلتها ظلال الحرب العالمية الثانية، وفقد والده في قصف مدمر، فدخل التاريخ إلى ذاكرته من بوابة الفقد والألم. ولعل هذه التجربة المبكرة هي التي جعلته ينظر إلى العالم لا باعتباره مكاناً للسكن فحسب، وإنما باعتباره أثراً إنسانياً مفتوحاً على أسئلة الموت والحياة والذاكرة.
وتعلم في مدراسها، ودرس اليونانية واللاتينية، ثم انفتح في شبابه على أوروبا، وارتحل بين مدنها وثقافاتها، لكنه لم يكن يسافر بحثاً عن الأماكن وحدها. كان يسافر بحثاً عن الإنسان الكامن خلف المكان، وعن الذاكرة المختبئة وراء الجدران، وعن التاريخ الذي لا يظهر في الخرائط.

ولهذا كان نوتيبوم أحد كبار كتّاب الرحلة في الأدب الهولندي والأوروبي؛ لأن الرحلة عنده لم تكن انتقالاً من نقطة جغرافية إلى نقطة أخرى، وإنما كانت انتقالاً من سؤال إلى سؤال، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، ومن حياة إلى حياة. كان يرى المدينة نصاً مفتوحاً، والشوارع صفحات من كتاب التاريخ، والجدران شاهدة على الذين عاشوا هنا ثم رحلوا، والحجارة ذاكرة صامتة لأجيال لم تعد موجودة إلا في أثرها.

شب عن الطرق في زمن الحرب العالمية الثانية حيث كان الموت يحوم فوق رؤوس الاوربيين كما يحوم الآن فوق رؤوسنا في الشرق الأوسط فكانت الفلسفة الوجودية هي الأفق الفكري الذي يشبع المعنى انذاك، ففي كل كتاباته الروائية والشعرية تحضر الوجودية بوضوح ومن الحس الفلسفي الوجودي الذي ظل يمس وجداني وعقلي بعمق. فالوجودية ليست عندي مجرد مذهب فلسفي له أسماء ومقولات ومدارس، وإنما هي يقظة الإنسان حين يفقد الوجود بداهته، وحين يدرك أن المعنى ليس شيئاً جاهزاً ينتظره في نهاية الطريق، وإنما مسؤولية عليه أن يصنعها من حياته واختياراته وأسئلته السفر عند الوجوديين ضرباً من التأمل والتفكير، والكتابة ضرباً من الوجود والعزاء ، والسؤال شكلاً من أشكال مقاومة العدم بحسب سارتر الذي قال : ( علينا إن نقوم بردة فعل كي لا نموت من القرف!)

ولذلك فإن اختيار نوتيبوم عنواناً لهذا المهرجان يبدو لي بالغ الدلالة. فهو الكاتب الذي جعل من الرحلة عبوراً للحدود، ومن الكتابة عبوراً للجدران، ومن الذاكرة مقاومة للنسيان. لقد كان يؤمن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن الإنسان لا يمكن أن يفهم نفسه إذا بقي حبيس المكان الواحد والهوية الواحدة والرواية الواحدة.

لكن جمال المصادفة أن المهرجان لا يحتفي بنوتيبوم وحده، وإنما يستضيف أيضاً مفكراً عربياً عراقياً جعل حياته الفكرية كلها تقريباً مواجهةً لنوع آخر من الجدران: جدران الاستبداد والطائفية والإقصاء والكراهية؛ أعني المفكر العراقي المستنير الدكتور عبد الحسين شعبان.

شاهدنا البارحة في الجلسة الثانية للمؤتمر فيلماً سينمائياً وثائقياً بعنوان «رجل لم يفقد بوصلته»، يستعرض سيرة هذا المفكر الذي ولد في 21 آذار/مارس 1945، ونشأ في النجف، وتشكل وعيه الثقافي والفكري في بيئة عراقية عميقة التعدد، ثم درس القانون الدولي، وانشغل بقضايا حقوق الإنسان والحرية والعدالة والتسامح، وظل طوال مسيرته الفكرية يحمل بوصلته الأخلاقية والإنسانية دون أن يسمح للتقلبات السياسية أن تغيّر اتجاهها.

وقد بدا لي عنوان الفيلم، «رجل لم يفقد بوصلته»، أبلغ من أن يكون عنواناً لسيرة فرد؛ إنه يمكن أن يكون عنواناً لسؤال أخلاقي كامل: كيف يستطيع المثقف أن يحتفظ ببوصلة إنسانية ثابتة في عالم تتغير فيه الاتجاهات السياسية، وتتبدل فيه التحالفات، وتتحول فيه الحقائق أحياناً إلى أدوات في الصراع؟
إن قيمة شعبان لا تكمن فقط في كثرة ما كتب أو في تنوع اهتماماته الفكرية، وإنما في ذلك الخيط الناظم الذي ظل يصل بين أفكاره ومواقفه: الإيمان العميق بالتلازم العضوي بين الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية فالحرية عنده ليست امتيازاً تمنحه السلطة، والعدالة ليست شعاراً يرفع في المناسبات، والكرامة ليست مكرمة من أحد؛ وإنما هي شروط أولية لكي يكون الإنسان إنساناً والمجتمع مجتمعاً والدولة دولة.

اتذكر انني قبل سنوات مضت كتبت بحثا عن مخاطر الطائفية فكان شعبان هو أهم مرجع في بحثيإذ لم يتعامل مع الطائفية بوصفها مجرد اختلاف في العقيدة أو الانتماء، وإنما بحث في بنيتها الاجتماعية والسياسية، وفي المخاطر التي تتحول إليها حين يجري توظيفها في الصراع على السلطة والموارد والنفوذ. فالطائفية لا تصبح خطراً حين يكون للإنسان انتماؤه الروحي والثقافي، وإنما حين تتحول الهوية من مساحة للمعنى إلى جدار يفصل الإنسان عن الإنسان.
البارحة وأنا استمع لكلمة عبدالحسين شعبان تذكرت مقالي بعنوان ( الثقافة هي ما يبق بعد خراب كل شيء) هنا كنا في فضاء ثلاثة رموز ثقافية ، وثلاثة مسارات، وثلاثة أزمنة، لكن السؤال الإنساني واحد.

إن رمزية المكان هنا ليست جغرافية فقط. فالمكان الذي نستحضر فيه نوتيبوم، في هذا الفضاء الهولندي القريب من ذاكرة سبينوزا، يتحول إلى جزء من النص نفسه. فالأمكنة العظيمة لا تحفظ أجساد أصحابها فقط، وإنما تحفظ الأسئلة التي تركوها وراءهم.

إن بيت سبينوزا ليس مجرد بيت، كما أن مدينة لاهاي ليست مجرد مدينة في سيرة نوتيبوم، وكما أن النجف ليست مجرد مدينة في سيرة عبد الحسين شعبان. المكان يصبح عظيماً حين يتحول إلى ذاكرة لفكرة عظيمة.

سبينوزا جعل الحرية شرطاً للعقل.

نوتيبوم جعل الرحلة طريقاً لاكتشاف الإنسان.

وشعبان جعل حقوق الإنسان والعدالة والتسامح بوصلة للفكر والموقف.

وفي هذه الثلاثية أرى معنى بالغ العمق: العقل يحتاج إلى الحرية، والإنسان يحتاج إلى الاعتراف، والمجتمع يحتاج إلى التسامح لكي يستطيع أن يعيش دون أن يحوّل اختلافه إلى حرب.

لقد أدرك نوتيبوم أن الحدود السياسية لا تستطيع أن تمنع الأفكار من السفر، وأن الجدران مهما ارتفعت لا تستطيع أن تحبس الذاكرة إلى الأبد. وأدرك شعبان، من جهته، أن أخطر الجدران ليست تلك التي تُبنى من الحجارة، وإنما تلك التي تُبنى داخل الوعي: حين يتعلم الإنسان أن يرى الآخر بوصفه عدواً قبل أن يراه إنساناً، وحين تتحول الطائفة إلى هوية سياسية مغلقة، وحين يصبح الاختلاف سبباً للإقصاء بدلاً من أن يكون مصدراً للتنوع.

وهنا تكمن أهمية المثقف الحقيقي: أن يقاوم صناعة الجدران قبل أن تتحول إلى سجون، وأن يقاوم اللغة التي تسبق العنف، والفكرة التي تسبق الكراهية، والصورة التي تسبق الجريمة.

لقد شاهدنا في سيرة شعبان رجلاً لم يفقد بوصلته؛ وهذه العبارة تستحق أن تتحول إلى درس للمثقف العربي في زمن الالتباس. فالمثقف لا يقاس فقط بما يعرف، وإنما أيضاً بما يرفض أن يصبحه. لا تقاس قيمته بعدد المنابر التي اعتلاها، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بكرامة الإنسان حين تتغير الخرائط السياسية.

وفي هذا المعنى يصبح شعبان، ضيف هذا المهرجان، جزءاً من رمزيته العميقة، لا ضيفاً عابراً عليه. فالمهرجان الذي يرفع شعار «كلمات ضد الجدران» يجد في تجربته نموذجاً حياً للكلمة التي تقاوم الإقصاء، وللفكر الذي يحاول أن ينتقل بالمجتمع من ثقافة النزاع إلى فضاء التسامح، ومن منطق الغلبة إلى منطق المواطنة، ومن الانتماءات المغلقة إلى ما يمكن أن نسميه المواطنة الحيوية؛ حيث يصبح الإنسان مواطناً كاملاً قبل أن يكون ابن طائفة أو جماعة أو حزب أو قبيلة.

وحين أتأمل كل ذلك، أتذكر أن الإنسان لا يعيش في المكان فقط؛ بل يعيش أيضاً في الزمن، وفي الذاكرة، وفي اللغة، وفي الآخرين. ولذلك فإن أعظم جدراننا ليست خارجنا دائماً، وإنما قد تكون في داخلنا. قد نبنيها من الخوف، ومن التعصب، ومن وهم امتلاك الحقيقة، ومن رفض المختلف.

ولهذا فإن مقاومة الجدار تبدأ من تحرير الوعي.

الكلمة الحرة لا تهدم الجدار دفعة واحدة، لكنها تصنع فيه أول شق. والشعر لا يوقف الحرب وحده، لكنه يستطيع أن يجعلنا نتساءل: لماذا نحارب؟ والفلسفة لا تستطيع وحدها تغيير العالم، لكنها تستطيع أن تجعل الإنسان غير قابل للترويض الكامل. والتاريخ لا يعيد الماضي، لكنه يمنحنا فرصة ألا نكرر أخطاءه بالطريقة نفسها.

ثلاثة رموز ثقافية تفصل بينهم الأزمنة والأمكنة والتجارب، لكنهم يلتقون عند الإنسان بوصفه قيمة لا يجوز اختزالها في جدار أو حدود أو هوية مغلقة. لقد صبّ نوتيبوم رحيق حياته في الحروف، فاستبدل بجسده الفاني جسداً آخر من اللغة، وظل يسافر بعد موته في الكتب والذاكرة واللغات، لأن الكلمة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء صاحبها. وها هو شعبان، ضيف هذا المهرجان ومفكره المستنير، يمثل الوجه العربي للكلمة التي لم تفقد بوصلتها الأخلاقية، فظل يدافع عن الحرية والعدالة والكرامة، ويقاوم الاستبداد والطائفية والإقصاء، مؤمناً بأن الإنسان أكبر من الطائفة، وأوسع من الجماعة، وأكرم من أن يتحول إلى مجرد رقم في هوية مغلقة. وبين نوتيبوم وسبينوزا وشعبان تتوحد الرسالة: الحرية تبدأ حين نكسر الجدار الذي يفصل الإنسان عن الإنسان، والتسامح ليس ضعفاً بل شجاعة الاعتراف بالآخر، والمواطنة ليست مكرمة بل حق، والكلمة حين تتحرر من الخوف تصبح أقوى من السيف وأبقى من الجدار. فالجدران تموت، والحدود تتغير، والأنظمة تسقط، والخرائط يعاد رسمها، والأجساد ترحل؛ أما الأفكار التي تنتصر للإنسان فتظل تعبر من جيل إلى جيل، ومن قلب إلى قلب. وهنا يصبح الأدب فكراً، والفكر أخلاقاً، والمكان ذاكرة، والذاكرة مسؤولية، والرحلة بحثاً عن الإنسان، والكلمة فعلاً من أفعال الحرية. وربما لهذا كان «كلمات ضد الجدران» أكثر من عنوان لمهرجان؛ إنه موقف من الحياة نفسها: فحين يكثر العالم من بناء الجدران، يصبح واجبنا أن نواصل بناء الجسور….

ضع اعلانك هنا